رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والخمسون 359 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والخمسون 


ففي نهاية الأمر لم يكن ظافر ليذوق طعم الطمأنينة إذا أحاط بسيرين حراسٌ بالغو الوسامة… وما لبث أن انصرف فكره إلى كارم فسأل بلهجةٍ مقتضبة:

«هل ما زال كارم على قيد الحياة؟»

أجابه ماهر:

«أُصيب بإصاباتٍ بالغة، لكن رجاله تمكّنوا من إنقاذه وهو الآن يتلقّى العلاج في الخارج.»

انعقد جبين ظافر عند سماعه ذلك وعجز عن إخفاء دهشته من حظّ كارم العجيب إذ نجا من حادثٍ كان كفيلًا بإنهاء كلّ شيء.

وفي غضون ذلك حقّقت أغنية سيرين الجديدة صعودًا لافتًا إذ ارتقت سريعًا إلى المركز الثاني ضمن قائمة الأغاني الرائجة بعد طرحها مستقطبةً اهتمام عدد كبير من المتعاونين حتى إنّ بعضهم طلب منها على وجه الخصوص أن تكتب له أعمالًا خاصة وكانت سينثيا تتحرّك بنشاطٍ محموم توزّع انتباهها بين الحديث مع سيرين عبر الهاتف والردّ على الشركاء المحتملين.

قالت سينثيا بحماسة:

«يا رئيسة، تواصلت معنا زوي للتو… لقد استمعت إلى أغنيتك وأُعجبت بها كثيرًا وهي ترغب في شراء حقوقها الحصرية.»

ما إن ذُكر اسم زوي حتى ارتدّ خاطر سيرين إلى ذلك الفيديو الذي شاهدته قبل أيام؛ فرقصة الباليه خاصتها تتوافق بانسجامٍ مدهش مع أغنيتها الحالية كأن اللحن خُلق ليحتضن الحركة.

قالت سيرين بهدوءٍ متروٍّ:

«سنحتاج إلى التفكير في الأمر إن كانت ترغب في الحقوق الحصرية.»

«حسنًا»، أجابت سينثيا دون تردّد ثم وبعد لحظة صمتٍ قصيرة، همست:

«وهناك أمر آخر… ذلك الشخص الغامض ما زال يطلب مقابلتك لمناقشة التعاون وجهًا لوجه.»

كان المشتري المجهول شديد الإصرار وبعد ما جرى مع توني لم تكن سيرين تميل إلى خوض تجربة جديدة مع شخصٍ يتوارى خلف الغموض لذا قالت بحزم:

«قولي له لا.»

تردّدت سينثيا قبل أن تضيف:

«لكنه قال إنكِ لن تندمي إن قابلتِه بل ووعد بالاستثمار في شركتنا.»

ابتسمت سيرين ابتسامةً واعية وقالت بلهجةٍ قاطعة:

«لا شيء يُسمّى غداءً مجانيًا… من الأفضل أن نبقى عقلنيين ونواصل العمل بجد.»

«حسنًا يا رئيسة» ردّت سينثيا مطيعة وفي قرارة نفسها كانت سينثيا تغلي فضولًا؛ فما الذي يدفع شخصًا غامضًا إلى هذا الإصرار، حتى أنه مستعدّ لضخّ استثمارٍ يبلغ مليار دولار؟ مبلغ كهذا لا يقدّمه شخص عابر لكن حين أصرت سيرين على موقفها لم تجد سينثيا بدًّا من رفض العرض بلطفٍ مهذّب.

ومع ذلك، لم يتراجع ذلك الشخص تمامًا؛ إذ أقدم لاحقًا على شراء حقوق بعض أغاني سيرين التي كانت قد أُطلقت من قبل.

بعد عودة زوي إلى قصر ياندل وردتها رسالة من شركة ساسو تفيد بأن الحقوق الحصرية للأغنية غير متاحة عبست قليلاً وقالت بعزم:

«أحتاج إلى الحقوق الحصرية لهذه الأغنية.»

اقتربت سارة منها وقد لاحظت توتّرها:

«زوي، ما الأمر؟ من أزعجكِ؟»

سلمتها زوي الهاتف وقالت:

«أريد هذه الأغنية حقًا، لكن الملحنة لن تمنحني حقوقًا حصرية.»

أخذت سارة الهاتف ألقت نظرة خاطفة عليه ثم تمتمت:

«السيدة ساسو…»

أجابت زوي وكأنها تؤكد ما سمعت:

«نعم، إنها ملحنة مشهورة جدًا في الخارج.»

سألت سارة بعينين متقدتين:

«هل سيكون من الممكن التفاوض إذا تعرّفنا إليها؟»

هزت زوي رأسها ببطء:

«لم يلتقِ أحد بالسيدة ساسو شخصيًا من قبل.»

ارتسمت على شفتي سارة ابتسامة خفيفة مليئة بالثقة:

«اتركي هذا لي.»

فبفضل خبرتها كراقصة عالمية سابقة كانت سارة تعرف العديد من الشخصيات المؤثرة في مجال التأليف الموسيقي ولن تستغرق إلا قليل من البحث لتعرف مكان وزمن تواجد ساسو.

أشرق وجه زوي بالفرح حين أخبرتها سارة بأنها ستجد الحل وما كان منها إلا أن عانقتها بحرارة، قائلة:

«أمي، أنتِ الأفضل!»

كان تعبير سارة مليئًا بالدفء واللطف كحضن يحمي قلب زوي… وفي هذه الأثناء نزل تامر إلى الطابق السفلي ورأى المشهد فشعر بشيءٍ غريب من عدم الارتياح فحيّاهما بأدب:

«أمي، زوي.»

لكن زوي لم تمنحه أي اهتمام بل همهمت ردًا ببرود ثم عادت إلى غرفتها بازدراء كأنها تتجنب شيئًا لا يروق لها… شعر تامر بارتباك داخلي وهو يرى هذا الازدراء في عينيها لكنه لم يقدر على إظهار ذلك.

عندما رأته سارة اقتربت منه وسألته بنبرة حانية:

«هل هناك ما يزعجك؟»

رد تامر مباشرة وصوته يختلط بهمس الرغبة والاستعجال:

«أمي، متى سيعطيني أبي المال الذي وعدني به؟»

لم يعد يحتمل العيش في هذا البيت فقد شعر دومًا بأن قصر ياندل لم يكن يومًا مكانًا للحنان أو الحب بل صرحًا يخيّم عليه برود السلطة والهيمنة.

عند ذكر المال تغيرت ملامح سارة قليلًا وارتشفت رشفة من الشاي كأنها تحاول تمالك نفسها ومن ثم قالت بهدوء لكن كلماتها تحوي معنى صارمًا:

«يا بني استمع لي… اكتفِ بلعب دور ابننا ولا تفكر في أي شيء آخر… أنت لست مؤهلاً للعمل في مجال الأعمال.»

كان الدرس خفيًا وراء كلماتها… واضحًا للعيان—لن ينال تامر أي مال.

شعر تامر بخيبة فورية؛ بعد أن أدرك أن ياندل وسارة يتآمران لإيهامه بالأمان لكنه بعد أن فقد سلطته ونفوذه لم يعد ندًّا لياندل… حتى زوي أصبحت تنظر إليه بازدراء، أما سيرين شقيقته فلم تكن لتعامله بمثل هذه القسوة أبدًا.

وبينما كانت صورة سيرين تتسلّل إلى ذهنه لم يستطع منع فكره من الانتقال إلى ظافر… وقد خطرت له فكرة فجائية:

إذا لم يمنحه ياندل المال، فربما يكون ظافر هو الحل!


تعليقات