رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والخمسون
ارتسم الحزن على وجه زكريّا… كيف استطاع طارق الحصول على الدعوة المخصّصة للمرافق الذي استأجره؟ بدا أن طارق استغل الموقف ببراعة فلم يترك له خيارًا سوى المشاركة فردّ زكريا بصوتٍ خافت لكنه مليء بالاحترام:
«معك حق يا أبي.»
في تلك اللحظة بدا الثلاثة وكأنهم عائلة واحدة واقفون جنبًا إلى جنب متماسكين ومترابطين.
راقب ليونارد المشهد أمامه وبدأت تلسعه شعلة من الغيرة والحيرة لكنه حافظ على هدوئه بينما حيّا طارق رسميًا:
«سيد طارق، أعتذر عن سوء الضيافة.»
نظر طارق إلى ليونارد بعينيه الضيقتين بارزًا برودة لا تخلو من التهديد:
«ليس الأمر مجرد سوء ضيافة… لقد أهنتَ زوجتي وابني… كيف تنوي تصحيح هذا الخطأ؟ أنت محامٍ، أليس كذلك؟ هل تظن أنّك قادر على كسب قضيتك؟»
بالنسبة لطارق كان سحق ليونارد أشبه بسحق نملة صغيرة وقد أدرك ليونارد ذلك جيدًا فردّ متلعثمًا:
«أنا آسف… أرجو أن تقبل اعتذاري.»
لكن طارق لم يكن في مزاجٍ لقبول الاعتذار فالتفت إلى كوثر وزكريّا وسيرين قائلاً بحزم:
«هيا بنا… لا داعي لحضور حفل زفاف كهذا.»
عبس ليونارد الوسيم حاجبيه بغضب بينما تابع بقية الضيوف الموقف يشعرون بثقل وقوّة الحضور الذي لا يُستهان به.
في حين أن تردد الأقارب الأثرياء من جهة العروس والعريس الذين عرفوا طارق في البقاء لفترة أطول خوفًا من رد فعله الحاد لذلك اختلقوا جميعًا أعذارًا للمغادرة بينما حاولت أوليفيا منعهم قائلة:
«لماذا تغادرون؟ لم تتناولوا حتى الطعام!»
فأجاب أحدهم بصوت خافت مشوب بالرهبة:
«لقد أسأتم إلى عائلة عريقة… من يجرؤ الآن على تناول الطعام في حفل زفاف ابنك؟»
حينها فقط أدركت أوليفيا حجم الخطأ الذي ارتكبته.
وبينما كانوا يغادرون الفندق سار طارق بجانب كوثر ومن ثم قال بصوت خافت يحمل في نبرته تحديًا وحيرة:
«لقد قلتِ إن زاك ليس ابني… أخبريني، هل تلاعبتِ باختبار الأبوة؟»
تذكر طارق أن كوثر قد زارت زكريّا قبل إجراء اختبار الأبوة لذلك لم يستطع التأكد تمامًا من سلامة النتائج فزكريّا ذكي، ماذا لو كان قد غيّرا عينات الشعر التي أُجريّ عليها الاختبار؟
قبل قليل وعلى النقيض قد شعرت كوثر بامتنان كبير لطارق لإنقاذه الموقف لكن الآن اجتاحها شعور قوي بالحزم والرغبة في وضع الأمور في نصابها لذا قالت له بثبات:
«أخبرتك أنه ليس ابنك.»
رد طارق بتهكم بارز في صوته:
«فهل هو حقًا ابن ليونارد؟»
وجد طارق صعوبة في تصديق الأمر… كان ليونارد أشبه بفتى وسيم ذو ملامح ناعمة بينما امتلك زكريّا ملامح حادة ومختلفة تمامًا ومع تقدم الصبي في العمر لن يشبه ليونارد أبدًا.
بعد ما حدث في حفل الزفاف لم تعد كوثر ترغب في خداع نفسها أو الآخرين فقالت بكل وضوح:
«بالطبع لا.»
تشكلت على ثغر طارق ابتسامة نصفها سخرية ونصفها الآخر تحدٍ، وسأل:
«إذن لماذا لا تزالين عنيدة؟»
لم تستطع كوثر الرد فبقوة صمتها كانت الإجابة أبلغ من أي كلمة.
كانت سيرين التي تبعتهما عن كثب في حيرة شديدة إذ لم تستوعب بعد ما يحدث… منذ متى أصبح طارق شخصًا طيبًا بهذا القدر لدرجة أن يساعد كوثر على الخروج من مأزقها؟
لم تنتبه سيرين إلى النظرة المليئة بالاستياء التي رمق بها زكريّا طارق، فقد كان لا يزال يحاول استيعاب سبب ظهور طارق بدلًا من المرافق المعتاد.
وصلوا أخيرًا إلى الخارج حيث توقفت سيارة ليموزين لينكولن الطويلة محاطة بسيارات الأمن من الأمام والخلف مظهرةً الهيبة والقوة.
حينها لاحظ طارق النظرة التي رمقه بها زكريّا وفهم على الفور الرسالة: كان من المفترض أن يقدم بيانًا قويًا بظهوره هنا… ومع أنه يحب التباهي عادة إلا أنه نادرًا ما يُظهر كل قوته وثروته كما يفعل اليوم… فكان كل شيء حوله يصرخ: «أنا قوي وثري. لا تفكر حتى في الاقتراب من سلامي النفسي أيها الشبل الصغير!»
قال طارق لكوثر بصوت حازم ودافئ في الوقت نفسه ولا يفهم لما يستجديها:
«هيا بنا نركب السيارة.»
ثم التفت إلى سيرين بنبرة خجولة نظراته متوترة وهو يحاول كبح شعور الذنب الذي يتملكه كلما رآها:
«إلى أين أنتِ ذاهبة؟ سأوصلكِ.»
رفضت سيرين عرضه ببرود رافضة أي مجاملات:
«لا داعي لذلك… لقد قدنا بأنفسنا.»
توقف طارق عن الكلام مترددًا للحظة، قبل أن تكمل كوثر الأمر بابتسامة هادئة ممسكة بيد زكريّا:
«سنذهب مع سيرين… لا نريد أن نزعجك… مع السلامة.»
