رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والخمسون
«ظافر… ماذا تفعل؟ دعني أذهب.»
تملّصت سيرين محاولة الإفلات من بين ذراعيه غير أنّ ظافر شدّها إليه أكثر كأنما يخشى أن تتلاشى من بين يديه… حرّر إحدى يديه وأمسك برفق كفّها النحيل في لمسةٍ امتزج فيها الأمر بالرجاء، وقال بصوتٍ منخفض يشبه التضرع:
«لا تتحركي… قد تؤذين طفلنا.»
ثم أردف وكأن الفكرة هبطت عليه لتوّها:
«صار في شهره الثالث تقريبًا، أليس كذلك؟ ينبغي أن نذهب اليوم لفحص متابعة.»
تلبّدت ملامح سيرين؛ إذ أدركت أنّ هذا الاهتمام المتأخر لم يزُر خاطره إلا الآن فقالت بفتورٍ متعب:
«أجريتُ الفحص بالفعل… الطفل بخير… وللمرة الأخيرة هذا الطفل ليس طفلك.»
لم تهزّه كلماتها بل ظلّ يحملها بثباتٍ صامت يصعد بها الدرج كمن يصعد حاملاً قدره بين يديه دون تردّد.
«ظافر، أنزلني. لن أذهب إلى غرفة النوم.»
احتجّت سيرين وهي تغرس أظافرها في ذراعه لكنّه لم يتأوّه ولم يتباطأ… كان احتضانه أوسع من الألم وأقسى من المقاومة.
لاحظت سيرين أنّ تسلّطه ازداد في الآونة الأخيرة كأن فقدانه البصر أطلق في داخله حاسةً أخرى أشدّ حضورًا وأقوى عزيمة.. وما إن دخل بها غرفة النوم حتى أغلق الباب ووضعها على السرير برفقٍ يناقض عناده ومن ثم انحنى وهمس قرب أذنها بنبرةٍ رخية تخفي أمراً لا يُقال:
«كوني مطيعة.»
داعبت أنفاسه جانب وجهها فخديها ليميل ذلك المهيمن حتى كادت شفتيه أن تلامس خاصتها وحالما شعر باستجابتها إليه ابتعد مبتسماً بغرور لا يليق إلا به، بينما تسلّل الإحباط إلى قلبها فهي لا تصدّق أنها لا تزال عاجزة عن مجابهته جسديًا حتى بعد أن أظلمت عيناه.
منهكة الروح آثرت الصمت، واستسلمت لثقل النعاس بينما ظلّ ظافر متسطحاً إلى حوارها يصغي إلى أنفاسها حين انتظمت وحالما تأكد أنّ النوم أخذها بعيدًا عندها فقط انسحب في هدوء تاركًا خلفه دفءَ حضوره معلقًا في الهواء كأثر عناقٍ لم يكتمل.
كان ماهر ينتظره في الخارج وما إن لمح ظافر حتى بادر بفتح باب السيارة في صمتٍ مهذّب… انطلقت السيارة تشقّ الطريق إلى أفخم مباني مقاطعة سان؛ صرحٍ مهيب يضمّ نخبة أطباء النفس في البلاد وتحت سقفه تتجاور أحدث الأجهزة مع أسرار العقول المنهكة.
استلقى ظافر مستسلمًا للعلاج فيما أخذت ذكرياته في الآونة الأخيرة تتقدّم من ضبابها، تتشكّل وتستعيد ملامحها شيئًا فشيئًا… غير أنّ الغرابة كانت في أنّ كل ذكرى تستعيد وضوحها كانت تخلّف في صدره فراغًا أعمق.
عادت إليه صور الطفولة ثم انسابت ذكرياته مع سيرين؛ زفافهما تلك اللحظة التي ظنّها بداية الخلاص فإذا بها فخٌّ محكم… تذكّر كيف خُدع وكيف تهاوت عليه نظرات السخرية وكلمات كأنها سهام لا تُرى.
وفجأة فتح عينيه وقد استقرت على وجهه قسوة باردة أشبه بظلٍّ ثقيل.
سأله الطبيب النفسي هيكتور بقلقٍ عاجل:
«سيد ظافر، هل أنت بخير؟»
كان هيكتور قد لاحظ اضطراب نبضات قلبه وضعفًا في موجات دماغه.
شدّ ظافر قبضتيه وقد تبلّلت جبهته بالعرق وهو يقول بصوتٍ مقتضب:
«أنا بخير.»
تأمّله هيكتور لحظة ثم قال بحزمٍ مشوب بالحرص:
«سنكتفي بجلسة اليوم هنا.»
كان يخشى أن يكون الإجهاد قد بلغ حدّه إن استمرّ العلاج وكذلك لم يُبدِ ظافر رغبة في الإطالة ولم يُجادل.
وفي طريق العودة ظلّ صامتًا، غارقًا في أفكاره؛ ففقدانه البصر تمامًا لم يكن مجرّد انتكاسة بل حلقة في سلسلة بدت وكأنها تخدم خطط بعضهم.
قطع ماهر الصمت قائلاً:
«سيد ظافر، لقد وصلنا.»
همهم ظافر ردًّا ثم ترجل من السيارة… ظلّ ماهر يراقبه وهو يعود إلى المنزل وخلف تلك الخطوات الهادئة، كان يختبئ ثقل حكاية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
في الداخل، كانت سيرين قد استيقظت وانشغلت بمساعدة الطاهية غريس—التي استأجرها ظافر—في إعداد العشاء… وحين شعرت بعودته التفتت نحوه وسألته بنبرةٍ هادئة:
«كيف تسير جلسات علاجك؟»
رغم أنّ ظافر كان قد استعاد بعض الذكريات المهينة لأفعاله السابقة مع سيرين فإن مجرّد سماع صوتها جعله يلهث خفية كمن أُمسك متلبّسًا بذنبٍ لا يُقال… تفاداها وأجاب ببرودٍ مصطنع يكذب:
«يقول الطبيب إن ذاكرتي لن تعود لكن إصاباتي الجسدية شُفيت في معظمها.»
كان قد أخبرها يومًا أنّه سيبذل كل ما في وسعه ليستعيد ذاكرته غير أنّه الآن يخشى الاعتراف بأن بعض الذكريات قد عادت فعلًا.
«آه…»
خرجت الكلمة من سيرين محمّلة بخيبةٍ لم تُخفَ.
اقترب منها خطوة وسألها بنبرةٍ التقطت ما بين السطور:
«ماذا؟ أترغبين حقًا في أن أستعيد ذاكرتي إلى هذا الحد؟»
أجابته بلا تردّد كأن القرار قديم في قلبها:
«بالطبع… يمكنك الرحيل متى تذكّرتَ كل شيء.»
إذًا، كانت هذه خطّتها… ارتسمت على شفتي ظافر ابتسامة ساخرة موجّهة إلى نفسه أكثر من أيّ أحد.
في حين انها لم تلحظ ما طرأ عليه من تغيّر قالت بلهجةٍ جافية وهي تعود إلى عملها:
«هيا، ساعد في غسل الأطباق… لماذا تقف هناك هكذا؟ أنا لا أُطعم المتطفّلين.»
انقبض حلق ظافر وتردّد في داخله شيءٌ يشبه الاحتجاج غير أنّ قدميه خذلتا رغبته وتحرّكتا وحدهما وقادتاه إلى حوض الجلي فمدّ يديه وشرع في العمل كأنما يطيع أمرًا أقدم من أن يُرد.
