رواية سفاح التاكسي الفصل الثاني بقلم أندرو شريف
بعدها ضربت جرس لجمعة اللي دخل المكتب وخرج نعمة، وبعد ما خرج عبد السميع هو كمان طلع، ريحت ضهري على كرسي المكتب وطلعت سيجارة من الدرج، ولعتها وشديت نفس، خرجته بضيق وانا بقول لنفسي، (يطلع مين الباكي ده يا فؤاد).. قطع تفكيري ماهر وهو بيرن عليا، رديت عليه، وقبل ما انطق واقول اي حاجة، اتكلم وقالي:
-جثة مضروبة رصاصة في نص دماغها على طريق سريع يا فؤاد باشا، والموضوع مش صدفة وحضرتك لازم تيجي دلوقتي.
-اللوكيشن حالا يا ماهر.
-وصل يا باشا.
مجرد ما خلص جملته اللوكيشن اتبعت، بعدها قفلت السكة ونزلت ركبت عربيتي واتحركت على المكان وانا حاسس ان كل حاجة بتتعاد، خاصة لما وصلت وشوفت دوريات الشرطة واقفة، لكن الجديد ان كان في ناس كتير زاحمين المكان، عن المرة اللي فاتت اللي ماكنش فيها حد، وبعد ما ركنت عربيتي في نص الطريق، ونزلت منها، قربت من مسرح الجريمة، ووقتها سمعت واحد بيقول:
-لا حول ولا قوة الا بالله.
بصيت حواليا لقيت صحفيين كتير، واحد منهم أول ما شافني قرب مني بموبايل في ايده وكان فاتح منه لايف.
-ايه تعليقك يا باشا على ان في سفاح منتشر؟
-سفاح!
-جريمتين في اقل من يومين وبنفس الطريقة، ودي حاجة بتدينا انطباع اننا قصاد سفاح هارب.
حاولت اتمالك اعصابي قدام الكاميرا، وفي الوقت المناسب ماهر خدني من وسط الصحفيين، بعدها خدت نفس عميق وقولتله:
-ايه اللي بيحصل هنا يا حضرة الظابط، ومين اللي وصل المعلومات دي للصحفيين؟
-ماعرفش يا باشا، احنا جالنا البلاغ واتحركنا على المكان، وبمجرد ما وصلنا اتصلت بحضرتك، ومافيش، لحظات والمكان اتملى صحفيين، والغريب انهم عارفين تفاصيل قتل اسماعيل، على الرغم من اننا ماقولناش حاجة.
-مش غريب ولا حاجة، اكيد حد من العساكر بلغ وقبض.
-والعمل؟
-نركز في القضية ونحلها في اقرب وقت، الموضوع وسع وماينفعش نبان في موقف ضعف قصاد الرأي العام.
-جريمة اسماعيل كأنها بتتكرر يا باشا، راجل واخد رصاصة في دماغه، ومافيش أي حاجة بتدل مين ده ولا بيعمل هنا ايه.
-والمرادي القاتل ضرب الرصاصة في نص دماغ القتيل، وده طبعا عشان مايبقاش فيه فرصة انه يعيش.
-مظبوط يا باشا.
-لا مش مظبوط، ابعتلي الجثة دي على مشرحة، وهناك، عايز دكتور سليم يقارنلي بينها وبين اسماعيل، اكيد في حاجة هتساعدنا.
-علم وينفذ.
ومشي من قدامي، من بعدها اتحركت ناحية مسرح الجريمة ووقفت قصاد الجثة وانا بكلم لنفسي، (يا ترى حصلك ايه انتي كمان!).. بصيت على ايد الجثة لقيته مش متجوز ولا خاطب، أعزب، وبالنسبة لشكله فهو حوالي خمسة وعشرين او ستة وعشرين سنة، ومن لبسه واضح انه بيهتم بنفسه، يعني، زيه زي شباب اليومين دول اللي عايشنها بالطول والعرض، بس ايه علاقته بجريمة سواق التاكسي.. مش عارف!، لكن الاجابة جتلي بسرعة لما ماهر قطع شرودي وقالي:
-تاكسي جديد لقوه متعطل على طريق سريع، وشرطة المرور بلغتنا لما لقت دم على كرسي السواق.
في اللحظة دي المسئلة كانت وضحت قدامي، وقتها رديت على ماهر وانا حاسس بطرف الخيط في ايدي:
-كده المجرم بيستهدف سواقين التاكسي.
-من الواضح كده يا باشا.
-طب يلا نتحرك على المكان، اكيد هنلاقي حاجة تفيدنا.
لما وصلنا هناك لقينا المعمل الجنائي وصل وفتش كل حاجة جوة التاكسي، بس الغريب ان برضه ماكنش فيه حاجة مسروقة وكل المتعلقات الشخصية للجثة كانت موجودة، كأن القاتل بيلهينا على ما يمسح بصماته، وده لأن المعمل الجنائي مالقاش أي بصمة، حتى للسواق، وبالنسبة له، فكان اسمه ماجد عماد، والتاكسي، كان يخص والده، عماد ابراهيم، وقتها فهمت اني قصاد سفاح مرتب جريمته كويس أوي، لكنه في الأخر بشر وأكيد هيغلط في تفصيله هتغرقه... قطع سرحاني واحد من المعمل الجنائي واقف قدامي، كان ماسك في ايده ورقة مكتوب فيها "لن أنساكِي" بتوقيع الباكي، ولو تفتكروا، دي هي هي نفس الورقة اللي لقيناها المرة اللي فاتت.. في اللحظة دي اتأكدت مليون في المية اني قصاد سفاح، ومن هنا، أول حاجة فكرت فيها هي ماهر، قولتله يدور في قواضي قديمة، تشبه القضية اللي تحت ايدينا دلوقتي، يمكن وقتها نوصل لحاجة، بعدها رجعت البيت أريح شوية وافكر في القضية بهدوء أعصاب، بس وقتها ولما ملك بنتي فتحت التلفزيون، اللي كنت متوقعه حصل، الاخبار نقلت الجريمتين بالتفصيل والعناوين كلها كان بيتصدرها الباكي، وبكده، ظهر سفاح جديد زانضم لقايمة طويلة، لكن لحظة، دول جايبين سيرتي وبيشككوا في قدرتي على حل القضية، في اللحظة دي اتعصبت والدم فار في عروقي، ولعت سيجارة وحرقت فيها، ولما داليا شافتني بالمنظر ده، بصت بعينيها على السيجارة، ومع نظرتها خدت بعضي وطلعت البلكونة عشان ماشربش قدام البنت، وبعد ما طلعت ولعت سيجارة تانية وانا بفكر، مين ده وبيعمل كده ليه؟.. جمعت الخيوط في دماغي واللي وصلتله اني بجري ورا مجنون، اه، ما هم السفاحين بيبقوا ايه غير مجانين، نصهم بيترمي في مصحات نفسية والنص التاني بيتعدم عشان الرأي العام، ووسط مانا بفكر داليا دخلت البلكونة وحطت ايديها على السور:
-مش فاكرة دي الليلة رقم كام اللي بشوفك فيها واقف في البلكونة وانت بتولع سيجارة و بتفكر في قضية تقيلة، اما انا وبنتك، فعادي نبقى قاعدين جوة خايفين منك، اه، ما احنا مش عارفين انت دلوقتي متقمص دور القاتل ولا المقتول، وياترى بكرة مخبيلنا ايه، لكن المرادي اول مرة احس انك فؤاد، جوزي، واقف بتولع سيجارتك وانت خايف، شاكك في نفسك، حاسس ان الفشل قريب منك، لكن بالعكس، عمري ما شوفتك فاشل، دايما بتلاقي الحل، او ربنا بيبعتهولك في اسرع وقت.
بصيت في عينيها ورديت عليها وانا باخد نفس من سيجارة تالتة كنت ولعتها:
-مش قادر ابقى القاتل، مش حاسس بيه، مشاعر حزن بتتملكني كل ما ابقى في مسرح الجريمة، كأن الشر اتبخر من قصادي.
-مش يمكن القضية دي محتاجة فؤاد، مش حد تاني؟
-وفؤاد مش قادر يتصرف، ولا حتى قادر يفكر، كل اللي في دماغي دلوقتي اني اعتذر عن القضية واتحمل عواقب قراري.
-على الرغم من انها هتبقى حاجة كويسة ليا، وده لأني يعني هبقى متطمنة عليك، الا انها هتبقى حاجة وخشة اوي ليك، فؤاد، انت هتفضل طول عمرك ندمان على قرار زي ده، وأنا مش هقبل بيه.. اسكعني، فؤاد باشا وكيل النيابة العظيم، هو اللي هيحل قضية السفاح، وبدل ما تقدم اعتذارك والصحف تكتب عن هروبك، خليهم يكتبوا عن حلك للقضية بسهولة زي كل مرة.
طفيت سيجارتي قبل ما اخلصها على غير عادتي، بعدها خدت نفس عميق وبوست راس داليا وقولتلها:
-شكرا... شكرًا على كل حاجة.
بعد كده نزلت ركبت عربيتي وطلعت على المكتب، وقبل ما اخش طلبت من جمعة يبعت لماهر يجيلي حالا، اما انا، ف قعدت وطلّعت ملف القضية، قلبت فيه شوية عقبال ما ماهر وصل، وبعد ما وصل قعد على الكرسي اللي قدامي.
-ها ياماهر.. وصلت لفين؟
-انا راجعت قضايا قديمة ممكن تفيدنا، بس مافيش قضايا مشابهة يا باشا، كل القضايا اللي ليها علاقة، يا تحرش، يا اغتصاب، ياسرقة، ودي حاجات بعيدة كل البعد عن قضيتنا.
-مافيش حاجة اسمها بعيدة يا حضرة الظابط، اي خيط نمسك فيه لحد ما نوصل للحقيقة، احنا مش هنقعد نتفرج على بعض والرأي العام بياكل فينا، الاعلام مش هيرحم حد.
-انا بعمل كل اللي اقدر عليه يا باشا.
-ماهو طالما ماوصلناش لحاجة يبقى مابتعملش اللي عليك، انت تقوم دلوقتي وترجع تفتح في قضية قضية، تقرأ التحقيق بتاعها، ولما توصل لحاجة كلمني.
-اوامرك يا باشا.
بعد ما ماهر مشي قعدت لحد الصبح في المكتب، كنت بقلب في قضايا قديمة يمكن أوصل لحاجة، لحد ما حسيت اني تعبت، ومن التعب فردت ضهري على كنبة المكتب وروحت في النوم، ماعرفش عدى قد ايه، لكني فوقت على رنة موبايلي، وكالعادة اللي بيتصل كان ماهر، رديت عليه وأنا بدور على علبة السجاير في جيبي.
-ايه يا ماهر، وصلت لايه؟
رد عليا وهو متوتر:
-انا بتصل بحضرتك بقالي ساعة يا فؤاد باشا ومابتردش عليا، احنا في مصيبة.
-ايه اللي حصل يا ماهر انطق.
-احنا.. احنا لقينا جثتين مقتولين بنفس الطريقة في مكانين مختلفين، ومن دقايق قبل ما حضرتك ترد، جالنا بلاغ بعربيتن تاكسي موقفين الطريق، وماحدش شاف القاتل يا باشا، كأنه عارف بيعمل ايه وحافظ البلد شبر شبر.
-اللوكيشن يا ماهر.
-بعته لحضرتك من بدري.
بعد ما قفلت معاه قومت من على الكنبة، شديت المفاتيح وعلبة السجاير من على المكتب ونزلت، وأول ما وصلت مسرح الجريمة لقيت صحفيين كتير، المنظر خلاني اتعصب لأنهم معطلين الشرطة، فـ نزلت من العربية وولعت سيجارة، ومن الضغط النفسي اللي كنت فيه زعقت في العساكر وطلبت منهم ان كل اللي في المكان يمشوا، سمعوا الأوامر ونفذوا، ولما وصلت لمكان الجثة، لقيتها مقتولة بنفس الطريقة، بس المرادي الضحية كان راجل كاسر الخمسين سنة، واضح عليه الغلب والطيبة، ووسط مانا بحلل الوضع سمعت واحدة بتعيط بحرقة.
-قتلوك يا بابا، انا قولتلك ماتنزلش في وقت متأخر زي ده، انت اللي ماسمعتش الكلام، واخرتها ايه، قتلوك، ملعون ابو الفلوس اللي تخلي الواحد يعمل كده في نفسه، اوعىىىىى.. سيبني بقولك، عايزة اشوفه.
لما بصيت عليها وشاورت للعسكري يسيبها، خليتها تشوفه بس من بعيد، ومع نظرتها له ردت عليا وهي بتبكي:
-ايه.. مش عارفين تحموا الناس، انتوا بتعملوا ايه وفي سفاح وسطينا.
ماهر سمعها وطلب من العسكري يرميها برة، فاتعصبت عليه وقولتله:
-عندها حق، احنا بنعمل ايه؟... اربع ضحايا في ظرف كام يوم، واحنا واقفين بنتفرج.
-بس يا فؤاد با..
-مابسش، قولي اللي حصل بالتفصيل واخبار عربيتين التاكسي اللي لقوهم.
-نفس الي بيحصل كل مرة، الفرق انهم لقوا ورقتين جوة العربيتين مكتوب فيهم "هفضل انتقم" ونفس التوقيع، الباكي.
وقتها موبايلي رن، واللي كان بيرن دكتور سليم اللي رديت عليه.
-مش وقته يا دكتور، هكلمك بعدين.
لسه كنت هقفل الخط رد عليا وقالي:
-صحي.. اسماعيل صحي.
نظرات وشي فضحتني لانها اتحولت من نظرت غضب وتوتر، لنظرات كلها امل، نظرات خلت ماهر يسألني مالك، بس سؤاله ماهمنيش، انا نسيت انه واقف قدامي ورديت على سليم.
-جايلك حالا.
قفلت معاه وبصيت لماهر.
-وانت.. تعالى معايا.
من غير ما يعرف احنا رايحين فين فهم، ولما وصلنا المستشفى، طلعنا لأوضة اسماعيل لقينا دكتور سليم واقف، اول ما شافني ابتسم وقالي:
-كنت مستنيك يا دكتور، واسماعيل كمان مستنيك.
-مستنيني!
-اصله حالف ما يتكلم غير قصاد النيابة، بس خد بالك يا فؤاد باشا، اسماعيل داخل في حالة عصبية صعبة، يعني هتلاقيه ساعات بيتهته في الكلام، خايف معظم الوقت، ما اصل اللي مر بيه ماكنش سهل برضه.
-مفهوم مفهوم، دخلني عنده.
دخلت انا وماهر وقعدنا قصاده بهدوء، أول ما شافنا اتوتر..
