رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والخمسون 358 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والخمسون 


لمّا رأت سيرين مقدار الطاعة التي أبداها ظافر وجدت نفسها عاجزة عن المضيّ في مضايقته كما اعتادت فاكتفت بتكليفه ببعض المهام البسيطة وكان ماهر في أحيانٍ متفرّقة يمدّ له يد العون خفيةً كي تُنجز دون عناء.

وعلى مائدة العشاء ذات ليلة قطع ظافر سكون اللحظة وقال فجأةً:

«وجدتُ عملًا… ومن الآن فصاعدًا سأتحمّل نفقات هذا البيت.»

ثم مدّ يده وأعاد إليها البطاقة التي كانت سيرين قد أعطته إيّاها لنفقات المعيشة ومع عودة بعض ذكرياته إلى السطح أدرك أنّ تلك البطاقة لم تكن مجاملة عابرة بل حلقة انتقام من ماضٍ أدقّ مما ظنّ.

همّت سيرين تنظر إلى بطاقة الصرّاف بين أصابعها يتنازعها العجب والتساؤل عن طبيعة العمل الذي أشار إليه.

وشاركها زكريّا فضولها فسأل عمّا دار في خلدهما معًا:

«سيد ظافر، أيّ عملٍ هذا الذي حصلتَ عليه؟»

كان ظافر قد أسّس شركته الجديدة وأدرك أنّه لم يعد قادرًا على الاحتماء بجلسات العلاج كذريعة للخروج كما كان يفعل لذا قال بهدوءٍ محسوب:

«عملٌ خيريّ مع ذوي الاحتياجات الخاصة.»

وبما أنّ العمى قد صار رفيقه رأى في هذا الجواب ستارًا مناسبًا يخفي وراءه ما لم يحن الأوان للبوح به.

سرت على الطاولة دهشة صامتة حين وقعت الكلمات على الأسماع… واستحضرت سيرين صورة ظافر القديم ذاك الذي لم يعرف للعمل الخيري معنى خالصًا إذ كان يقدّمه دومًا قربانًا لسمعة الشركة لا أكثر لذلك بدا اختياره اليوم لمجال خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة أمرًا يثير العجب بحق.

وحين تأمّلت التبدّل الذي طرأ عليه ولمحت في رغبته صدقًا لم تألفه من قبل أدركت أنّ عليها أن تعيد النظر فيه رويدًا رويدًا وأن تفسح لقلبها مجالًا لتغييرٍ طال انتظاره.

ومن ثم قالت بنبرة عملية تخفي ما وراءها:

«وكم سيكون راتبك؟ يمكنك أن تستخدم بطاقتي.»

فقد باتت، في هذه الأيام قادرة على تدبير شؤونها ولم تعد تلك المرأة التي تحتمي بظلّ البيت كما كانت سابقًا.

أجابها بهدوءٍ قاطع:

«لا حاجة إلى ذلك.»

وترك البطاقة على الطاولة ثم نهض وغادر المكان رغم أنّه لم يمسّ الطعام إلا قليلًا.

لم تُبدِ سيرين اعتراضًا؛ فلا بأس إن اختار ذلك… فالحياة المشتركة في جوهرها تقتضي أن يتحمّل كلٌّ نصيبه من أعبائها… أعادت بطاقة الصرّاف إلى موضعها دون أن تتحقّق من رصيدها… ولو فعلت لأدركت أنّه لم ينفق منها فلسًا واحدًا.

كان عيد الميلاد سيحلّ في اليوم التالي، وقد فرغت سيرين بالفعل من مناقشة أمر إطلاق أغنيتها الجديدة محليًا مع سينثيا على أن تترقّبا معًا صداها بعد صدورها ويقيسا مقدار نجاحها بين الناس.

وعلى غير عادة سائر الليالي نامت سيرين تلك الليلة نومًا هادئًا عميقًا وفي الصباح الباكر نهضت لتفاجأ بأن ظافر قد سبقها في الاستيقاظ وبينما كانت تنزل الدرج بخطواتٍ متثاقلة لمحته على وشك المغادرة مرتديًا بدلة أنيقة تضفي على حضوره مسحة رسمية لافتة.

سألته عرضًا وقد استبدّ بها الفضول:

«هل ستخرج بمفردك؟»

توقّف ظافر فجأة ثم قال بهدوء:

«ستأتي سيارة الشركة لاصطحابي.»

تسلّل الذهول إلى سيرين مرة أخرى؛ فالمعتاد أن الموظفين لا يُوفَّر لهم نقل خاص بل تُخصم من رواتبهم غرامات إن تأخروا ومع ذلك كان لظافر من ينتظره!

وبعد أن شاهدته يغادر اتجهت سيرين إلى المطبخ لإعداد الإفطار لزكريّا ورامي.

ولأن روضة زكريّا كانت بعيدة المسافة اضطرت إلى طلب مساعدة رامي في توصيله ولم يتردّد رامي في القبول؛ فحمايتها كانت في نهاية الأمر جزءًا من مهمته التي لا يحيد عنها.

في تلك الأثناء وحين خرج ظافر كان السائق وماهر ينتظران على جانب الطريق وما إن استقرّ في المقعد الخلفي حتى باغت ماهر بسؤالٍ مشوب بغيرةٍ فاضحة:

«كيف يبدو الحارس الشخصي لسيرين؟»

كان ظافر قد طلب من ماهر في وقتٍ سابق أن يتحرّى أمر رامي غير أنّ ما وصله من معلومات ظلّ محدودًا ومنذ أن فقد ظافر ذاكرته ولمّا يبرأ تمامًا من آثارها عجز عن استعادة ملامح رامي أو حتى صورته في ذهنه.

عند سماع السؤال المباغت أجاب ماهر بوصفٍ دقيق:

«إنه طويل القامة، مفتول العضلات، ذو ملامح حادّة.»

أو بعبارةٍ أخرى كان يصف رجلًا وسيمًا.

تجهّم وجه ظافر على الفور وقال بحدّة مكتومة:

«ابحثوا لي عن حراسٍ شخصيين موثوقين.»

أجابه ماهر وقد ظنّ الأمر متعلّقًا بالعمل لا غير:

«لدينا عدد كبير تحت إمرتنا يا سيدي… أيّ نوع من الموثوقين تريده؟»

فأضاف ظافر على نحوٍ أثار دهشة ماهر:

«اختر أصحاب المظهر البسيط… أفضلهم قُبيحين.»

توقّف ماهر لحظة وقال في حيرة:

«هاه؟»

أكد ظافر ببرودٍ قاطع:

«الأشياء القبيحة أكثر طمأنينة.»


تعليقات