رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخامس والخمسون
بينما كان طارق يراقب الثلاثة وهم يغادرون عبس قليلاً وتمتم لنفسه:
«ولا حتى كلمة شكر…» ثم عاد إلى سيارته بهدوء ظاهري.
داخل سيارة الليموزين الفاخرة كان يجلس رجل مسن ذو شعر أبيض كثيف يبدو كل ملامحه متجهمة من الانزعاج… قال الجد وهو يهز رأسه باستياء:
«يا لك من طفل تافه! لم يركبوا السيارة، وأنت لا تحاول حتى ملاحقتهم؟ ألا تعرف معنى المثابرة؟»
كان الجد شديد القلق بشأن حالة طارق خاصة بعد سماعه عن عرض زكريّا الذي تضمن رسالة حول إيجاد شخص يتظاهر بأنه والده فأصر الجد على ضرورة حضور طارق لحفل الزفاف وهدده بأنه لن يسمح له بالاسترخاء حتى ينجز المهمة.
ارتبك طارق للحظة ثم رد بنبرة ساخرة:
«هل أنا من النوع الذي يكون مثابرًا؟»
رفع الجد أرشيبالد عصاه مستعدًا للتأكيد على كلماته بكل حزم:
«أقول لك، كوثر هي المرأة الوحيدة التي سأعترف بها كحفيدة لذا يجب أن تتزوجها بأي وسيلة ممكنة.»
بعد أن التقى الجد بكوثر أوعز إلى أحد خاصّته بالتحري عن أمرها فجاءه التقرير مطمئنًا؛ ماضٍ نقيّ لا تشوبه شائبة وعزيمة لم تنكسر حتى بعد فقدانها رخصة المحاماة إذ لم تركن إلى الشكوى بل انخرطت في عملٍ عادي بجدٍّ وصبر غير أن ما رسّخ قناعته بها حقًا إيمانه بأنها الوحيدة القادرة على كبح جماح طارق وضبط اندفاعه.
لم يفهم طارق سرَّ إعجاب أرشيبالد بكوثر ومع ذلك لم يجد في نفسه قدرة على الاعتراض فاكتفى بهزّ رأسه موافقًا.
في تلك الأثناء لاحظ ماهر أن العاصفة قد هدأت فمضى ليُطلع ظافر على ما آلت إليه الأمور.
أما في المنزل فكانت سيرين ومن معها لا يزالون غارقين في دهشتهم من ظهور طارق المفاجئ في حفل الزفاف.
وفجأة تذكّرت كوثر حديث زكريّا حين وعدها بإيجاد رجلٍ أفضل من ليونارد فالتفتت إليه وسألته بنبرة متحفّظة:
«زاك، هل طارق هو الرجل الذي تواصلتَ معه؟»
هزّ زكريّا رأسه بسرعة:
«بالطبع لا.»
عقدت كوثر حاجبيها وقالت:
«إذن أين الرجل الذي وجدته؟»
تلعثم زكريّا وتعثّرت الكلمات على شفتيه عاجزًا عن الرد فازداد فضول سيرين وهي تتابع الحوار فتدخّلت قائلة:
«أيّ رجل؟ عمّ تتحدثان؟»
تبادل كوثر وزكريّا نظرة مرتبكة وقد عقد الخوف لسانيهما لكن تحت نظرة سيرين الحازمة انهارت مقاومتهما واعترفا بكل شيء دفعة واحدة.
وبعد أن أصغت إلى تفسيرهما كاملًا اتّضحت الصورة أخيرًا في ذهن سيرين؛ فقد أدركت أن زكريّا قصد ذلك النادي المكان الذي يرتاده الرجال المهووسون بالفتيات حيث اعتاد طارق الظهور والتردد فقالت بنبرة متفكّرة:
«على الأرجح أن طارق رآك هناك وهكذا صار طرفًا في الأمر.»
ثم اشتدّ صوتها فجأة وقد ارتسم الجِدّ على ملامحها:
«زاك، كوثر، كيف تقدمّان على أمرٍ كهذا من دون علمي؟ ماذا لو وقعتما في شِباك محتال؟»
لم يجد كوثر ولا زكريّا ما يقولانه؛ فالتزما الصمت وقد آثرا السلامة على الكلام فحين تغضب سيرين تكون مهابتها كافية لإسكات الجميع.
غير أن كوثر تأثرت بعمق وهي تستعيد في ذهنها مشهد دفاع سيرين عنها ومواجهتها الشرسة لأوليفيا قبل قليل فاندفعت تحتضنها من خصرها قائلةً بصوتٍ صادق:
«سيرين، ماذا كنت سأفعل من دونك؟»
همّت سيرين أن تواصل توبيخهما لكن ذلك العناق أربكها فسقط غضبها قبل أن يبلغ غايته… تتمتم وقد لان صوتها:
«يا لكِ من حمقاء.»
كانت تؤمن في قرارة نفسها بأن الأصدقاء خُلقوا ليسند بعضهم بعضًا وكانت واثقة أن كوثر ستقف إلى جانبها لو انعكست الأدوار يومًا.
حين رأى زكريّا المشهد رفع رأسه مسرعًا وقلّد ما تعلّمه للتو من كوثر وقال ببراءة:
«وأنا أيضًا يا أمي، لا أستطيع الاستغناء عنكِ… سأصغي إليكِ دائمًا من الآن فصاعدًا.»
لان قلب سيرين أكثر ولم تعد قادرة على الاستمرار في توبيخهما… وفي صمتٍ داخلي عقد زكريّا العزم على أن يتعلّم لاحقًا فنّ اللطف… لكن من نوح هذه المرة.
في تلك الليلة آثرت سيرين وزكريّا البقاء في منزل كوثر.
وفي الوقت ذاته داخل قصر نصران بلغ شادية ما جرى من اضطراب في حفل الزفاف بعدما أوفدت شخصًا لتقديم التهنئة إلى ليونارد فعاد بالأخبار المثقلة بالدهشة.
قالت بحدّةٍ مشوبة بعدم تصديق:
«أتقولين إن كوثر ذهبت بزاك إلى هناك، وادّعت أنه ابن طارق؟»
ارتدّ ذهن شادية إلى ذكرى واضحة؛ فقد سبق أن حدّثها طارق بنفسه عن ذلك الالتباس واعترف بخطئه حين ظنّ زكريّا ابنه. لذلك افترضت آنذاك أن الفتى لا بد أن يكون ابن ليونارد وكوثر.
غير أن الفكرة لم تستقم في عقلها فإن كان زكريّا ابن طارق أو ليونارد فلماذا يحمل لقب «تهامي»؟
عندها أردفت ماندي وكأنها تزيد النار اشتعالًا:
«كانت السيدة تهامي حاضرة أيضًا… بل إنها صفعت السيدة أوليفيا أمام الجميع.»
