رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والخمسون 356 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والخمسون 


«سيرين؟»

رفعت شادية بصرها إلى ماندي وعقلها يعجّ بسيلٍ من الاحتمالات غير أنّ فكرة أن يكون زكريّا ابن سيرين بدت لها بعيدة عن التصديق.

قالت متسائلة وكأنها تحاول التقاط خيطٍ منطقي:

«أيمكن أن يكون والد زاك أحد أقارب سيرين؟»

أومأت ماندي وقد رأت في ذلك تفسيرًا معقولًا.

«في الآونة الأخيرة، عادت والدة السيدة تهامي وشقيقها أيضًا إلى المدينة.»

ما إن سمعت شادية اسم سارة حتى ارتسم على ملامحها حزنٌ قاتم.

«آمل ألايحاولوا استغلال عائلتنا مرة أخرى… أهذا مؤكد؟!.»

سارعت ماندي إلى التوضيح:

«سارة تزوّجت رجل أعمال ثريًا في الخارج، وهي الآن في وضعٍ مادي ميسور.»

غير أنّ ذلك لم يزد شادية إلا نفورًا من سارة؛ إذ رأت فيها امرأة لا قِوام لها إلا برجل تتكئ عليه.

ومع انسياب الحديث انصرف ذهن شادية عن أمر زكريّا… وقالت فجأة:

«على ذكر آخر… كيف حال ظافر؟»

أجابت ماندي وقد تسلّل الأسى إلى نبرتها وهي تستحضر صورة ظافر المتعالي سابقًا وقد انحدر إلى هذا الحال:

«السيد ظافر نادر الخروج هذه الأيام؛ يمكث في المنزل أغلب الوقت.»

تنهدت شادية بعمق.

«هو من جنى على نفسه حين لم يُصغِ إلى نصيحتي… لو كان أنجب طفلًا في وقتٍ أبكر، لما اضطررت إلى إرساله إلى ذلك المكان النائي.»

كانت تخشى في قرارة نفسها أن يُفتضح أمر جاسر وهويته الزائفة وحينها لن يبقى لها موضع قدم داخل عائلة نصران.

«غدًا يسبق ليلة عيد الميلاد، أليس كذلك؟ هل استجدّ ما يستحق الانتباه في خطط الشركة؟» قالت شادية وهي تُغيّر مجرى الحديث ببرودٍ محسوب.

بادرتها ماندي بتسليمها حزمة المقترحات الحديثة.

«سيدتي شادية لاحظتُ أن الملحّنة الأجنبية الشهيرة السيدة ساسو أطلقت مؤخرًا مقطوعة موسيقية جديدة لاقت رواجًا واسعًا.»

رفعت شادية نظرها عن الأوراق فتابعت ماندي بثقة:

«لو تمكّنت شركتنا كارنيفال سنترال ميديا من الاستحواذ على حقوق هذا العمل فسيكون لذلك أثرٌ بالغ في تعزيز حضورنا وشعبيتنا… كما يمكننا توظيفه لإطلاق فنان جديد أو لدعم أحد مطربينا.»

كانت سمعة الشركة قد تلقت ضربة موجعة إثر الحادثة السابقة مع دينا وما زالت آثارها ماثلة في الأذهان.

تصفّحت شادية الوثائق بعينٍ فاحصة ثم قالت بنبرة حاسمة:

«فكرة جيدة… تولّي الأمر.»

أومأت ماندي باحترام.

«حسنًا، سيدتي شادية.»

في صباح اليوم التالي غادرت سيرين مع زكريا إلى رياض الأطفال ومن ثم عادت إلى مقاطعة سان وقد بدا عليها التعب من كثرة السفر ذهابًا وإيابًا.

وكانت المفاجأة أن سينثيا تواصلت معها وهي محملة بأخبار سارّة:

“سيدتي الرئيسة، هل تعلمين؟ شركة تايتان مهتمة أيضًا بمقطوعتك الجديدة.”

ارتسم على وجه سيرين علامات الدهشة:

“شركة تايتان؟ وليست كارنيفال سنترال ميديا؟” كانت كارنيفال سنترال ميديا مجرد فرع تابع لتايتان.

أجابت سينثيا بثقة:

“نعم، شركة تايتان نفسها تريد مقطوعتك الجديدة… وقد قمتُ بالفعل بملء نموذج معلومات جهة الاتصال.”

ثم أضافت:

“أتذكرين ذلك الشخص الغامض الذي عرض عليك مبلغًا ضخمًا مقابل أغنيتك؟ لقد وافق على عدم طلب حقوق حصرية… وأيضًا عادت زوي ياندل إلى البلاد… إذا رغبتِ في التعاون مع عائلة ياندل يمكنك مقابلتها.”

كان جدول سيرين معدًا بدقة على يد سينثيا: ستلتقي أولًا بشركة تايتان خاصة آل نصران، ثم بالشخص الغامض، وأخيرًا بزوي، إذ بدا واضحًا من يمتلك القدرة المالية الأكبر فرتبتهم سينثيا تنازلياً حسب منظورها.

تنهدت سيرين وقالت:

“لا داعي للعجلة، ما زال هناك يومان حتى عيد الميلاد.”

فكرت سيرين قليلاً ثم خاطبتها مضيفة:

“سينثيا، ألا تعتقدين أننا يجب أن نغير أسلوبنا هذه المرة؟”

ارتبكت سينثيا قليلًا:

“ماذا تقصدين يا رئيسة؟”

أجابتها سيرين بحزم:

“أريد أن أصدر الأغنية بنفسي… ما رأيك؟”

فبفضل الدعم المالي الذي حصلت عليه من ظافر أصبح لديها الآن الإمكانات لتحقيق ذلك.

ابتسمت سينثيا وقالت:

“بالطبع لكننا دائمًا كنا نبيع الأغاني مقابل المال.”

أجابت سيرين بحزم:

“بالضبط… فلنصدر الأغنية أولًا وإذا أراد أي شخص حقوق الترخيص سنتفاوض لاحقًا.”

بعد انتهاء المكالمة استلقت سيرين على الأريكة وأغمضت عينيها لتستريح بينما همست سينثيا:

“فهمتُ.”

فجأةً امتدّت يدٌ قوية فانتشلتها برفق من على الأريكة… فتحت عينيها على مهل فإذا بوجه ظافر الوسيم يلوح قريبًا من ملامحها، دافئ، هادئ كأن المسافة بينهما اختُصرت إلى نبضة ومن ثم قال بصوتٍ خافت يحمل عنايةً لا تخطئها الأذن:

«اذهبي إلى غرفة النوم… النوم هنا قد يُصيبكِ بنزلة برد.»

تساءلت سيرين وقد تسرّب الارتباك إلى نبرتها:

«متى وصلتَ؟»

وخز الإحباط قلب ظافر؛ فقد كان حاضرًا منذ أن أتت وسمع حديثها الهامس مع سكرتيرتها عبر الهاتف ورآها غارقة في عالمٍ لا يضمّه… كيف لم تلحظ وجوده؟! وكأن حضوره صار ظلًا لا يُرى فقال وهو يخفي كذبه بابتسامةٍ متعبة:

«وصلتُ الآن.»

«أوه.» سحبت سيرين يدها برفق، وقالت محاولة التخفيف من حالمية الموقف:

«أريد فقط أن أستريح قليلًا على الأريكة… لا داعي للقلق عليّ.»

غير أن ظافر لم يدع المسافة تعود بينهما؛ فضمّها إلى صدره في صمتٍ طويل، صمتٍ يقول أكثر مما تقوله الكلمات… يومان قد انقضيا منذ آخر مرة رآها، ويومان على قلبٍ مشتاق قد يساويان عمرًا كاملًا.


تعليقات