رواية غرام الذئاب الفصل الرابع والثلاثون
اندفعت والدتها إلى الداخل وقد اشتعلت في صدرها نار ما رأته قبل لحظات مقطع الفيديو الذي أرسل، تتقدمها الصدمة ويعقبها الفزع، فإذا بالمشهد يصفع بصيرتها صفعًا، ابنها يقف كوحش مسعور، عيناه تقدحان شرر وصوته يعوي في أرجاء الغرفة، قابضًا على سكين يقرب نصلها البارد من نحر شقيقته، تجمدت الدماء في عروقها لوهلة، ثم انتفضت غريزة الأمومة في أعماقها، فلم تفكر ولم تتردد.
ركضت نحوه بكل ما أوتيت من قوة، قبضت على ثيابه وجذبته بعنف بعيدًا عن ابنتها، وهي تصرخ وقد خرج صوتها مبحوح ممزق من قاع قلبها
"هاتموت أختك يا ابن الـ....!"
التفت إليها بعينين يقطر منهما الغضب والجنون، وصاح بصوت أجش ضاري
"وعايزاني أشوف وساختها وأسيبها عايشـ..."
لم تُتح له الفرصة ليتم جملته، إذ انطلق من صدره تأوه غليظ، وارتطم جسده بالحائط ارتطام عنيف، بعدما انتهزت منار انشغاله بالصياح في وجه والدتها، فدفعته بكل ما ادخرته من خوف وغضب وبقايا قوة، دفعة يائسة تحمل روح النجاة.
لم تنتظر لترى عاقبة فعلها، بل اندفعت كالسهم المنفلت، التقطت هاتفها من فوق طاولة الزينة بيد مرتعشة، واندلعت خارج المنزل، تاركةً خلفها صدى الصراخ، ورجفة الرعب.
وما إن اندفعت خارج المبنى حتى باغتها الإدراك صفعة أخرى؛ ثوب قطني منزلي خفيف، وجسد مرتجف، وقدمان حافيتان تلامسان برودة الإسفلت بلا ساتر ولا رحمة.
كانت في هيئة أقرب إلى الهاربة من محرقة، لا إلى فتاة خرجت لتوها من بيتها.
استوقف مظهرها أحد الجيران وهو على وشك دخول المبنى، تطلع إليها بدهشة وارتياب، لكن ذهوله تلاشى حين شق الفضاء صياح هائج آت من الداخل، صياح شقيقها وهو يهبط الدرج كالإعصار، يتوعد لها بالموت دون رحمة
"وربنا ما هسيبك، هقتلك، لو روحتي فين هقتلك"
اندفعت تركض وقد استبد بها الفزع، تتعثر بأنفاسها وتهوي دقات قلبها كطبول حرب داخل صدرها.
همت بعبور الطريق دون وعي، ولم تنتبه إلى سيارة قادمة بسرعة جنونية، حتى شق أذنها صوت تنبيه حاد أجفلها بشدة.
توقفت فجأة، شهقت كمن عاد لتوه من الموت، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف، تلتقط أنفاسها المبعثرة بصعوبة.
رفعت عينيها المرتعشتين نحو سائق السيارة الذي ترجل منها على الفور… ومن غيره يكون؟!، كأن القدر اعتاد أن يضعه في درب نجاتها كلما ضاقت بها السبل.
تمتمت باسمه بملامح ضائعة، وعينين تنضحان برجاء صامت يسبق الكلمات
"أدهم! "
حدق بها فرآها بتلك الهيئة المزرية، بثوبها المنزلي الرقيق وقدميها الحافيتين ووجهها الشاحب، فخلع سترة بدلته دون تردد، وألقى بها فوق كتفيها يستر ارتجافها قبل أن يستر جسدها.
كاد يسألها عما يحدث، لكن السؤال مات في حلقه حين رأى تفسيره شقيقها الذي يركض نحوهما بعينين تقدحان شرًّا، وصوت يزمجر بالتهديد.
انتفضت منار بفزع حين بلغها صراخه
"هتهربي مني تروحي فين؟!"
وقبل أن تمتد يده إليها، كانت يد أدهم أسرع، قبض على منار ودفعها برفق حاسم نحو سيارته، آمرًا إياها بصوت لا يقبل جدلًا
"ادخلي العربية واقفلي عليكي"
ثم استدار كالإعصار، وقبض على تلابيب شقيقها، وانهالت قبضتاه عليه بلا هوادة، يزيح السكين من يده وهو يكيل له اللكمات
"بتتشطر عليها يا دكر؟!"
تتابعت اللكمات والركلات كالمطر الغاضب، فيما الآخر يتخبط عاجزًا، لا يملك دفاع ولا رد، إذ كانت الغلبة كاملة لأدهم بطوله الفارع وجسده الرياضي المشدود كوتر قوس.
شق المشهد صراخ أنثوي مذعور
"ابني!"
كانت والدة منار قد وصلت تلهث، وفي اللحظة نفسها هبطت منار من السيارة، تمسك بذراع أدهم بحذر وتوسل، دموعها على وشك الانهمار
"عشان خاطري سيبه"
توقف أخيرًا، واستدار إليها وهو يلتقط أنفاسه بصدر يعلو ويهبط بعنف
"أسيبه إيه؟، ده كان عايز يموتك!"
أسرعت تخبره، والكلمات تتزاحم على شفتيها
"رامي بعتله الفيديو… وهو مش فاهم حاجة"
ألقى نظرة على الجسد الممدد أرضًا، ووجهه الذي يذرف الدم من فمه وأنفه، ثم قال بحدة ساخرة
"ولو فاهم غلط مش من حقه يأذيكي، جاي يعمل عليكي دكر؟! كان فين من زمان؟!"
هبط على عقبيه أمام شقيقها، وحدق به قائلًا بوعيد قاتم
"لولا أختك وأمك، مكنتش هحلك من إيدي"
بصق عليه في ازدراء، ثم نهض.
في تلك الأثناء، جثت والدة منار جوار ابنها تطمئن عليه، غير عابئة بابنتها التي نجت لتوها من الموت، ولا بالمارة الذين تجمعوا، ولا بالجيران الذين ازدحموا على الشرفات يراقبون المشهد، وقد تحول المكان إلى فضيحة مكشوفة تتناقلها العيون قبل الألسنة.
انتبه أدهم إلى ذلك الجمع، فرمقهم بنظرة غاضبة، وصاح بهم
"بتبصوا على إيه؟ ما كل واحد يشوف اللي وراه"
ثم أمسك منار من يدها، وفتح باب السيارة
"ادخلي"
دلفت بتردد، أو لعله هروب من عيون الناس ومن ثقل الفضيحة.
ركب الأخر مقعد القيادة، وأدار المحرك، فانطلقت السيارة تشق الطريق.
نظرت إليه خلسة، فوجدته في ذروة غضبه، عروق يده وعنقه بارزة، خافت أن تنطق بحرف واحد فيصب غضبه عليها، لكنها انتفضت حين باغتها بسؤاله المفاجئ، وعيناه مثبتتان على الطريق
"عايزة تقولي إيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وسألته بصوت خافت
"إحنا رايحين فين؟"
رمقها لثوان طويلة، دون أن يجيبها بحرف واحد.
❈-❈-❈
ترص أطباق الطعام على المائدة بعناية، حيث الفطور الشهي، ثم مسحت يديها بمحرمة ورقية واتجهت إلى غرفة زوجها، وقد غلب على ظنها أنه استيقظ.
فتحت الباب على مهل، فإذا به ما يزال غارقًا في سبات عميق منذ ليلة الأمس، مستسلمًا لتأثير مسكنات الألم التي تناولها كي يخفف وطأة جرح كتفه.
دلفت إلى الداخل، وتقدمت نحو النافذة، ثم سحبت الستائر، فانسكب الضوء دفعة واحدة، وغمرت الإضاءة أرجاء الغرفة حتى أضحت مشرقة.
لاحظت حركة جفونه المضطربة من شدة الضوء، فابتسمت في رفق واقتربت منه وجلست جواره على طرف الفراش، تتأمل ملامحه وقلبها يخفق بخفوت حنون.
مدت يدها بتردد، ووضعتها على كتفه الأخرى غير المصابة، وانحنت نحوه هامسة بصوت مشبع بالود
"قوم يا ياسين، الفطار جاهز"
أمسك يدها وسحبها برفق، ثم وضع كفها فوق صدره، فتح عينيه ببطء لتقع عيناه على عينيها مباشرة، فابتسم ابتسامة دافئة
"صباح الخير يا روح قلبي"
بادلته الابتسام، وقالت بنبرة لطيفة
"إحنا بقينا بعد الضهر، قوم يلا ادخل الحمام اتوضا وصلي وتعالى عشان تفطر وتاخد العلاج"
استقام بجسده ببطء، وما يزال ممسكًا بيدها، فشبك أصابعه بأصابعها، ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها
"تسلم إيدك يا حبيبي الحنين… أهو أنا كده رجعت ليا حياتي، واتردت فيا روحي من جديد، بحبك"
ابتسمت بخجل ظاهر، فترك يدها وأمسك بطرف ذقنها رافعًا وجهها نحوه كي تنظر في عينيه، وسألها بلهفة صادقة
"بتحبيني؟، ولا لسه بالنسبة لك غريب؟"
تسارعت دقات قلبها حتى كادت تسمع صداها في أذنيها.
سؤاله أعاد إلى ذاكرتها سؤال رحيم القديم، لكن الفارق كان شاسعًا؛ فهي لم تشعر يومًا بصدق تلك الكلمة تجاه الطبيب، رغم إعجابها بشخصيته، وتقديرها لمواقفه النبيلة معها.
بينما ياسين، فقربه منها كان شيئًا آخر تمامًا… إحساسًا يتسلل إلى قلبها كلما نظرت في عينيه، وكلما سمعت صوته أو لمست يده.
شعور مألوف لجسدها، كأن خلاياها تتذكر كل شيء، رغم ضياع الذاكرة.
"سرحتي في إيه؟"
سألها، فانتبهت من شرودها وقالت
"مفيش… إنت كنت بتقول إيه؟"
"بقول إني بحبك… وانتي؟"
ابتلعت ريقها، وهمت بالرد بتؤدة
"وأنا…
قاطع كلماتها اهتزاز هاتفه، فألقى نظرة سريعة على الشاشة، ليجد اسم شقيقه يوسف، فقالت له
"رد عليه، عشان اتصل الصبح بدري يطمن عليك، وبيقول هييجي بالليل عشان يغير لك على الجرح"
تبدلت ملامحه فجأة، وانتقل من دفء الحب إلى ضيق ظاهر، وقال بنبرة حاسمة
"كتر خيره لحد كده، مش عايز منه حاجة، هابقى أروح مستشفى قريبة مننا أغير على الجرح، أنا ممكن أسامحه على أي حاجة قالها في حقي، لكن ييجي عندك واستوب، لأ، خط أحمر، ومهما اتأسف مش هنسى كلامه عليكي"
اقتربت منه أكثر وقالت بلطف محاولة تهدئته
"خلاص بقى يا ياسين هو اعتذر لك، وواضح عليه امبارح إنه ندمان على كل الكلام اللي قاله، مهما كان ده أخوك وراعي ظروفه مع مراته، وحوار الطلاق مأثر عليه، أقولك على حاجة، أنا مسامحاه على أي كلمة قالهالي، وربنا يسهله ويهديه لمراته وولاده"
كان يصغي إلى كلماتها وقلبه يفيض إعجابً بصفاء روحها وسعة صدرها، تتراقص في عينيه دهشة مبهورة بنقاء نادر في ذلك الزمان.
التقت عيناها بعينيه على حين غفلة، فشعرت بحرارة نظرته، وأسرعت تخفض بصرها خجلًا، كأن الورد قد سرى في وجنتيها حياء.
رفع يدها التي ما تزال مستقرة في كفه، وطبع عليها قبلة أخرى ممتلئة بالشغف، ثم قال بصوت دافئ
"انتي ملاك أوي يا ياسمين"
جال بنظراته فوق ملامحها الرقيقة، وتوقف عند خصلات شعرها المنسدلة على جانب وجهها، تحجب عنه نصف جمالها، فرفع يده الأخرى وأزاحها برفق بالغ، مقتربًا من خدها وهو يقول برجاء
"تسمحيلي؟"
رفعت عينيها إليه، وقد شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس بشرتها، وأدركت مراده قبل أن ينطق به، فأومأت بخجل زادها فتنة، فابتسم بسعادة عارمة
"يا لهوي على كسوفك اللي بيجنني… وبيخليني عايز…
وعض على شفته السفلى في محاولة للسيطرة على اندفاعه.
سألته بمكر مصطنع، وعيناها تلمعان بخبث بريء
"عايز إيه؟"
رمقها بنظرة غارقة في العشق، وأجاب بصوت متهدج بالهيام
"مخليني عايز أعمل كده"
وانحنى ليقبل خدها بتؤدة، قبلة طويلة جعلت جسدها يقشعر بين يديه، ثم أردف
"وكده"
وطبع قبلة أخرى بجوار شفتيها، يختبر مدى تقبلها، يختبر المسافة التي تسمح له أن يقطعها نحوها، وهي التي لم تألف بعد فكرة زواجهما، ولم تعتد بعد قربه بهذا الشكل.
لكنه فوجئ بعينيها تُغمضان في استسلام خجول، وبأنفاسها تتسارع، فارتفعت أنفاسه هو الآخر، واقترب أكثر حتى التقط شفتيها بشفتيه، قبلة غامرة حملت شوق مكبوت وحنين دفين.
ترك يدها ليطوقها بذراعيه، وتسللت أنامله إلى خصلات شعرها خلف رأسها، يعمق قبلته، فبادلته إياها على استحياء ممزوج بالاشتياق، ومدت ذراعيها تحيط بجذعه، تعانقه بعناق دافئ حنون.
ابتعد قليلًا، وحدق في شفتيها متأملًا أثر قبلاته عليهما، فرآها تائهة في بحور عشقه، فاشتعلت رغبته في المزيد.
مد يده إلى تلابيب ثوبها، وفك الأزرار العلوية ببطء متعمد، ثم هبط بشفتيه على عنقها، يزرع القبلات نزولًا نحو كتفها، بالتزامن مع إزاحة الثوب وما تحته، حتى انكشف كتفها عاريًا.
أمطره بوابل من القبلات، وكلما لامست شفتيه بشرتها انتفضت بين يديه، تهمس باسمه بصوت مرتعش
"ياسين"
توقف عن حركته ورفع رأسه، وسألها بهمس عاشق يتقد شوقًا
"نعم يا روح وقلب ياسين؟"
عضت على شفتيها بحرج واضح، ففطن إلى سبب ارتباكها، حين وقعت عيناه على الندبة التي تزين كتفها، أثر الجرح القديم من الحادث الذي تعرضت له.
أمسك بطرف ذقنها، ورفع وجهها إليه حتى تنظر في عينيه، وقال بثقة وصدق
"مكسوفة ليه؟، ما قولتلك قبل كده مفيش بينا كسوف ولا حرج، أنا بعشق كل حتة فيكي، حتى الندبة دي شكلها حلو ومغري كمان"
وضعت خصلاتها خلف أذنها، وقالت بصوت خافت
"أنا عارفة إنك بتجبر بخاطري، بس هي شكلها مش حلو خالص"
ابتسم بثقة، وهز رأسه بنفي
"أنا عمري ما كنت منافق، بالعكس أكتر واحد صريح، وبقولك الندبة دي شكلها very s*e*xy"
نظرت إليه بدهشة خجولة
"بجد؟"
اقترب أكثر، وقال بنبرة مشاكسة
"بجد… حتى أثبتلك"
فجعلها تستدير ببطء لتجلس وظهرها إليه، أزاح خصلات شعرها المنسدلة، وجمعها برفق ووضعها على كتفها الآخر، فانكشف كتفها العاري أكثر، يلمع تحت ضوء الغرفة كقطعة عاج مصقولة.
أمسك بعضديها بحنو بالغ، كأنما يخشى أن يؤلمها حتى بلمسة هواء، ثم انحنى وهبط بشفتيه على الندبة، يطبع عليها قبلة تلو أخرى، قبلات تحمل وعد العشق وصدق الاحتواء.
ومن بين كل قبلة وأخرى، ومن عمق أنفاسه المتلاحقة، همس لها بصوت مثقل بالشوق
"وحشاني أوي… واحشني ملمس جلدك… وحشاني ريحتك اللي زي اسمك… كلك فيكي وحشاني يا ياسمينتي"
استدارت نحوه ببطء، وحدقت في عينيه لحظة صامتة، نظرة ممتلئة بما تعجز عنه الكلمات، ثم أغمضت عينيها في استسلام واضح، ففهم دعوتها الصامتة، وأدرك أنها تطلب منه قبلة أخرى تأسرها في عالمه.
لبى نداءها دون تردد، فالتقط شفتيها بشفتيه، قبلة دافئة عميقة، وفي الوقت ذاته كانت يداه تنسحبان بهدوء فوق كتفيها، تزيحان الثوب عنهما شيئًا فشيئًا.
لكن فجأة، شق سكون اللحظة صراخ صغيرتهما القادم من الغرفة المجاورة.
"ياسمينا!"
ابتعدت عنه على الفور، وانتفضت بفزع فهنا غلبها شعور الأمومة، وعدلت من مظهرها سريعًا، رفعت كتفي الثوب إلى موضعهما، وأغلقت أزراره على عجل.
قالت وهي تلتقط أنفاسها
"هاروح أشوفها"
❈-❈-❈
وغادرت الغرفة مسرعة، كأنما يطاردها نداء الأمومة قبل أن يبلغ مسامعها، لتدلف إلى غرفة ابنتها بخطوات متلاحقة.
لحق بها ياسين حتى عتبة الباب، ثم توقف هناك، يراقب المشهد في صمت مثقل بالقلق والترقب.
بينما هي فما إن وقعت عيناها على صغيرتها حتى انخلع قلبها وجعًا؛ وجدتها منزوية في أقصى زاوية من السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي بكاء مكبوت.
اندفعت نحوها، وجلست على حافة السرير بحنان ولهفة
"مالك يا حبيبتي؟"
جاءها صوت الصغيرة متقطع من بين شهقاتها
"أنا آسفة… مش هعمل كده تاني"
انعقد حاجبا ياسمين دهشة، ولم تفهم شيئًا مما تقصده ابنتها، فسألتها بلطف
"بتتأسفي على إيه؟"
أشارت الطفلة بعينيها المرتعشتين نحو منتصف الفراش، فتتبعت الأم نظرتها، لتجد الملاءة مبتلة.
في لحظةٍ واحدة أدركت ما حدث، وشعرت بوخزة مؤلمة في قلبها، ليس بسبب الأمر ذاته، بل بسبب الخوف الذي ملأ قلب صغيرتها.
فتحت ذراعيها على مصراعيهما، وقالت بصوت دافئ يحتضن الكلمات قبل أن يحتضن الطفلة
"طب خايفة وبتعيطي ليه؟، وإيه يعني يا قلب ماما؟ تعالي متخافيش"
توقفت الصغيرة عن البكاء شيئًا فشيئًا، وتسربت الطمأنينة إلى ملامحها، فاقتربت من والدتها وارتمت بين ذراعيها، ضمتها الأخري إلى صدرها وعانقتها عناق غامر، كأنها تحاول أن تذيب خوفها داخل قلبها.
"مش عايزاكي تخافي من حاجة أبدًا، وبعدين إيه يعني اللي حصل، ده غصب عنك، أنا هاخدك وندخل الحمام، نقلع الهدوم وناخد شاور حلو بمية دافية، ونلبس أحلى فستان، ونطلع نفطر مع بابا إيه رأيك؟"
رفعت الصغيرة وجهها الباسم، وقد لمع بريق أمل في عينيها، وأومأت موافقة.
ابتسمت والدتها، وربتت على خدها بحنان
"زي القمر… ربنا يحفظك يا قلب ماما"
ثم عانقتها مرة أخرى، وسألتها برفق
"انتي كنتي بتصرخي عشان كده؟"
هزت الطفلة رأسها نفيًا، وقالت بصوت يحمل بقايا خوف
"حلمت بكابوس وحش أوي"
ربتت ياسمين على ظهرها لتطمئنها
"خير اللهم اجعله خير، ما تخافيش يا حبيبتي، ده مجرد حلم وحش وراح لوحده، ما تفكريش فيه"
ابتعدت الصغيرة قليلًا عن حضن والدتها، وقالت ببراءة موجوعة
"أنا كل يوم بحلم بيه يا مامي… بحلم برودي ماسكة تعبان وبتجري ورايا بيه عايزاه يقرصني، وبييجي عمو معرفش هو مين، بيشيلني وينقذني منها"
شعرت بوخزة حادة في قلبها، أدركت أن ابنتها قد عانت أكثر مما كانت تظن، وأن تلك المرأة تركت في نفس الطفلة ندبة نفسية غائرة.
وفي تلك اللحظة، انتبهت إلى وجود ياسين عند عتبة الباب، كان واقفًا صامت، وعلى وجهه حزن ثقيل، وفي عينيه نظرة ندم موجعة؛ ندم رجل أدرك متأخرًا أن إهماله وثقته في امرأة غير جديرة بالثقة كانا سببً في الكارثة التي تتكشف أمامه الآن.
ربتت زوجته على ظهر ابنتها في إيقاع حنون، ثم انحنت وقبلت خدها الصغير قبلة مطمئنة، وقالت بصوت دافئ يفيض بالأمان
"مفيش حاجة من دي هاتحصلك طول ما أنا وبابا معاكي، ما تخافيش، خليكي قوية… ويلا تعالي عشان أحميكي"
ترددت الصغيرة لحظة، ثم نظرت إلى والدتها بحرج واضح وقالت
"لأ… أنا هاروح أخد شاور لوحدي، يا مامي أنا كبرت، و أنتي قولتيلي زمان عيب حد يشوفك أو تغيري قدام أي حد، حتى لو بابي ومامي"
ابتسمت والدتها ابتسامة رضا وفخر، وربتت على شعرها برفق
" برافو عليكي يا روحي، طب روحي وأنا هحضرلك هدومك عقبال ما تخلصي"
ارتسمت على وجه الصغيرة ابتسامة حماسية
"أوك مامي"
ثم اتجهت إلى الحمام بخطوات سريعة.
في تلك اللحظة دلف ياسين إلى الغرفة، فنظرت إليه ياسمين وسألته
"طبعاً سمعت كل حاجة… وشوفت حالة البنت"
أومأ برأسه وقال بنبرة جادة
"لازم ناخدها ونوديها لدكتور أو ثيرابيست عشان تتجاوز الصدمات النفسية اللي حصلتلها"
هزت رأسها نافية، واخبرته بثقة هادئة
"علاج بنتنا مش محتاج دكتور، علاجها إننا نحتويها، وناخدها في حضننا ونطبطب عليها، ونعوضها عن كل المشاعر اللي كانت مفتقداها لما أنا مكنتش موجودة، وانت كنت مشغول عنها"
خفض رأسه قليلًا، وقال بصوت مثقل بالندم
"أنا السبب… وندمان ندم عمري"
اقتربت منه وربتت على كتفه بلطف
"كل ده نصيب ومكتوب، خلينا في دلوقتي، انت قرب منها زي ما قولتلك قبل كده، خلي علاقتكم اتنين أصحاب، وبلاش الشدة معاها، أنا عرفت باللي بتعمله معاها كل ما تلاقيها بتلعب مع أي ولد"
رفع حاجبه وسألها
"اممم… ملك قالتلك صح؟"
تنهدت وقالت بحزم
"إحنا مش في مين قال دلوقتي، أنا أهم حاجة عندي البنت، بلاش تشد عليها وتخنقها، دي لسه طفلة"
قطّب جبينه واخبرها بامتعاض
"الأطفال ما بقوش زي زمان، أنا شايف الولد اللي كانت بتلعب معاه ماسكها من وسطها"
نظرت إليه بثبات قالت
"ما تاخدها على جنب وتفهم منها الأول، جايز انت فاهم غلط، واللي حصل غير اللي انت شايفه"
زفر بضيق
"بقولك إيه، حبي لبنتي شيء، وتربيتي ليها شيء تاني، هي ما بقتش صغيرة وفاهمة كل حاجة، لازم تعرف من صغرها ما ينفعش تصاحب أي ولد ولا تكلمهم أصلًا، مش محتاج أفهمك"
"لأ، أنا فاهمة كويس ودي مهمتي، هعرفها الصح من الغلط، وفي نفس الوقت هديها مساحة أمان إنها ما تخبيش عني حاجة، وأكون أمها وصحبتها، أنا عايزاها تطلع شخصيتها قوية، مش ضعيفة"
تنهد وقال باستسلام
"ماشي، هاسيبلِك مهمة تربيتها، بس لو عملت أي حاجة غلط في يوم من الأيام، انتي المسؤولة قدامي"
أومأت برأسها
"تمام"
وظلت تحدق في عينيه لثوان، فتبدلت ملامحه من الجدية إلى تلك النظرات الدافئة التي اعتادت أن تراها حين يكونان بمفردهما، وقال بنبرة ذات مغزى:
"تعالي عقبال ما البنت تخلص، نكمل كلامنا اللي لسه ما خلصنهوش جوه"
لكزته في ذراعه بخفة، ودفعته نحو الخارج
"لأ، إنت تروح تتوضا وتصلي، ويلا عشان تفطر وتاخد العلاج"
خرج وهو يلتفت إليها مبتسمًا
"واضح إني مش هربي ياسمينا بس… ماشي، ماشي، هاتروحي مني فين؟ لينا لقاء آخر يا بطل"
وغمز بعينه، فأغلقت الباب في وجهه وهي تبتسم، تسلل الدفء إلى قلبها من حديثه ومشاكساته.
❈-❈-❈
فتح لها باب الشقة وأشار بيده إلى الداخل قائلاً بنبرة مقتضبة
"اتفضلي"
دلفت بتردد واضح، كمن يخطو فوق أرضٍ مجهولة الملامح، بينما تبعها هو وأغلق الباب خلفهما بإحكام.
ضغط زر الإضاءة، فانسكب النور على أرجاء المكان، كاشفًا عن شقة فاخرة، أثاثها راق، وتفاصيلها تنطق بالبذخ والترف، وكأن كل زاوية فيها تشهد على حياة مغايرة تمامًا لتلك التي اعتادتها.
م من جوارها، وهي ما تزال واقفة عند المدخل، وقال بنبرة آمرة
"واقفة عندك ليه؟، اتفضلي"
دلفت خطوتين، تتلفت حولها بدهشة وحذر، فباغتها بقوله
"هاتفضلي هنا لفترة مؤقتة، وانسي إنك ترجعي شقتكم"
اتسعت عيناها بصدمة عنيفة، قبل أن ينفجر صوته موبخًا إياها
"مصدومة ليه؟!، عايزة تروحي لأخوكي عشان يخلص عليكي؟!، ولا عشان يرجعلك الو… رامي ينطلك ويقعد يساومك يبعت الفيديو لمين؟!، هو خلاص فضحك عند أهلك، غير اللي بعتهولي، المرة الجاية هايطلعك تريند، ومصر كلها هاتعرف علاقتك بيه، بس بطريقة قذرة أوي"
لم تستطع الرد، وكأن الكلمات تحجرت في حلقها، فانفجرت بالبكاء، تحاول التحدث من بين شهقاتها
"يعني أقاطع أهلي؟!، أنا غلطانة ومش هانكر، واستاهل كل كلمة قالها أخويا ليا، أنا مش ذنبي إني بنت لأب مستهتر وكل همه نفسه ويضيعنا معاه… بس أنا كنت مضطرة أتجوز الحيوان ده عشان بابا"
رد عليها بغضب محتدم
"ومكنش ده الحل الوحيد اللي عملتيه، وفي نفس الوقت مش هقدر ألومك؛ لأنك كنتي صغيرة وقتها، بس العيب مش عليكي… العيب على أبوكي، وعلى الو… اللي استغل ظروفك واتجوزك عرفي، وصورك وإنتي معاه عشان يستغلك بعدين"
مسحت دموعها بيدها وقالت بانكسار
"واللي حصل، حصل خلاص، أنا دلوقتي كل همّي ماما، ماما ما تستاهلش مني أي حاجة وحشة، خايفة عليها من الصدمة يحصلها حاجة، مش هاينفع أسيبها، لازم أكون جنبها"
نظر إليها بحزم لا يقبل النقاش
"إنتي انسي تروحي بيتكم، أنا هابقى أطمنك عليها وهاخد بالي منها"
رمقته باستفهام حائر
"تطمني عليها!، قصدك إيه؟"
ظل ينظر إليها لثوان ثقيلة قبل أن يقول
"اعملي حسابك… كام يوم وهتسافري معايا"
شهقت بدهشة
"هسافر؟!"
"آه، هتسافري معايا على إيطاليا، وهخلصلك دلوقتي حوار الباسبور، بس قبل السفر عندي مشوار هاخلصه، وبعدها هاكتب عليكي ونسافر"
اتسعت عيناها غير مصدقة، وسرعان ما ارتسمت على محياها ابتسامة أمل خجولة، امتزج فيها الفرح بالذهول، فسألته بتردد
"إنت… إنت هتتجوزني؟"
حدق بها بوجه متجهم، أطلق زفرة ثقيلة، ثم قال ببرود قاس
"ما تفرحيش أوي، جوازنا مجرد حماية ليكي… مش أكتر من كده"
تلاشت ابتسامتها، وعادت ملامحها إلى الصدمة والوجوم، وسألته بصوت مرتجف
"ولو قولت أنا مش موافقة؟"
اقترب منها بخطى بطيئة، أخذت تتراجع إلي الوراء بتوتر ظاهر، ونبض قلبها يتسارع وعيناها ملعقتان به في ذعر صامت، إلى أن اصطدم ظهرها بالحائط، فارتدت شهقة مكتومة من صدرها دون إرادة.
توقف أمامها، قريبًا إلى حد خانق، فرفعت رأسها إليه، لتُفاجأ بملامح لم تألفها من قبل؛ ملامح قاسية، جامدة، تكسوها قسوة باردة، ونظرة مظلمة لا تعرف الرحمة طريقًا إليها.
وفي نبرة أجفلت روحها قبل جسدها، اخبرها
"ما هو إنتي لو موافقتيش، هايبقى مش قدامك غير طريقين مالهمش تالت… آخدك وأرجعك لأهلك ولأخوكي، وإنتي عارفة الباقي كويس، يا إما ترجعي عشيقة لرامي عشان ما يفضحكيش، بس ساعتها هيسهل بيكي شغله، ويقدمك لكل واحد شوية… ولا كأنك سلعة للي يدفعله أكتر، ها… هتختاري إيه؟"
كانت كلماته تنهمر عليها كسياط من نار، كل لفظ يهوي على روحها فتخلف فيها ندبة جديدة، وكل جملة تغلق باب آخر من أبواب النجاة.
❈-❈-❈
نهضت من جوار زوجها في هدوء ما بعد الظهيرة، بعدما قضيا معًا ليلة رومانسية مشبعة بالدفء والأنس، ليلة انسكبت فيها العاطفة كما ينسكب العطر في الأجواء، فتترك أثرها العالق في الروح قبل الجسد. كانت ما تزال تحت تأثير ذلك السكون اللذيذ، حين اخترق أذنيها صوت طرق خفيف على الباب.
ألقت نظرة سريعة على هيئتها، فوجدت أنها لا ترتدي سوى غلالة من الحرير والدانتيل، تنسدل على جسدها بنعومة، كاشفة عن معظم مفاتنه.
انتفضت في مكانها، وبحثت بعينيها على عجل عن مأزرها، حتى وقعت عليه ملقى على الأرض.
دنت منه، التقطته وارتدته بسرعة وهي تشد أطرافه حول خصرها.
"مين؟"
جاءها الصوت من الخارج، صوت صغيرها الذي تعرف نبرته كما تعرف نبض قلبها
"أنا يوسف يا مامي"
التفتت نحو السرير، فرأت زوجها عاري الجذع، والدثار لا يغطي سوى نصف جسده، غارقًا في نوم عميق.
سارت بخطوات حذرة، فتحت باب الغرفة قليلًا، وظهرت أمام صغيرهازالذي رفع رأسه إليها، بينما كانت عيناه تتسللان بفضول إلى الداخل.
"بابي فين؟"
ابتسمت ابتسامة هادئة
"بابا نايم"
مال برأسه قليلًا، وقال بمكر طفولي
"عايز أقوله حاجة مهمة"
"لما يصحى ابقى تعالِي قوله"
قطب ما بين حاجبيه باستغراب
"وانتي مش عايزة تدخليني ليه؟"
أجابته بفطنة
"عشان بابي نايم، ومش عايزين نعمله أي إزعاج"
سألها بدهاء أشبه بالتحقيق
"وهو نايم لحد دلوقتي ليه؟، ومارحش الشغل؟"
تنهدت ثم قالت بنبرة ممزوجة بالحنان والمزاح
"ولد! بطل أسئلة يا لمض، روح ألعب في الجاردن تحت، على ما أغير هدومي وجيالك"
ظل صغيرها يتفحص ملامحها بتمعن، ولاحظ آثار الكحل حول عينيها، وحمرة ملطخة على شفتيها، فحدق بها قائلًا ببراءة
"مامي… انتي ليه بوقك عامل كده؟، وعينيكي فيها أسود بايظ مخليكي شبه الـ witch…" الساحرة الشريرة" "
اتسعت عيناها وقالت محذرة
"ولد!، اتلم يا يوسف بدل ما…"
قاطعها سريعًا وهو يضحك
"سوري يا مامي، بهزر معاكي!"
ثم اقترب منها وطبع قبلة سريعة على خدها
"هستناكي تحت في الجاردن"
وركض مبتعدًا وهو يضحك بمرح،
أغلقت الباب خلفه وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، هزّت رأسها بخفة، وقد تسرب إلى قلبها ذلك الشعور اللطيف بالفخر والدهشة من ذكاء صغيرها وخفة ظله.
انتبهت إلى تململ زوجها، إذ بدأ يتقلب فوق الفراش، فتح عينيه ببطء وتثاءب تثاؤب طويل، قبل أن يبتسم لها ابتسامة وادعة وهو يقول بصوت مبحوح
"صباح الخير"
رمقته بنظرة ساخرة، وقد شبكت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بلهجة لا تخلو من التذمر
"صباح إيه بس؟، إحنا داخلين على العصر يا باشمهندس، وإديني أول يوم شغل راح عليا بسببك!"
اعتدل في جلسته، ثم مد ذراعه مشيرًا إليها أن تقترب.
ترددت لحظة، قبل أن تستجيب، فجلست فوق فخذيه، ليضم خصرها بذراعيه، ويقرب جسدها من جسده حتى تلاصقا، واخبرها بمكر
"مين قالك إن أول يوم شغل ليكي ضاع؟ مش انتي السكرتيرة الخاصة بتاعتي؟"
"المفروض"
ابتسم ابتسامة ذات مغزى، واقترب بوجهه منها أكثر
"ومن واجب السكرتيرة تدلع مديرها… ومديرك بيقولك عايز من دلع امبارح على طول"
رفعت يديها وأمسكت بخديه بين أناملها، وقالت وهي تحاول التماسك
"مش هاينفع يا حضرة المدير، إنت فضلت مخلينا سهرانين لحد الفجر، والنتيجة صحينا متأخر، وكان نفسي أصحى بدري علشان ألحق أروح أول يوم شغل في ميعادي مظبوط"
رفع حاجبه مبتسمًا، واخبرها بمرح و جدية
"هو انتى صدقتي بجد حوار إني هاشغلك معايا؟"
رمقته بحدة ممزوجة بالدهشة
"يعني كنت بتضحك عليا؟!"
"يا حبيبتي، أنا بيدخلي يوميًا رجالة كتير، سواء موظفين في الشركة أو نواب شركات تانية بينا وبينهم شغل ورجال أعمال، وأنا بصراحة مش هاسمح مراتي تتعامل مع رجالة ولا حد يبصلك، وطالما الحمد لله ربنا كارمنا وفاتحها علينا، مالوش لازمة التعب، أنا عايزك معززة مكرّمة، وأي حاجة إنتِ عايزاها هاتيها، ومعاكي الكريدت، اصرفي منها براحتك"
استوعبت مغزى حديثه، فابتسمت بحنو، وأحاطت عنقه بذراعيها، وسألته بدلال
"بتغير عليا أوي كده؟"
"آه، بغير عليكي ومش عايز غير راحتك"
اقتربت بوجهها من وجهه، وقالت بعشق صافي
"وراحتي من راحتك يا حبيبي، أنا مش عايزة أي حاجة من الدنيا غير راحتك وسعادتك"
اتسعت ابتسامته بمكر، وقال وهو يغمز لها
"طيب ما تيجي نكمل لعبة امبارح؟، بصراحة عاجبني جو السكرتيرة والمدير"
لكزته في كتفه بخفة
"كفاية بقى يا حضرة المدير، كده مش هنخرج خالص النهارده من الأوضة، وبعدين ابنك عايز يقولك حاجة، ولو ما قومتش تاخد شاور ونزلتله، هيطلع يخبط علينا ومش هنخلص من أسئلته الفضولية"
هز رأسه متنهدًا
"مش عارف إيه الواد ده طالع لمين؟"
رفعت حاجبها باستنكار
"قصدك مين يعني؟"
ضحك وقال:
"طالع زي مرات خاله شيماء"
"لو سمعتك إنت حر، وكويس فكرتني بيها، عايزة أكلمها أطمن عليها، على ما إنت تاخد شاور، هأخلص كلامي معاها وهادخل بعدك"
مدت يدها نحو وحدة الأدراج جوار السرير لتلتقط هاتفها، لكنه باغتها، أمسك يدها، ثم نهض فجأة وحملها بين ذراعيه.
"فوكك من شيماء دلوقتي… وتعالي ناخد شاور"
❈-❈-❈
جلست صبا في قصرها، وعيناها تتجولان على شاشة الحاسوب حيث تابعت بدقة التقارير التي أرسلتها مساعدتها، كل وثيقة وكل رقم يخفق قلبها حماسًا، فيما أصدر الهاتف إشعار جديد.
رفعت الجهاز لترى من المرسل، وإذا برسالة من شركة أزياء شهيرة في قلب فلورنسا الإيطالية.
ارتجف قلبها، وأخذت تتنفس بصعوبة من فرط الدهشة والحماس، وعيناها تلمعان، وفمها لا يكاد يصدق الخبر.
وضعت الحاسوب جانبًا، أمسكت بهاتفها وبدأت تقرأ محتوى الرسالة، وكل كلمة تتسلل إلى قلبها فتجعله يرقص طربًا، والشوق إلى الرحلة المقبلة يملأ صدرها.
في تلك اللحظة، سمعت صوت باب الغرفة يُفتح، فاستدارت بفزع لتجد زوجها قد وصل لتوه من الخارج، فصرخت بفرح وتهليل
"قيصو، ألحق يا قيصو"
ارتبك هو من حماسها الغريب، اقترب منها بخطوات سريعة وسألها بقلق
"إيه يا صبا؟، مالك يا حبيبتي؟"
احتضنت عنقه، ووجهها يفيض إشراقًا، وقبلته على خديه وهي تقول بفرح لا يُقاوم
"يا وش السعد عليا، حبيبتك جالها أكبر عرض وأهم صفقة، ومع أكتر شركة البراند المفضل عندي، بص بعتوا لي دعوة أسافر الأسبوع الجاي ليهم"
ابتسم زوجها وهو يقرأ الرسالة على الهاتف، ويداه تحاوطان وجهها برقة
"ألف مبروك يا روحي"
ثم اقتنص قبلة خاطفة من شفتيها،
ردت بابتسامة عريضة، عيونها تلمع:
"الله يبارك فيك يا قلبي، ما تيجي نعجل السفر ونخلي داده زينات تحضر معايا شنط السفر ونطلع بكرة على الطيارة الخاصة؟"
هز رأسه بهدوء وبتأني يخبرها
"مش هاينفع دلوقتي، لازم أظبط أموري الأول، خلاص السفر الأسبوع الجاي مضمون"
عبست وزمت شفتيها بعناد
"مش هاينفع ليه؟!، احنا هنسافر على طيارتنا الخاصة، مش مقيدين بحجز، بقولك يا حبيبي دي صفقة العمر، اسم البراند بتاعي لما يقترن باسمهم هاينقل شركتي لمستوى تاني خالص"
ربت على كتفها بحنان
"عارف يا روحي، بس عايزك تصبري كام يوم، فيه مناسبة عائلية قريب، هنحضرها، وبعدها نسافر علي إيطاليا"
رفعت حاجبيها بتعجب
"مناسبة عائلية!، يوسف وعلياء اتصالحوا؟"
هز رأسه بالنفي، فسألته بفضول
"أومال إيه هي المناسبة؟"
ابتسم وهو يختفي بهدوء إلي غرفة الثياب
"ده مفاجأة هتعرفيها يومها لما نروح القصر"
توجهت هي خلفه، لتجده يخلع سترة البدلة ويفك ربطة عنقه، وكاد أن يبدأ بفك أزرار قميصه، أسرعت هي بدلًا منه، تفك الأزرار بتؤدة ودلال
"قيصو يا حبيب قلبي، مش هتقوللي إيه هي المفاجأة؟"
رمقته بنظرة مليئة بالإغراء، حتى انتهت من فك جميع الأزرار وخلعت له القميص، فانحنى مبتسمًا بمكر وأمسك كتفيها، اقترب من أذنها بشفتيه يهمس بنبرة تبعث قشعريرة في جسدها
"لو عايزة تعرفي المفاجأة، اجتهدي شوية"
عاد معتدلًا أمامها، وغمز لها بعينه، فتدركت مغزى مطلبه، وابتسمت بخفة وعيون تلمع، جلست على مقعد جلدي عينيها تتأمله، كل حركة له تحمل ثقلاً من الإغراء والرجولة، والجاذبية التي لا تقاوم.
همست بدلال يغوي الزاهد
"تعالي، قرب"
اقترب، فنهضت وجعلته يجلس علي المقعد وجلست هي على فخذيه، احاط بذراعيه خصرها برفق، والدفء يغمر جسديهما معًا، همست باغراء ودلال سافر
"تعرف أنا نفسي في إيه دلوقتي؟"
رمقها بعينين تفيضان عشقًا، وابتسم بتلذذ
"و أنا كمان نفسي في اللي نفسك فيه"
لامست وجنتاه وجنتيها، عانقها بحنان نحو صدره، فشعرت بدقات قلبه تتسارع، ونبضه ينساب إلى قلبها، فأغمضت عينيها واستسلمت للدفء الذي يغمرها.
مدت يدها إلى صدره، تمرر أصابعها فوق الجلد حتى شعرت بالقوة والأمان، ثم أمالت رأسها لتهمس
"مش أنا صبا قلبك وروحك؟"
"انتي كل حاجة ليا"
امتزجت أنفاسهما، ثم لمست شفتيه بشفتيها في قبلة قصيرة أولًا، لكنها تحولت سريعًا إلى قبلة أطول، أكثر حرارة، كل منها يغذي الآخر بالشغف والحنان، والقلبين ينبضان سويا في انسجام غريب.
تراجعت قليلاً، وعيونها تلمع بالشوق والجرأة، قالت بصوت منخفض مرتعش
"كل مرة بتلمسني… قلبي يطير من مكانه"
مرر أصابعه بين خصلات شعرها، يضغطها برفق على صدره، كأن كل جزء منها صار امتدادًا له. قالت هي متلعثمة
"أنا عايزاك دلوقتي"
استسلم لسحرها، وكل منهما يشعر أن العالم كله يتوقف حينما يكونان معًا، في حضن واحد، وقلب واحد، ونظرة واحدة تكفي لتعبر عن كل ما يختزنانه من شغف وعشق وحرارة لا تنتهي.
وعلى الجهة الأخرى، في أروقة إيطاليا البعيدة، كانت شاشة الحاسوب أمام الشاب مضاءة بألوانها الباردة، تسطع عليها الرسالة الواردة لصبا.
ارتفع صوت أنثوي ناعم، مفعم بالسيطرة والثقة، من خلفه، مخاطبًا الشاب بصوت حاد الوقع
"هل ابتلعت الطُعم؟"
رفع الشاب رأسه، وأجاب بصوت منخفض، دقيق، يعكس الانضباط والجدية
"أجل سيدتي… فبمجرد أن فتحت الرسالة والرابط المرفق بها، أصبح هاتفها وكل محتواه تحت سيطرتنا، وكل إجراء أو تحرك تقوم به سيكون على مرأى ومسمع منا، هل هناك أمر آخر، سيدتي؟"
ابتسمت المرأة ابتسامة امتزجت بالانتشاء
"لا، فدورك قد انتهى هنا، وسأتولى أنا أمر القادم"
