رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والستون
وبصفته الرئيس التنفيذي لشركة تايتان لم يكن المال يومًا عائقًا في طريق ظافر ولا سببًا للقلق أو الحساب.
وبهذه الفكرة التي استقرت في ذهن تامر، قصد مقرّ شركة تايتان على الفور… كان يتوجّس في البدء من أن يُقابَل طلبه بالرفض وأن يُحال بينه وبين لقاء ظافر غير أنّ حديثه عن هويته مع موظفة الاستقبال ثم سكرتيرة مكتب الرئيس التنفيذي فتح له الأبواب على نحوٍ غير متوقّع فسمح له بالصعود إلى الطابق العلوي.
ودون أن يدري تامر لم يكن الجالس في مكتب الرئيس التنفيذي هو ظافر بل جاسر.
«يا صهري!» نادى تامر بصوتٍ حمل شيئًا من الألفة المتملقة وهو يحدّق في جاسر بملامحه اللافتة.
رفع جاسر نظره إليه وقال بنبرةٍ متحفّظة:
«ما الذي جاء بك إلى هنا؟»
تنفّس تامر بعمق، ثم أجاب:
«جئت أطلب منك بعض الدعم المالي… لإعادة إحياء مجموعة تهامي.»
في سالف الأيام كان والد سيرين قد حوّل مصنعًا صغيرًا متواضعًا إلى «مجموعة تهامي» حتى غدا بعدها أغنى رجل في المدينة وأسطورة تُروى في الشمال… غير أنّ تلك الإمبراطورية ما لبثت أن تهاوت تحت إدارة تامر فانتهت إلى الإفلاس… ولم يكن تامر مستعدًا لتقبّل هذه الخاتمة فإذا كان جدّه وأبيه قد صنعا أسطورة من العدم، فلماذا يعجز هو عن إعادتها إلى الحياة؟
كان جاسر قد توقّع منذ اللحظة الأولى أنّ مجيء تامر لا يخرج عن كونه طلبًا للمال.
وبما أن جاكي قد تحرّت أمر تامر من قبل فاكتشفت أنّه اعتاد اللجوء إلى ظافر طلبًا للعون بعد زواجه من سيرين غير أنّ ظافر في كل مرة كان يقابله بالنفور والرفض… لذلك لم يتوقّع جاسر أن يجرؤ تامر على المحاولة مجددًا.
قال تامر وقد ألقى بورقته الأخيرة:
«يا ظافر، أعلم أنّك تهتم بسيرين حقًا… إن وافقتَ على دعمي أعدك بأن أقنعها بالكفّ عن إثارة المتاعب وسأثنيها عن طلب الطلاق منك.»
كان تامر قد طرق باب ظافر مراتٍ عديدة من قبل وعاد في كل مرة خالي الوفاض غير أنّه هذه المرة تشجّع بعدما رأى كيف وقف ظافر مؤخرًا مدافعًا عن سيرين… وبحسّ الرجل الذي يعرف طبائع الرجال قد أدرك تامر أنّ لا أحدًا يبذل كل هذا العناء من أجل امرأة، ما لم تكن لها في قلبه مكانة عميقة لا تُخطئها العين.
نقر جاسر بأصابعه النحيلة على سطح المكتب وأصغى في صمتٍ قصير كأنّه يزن الكلمات قبل أن يمنحها صوتًا ثم قال أخيرًا بهدوءٍ محسوب:
«أحضر سيرين وتحدّث معها في حضوري وسأساعدك.»
أشرق وجه تامر فرحًا وكأن باب النجاة قد فُتح فجأة… ومن ثم قال بحماسة:
«حسنًا، سأذهب لإحضارها فورًا.»
ثم غادر المكتب على عجل دون أن يضيّع ثانية أخرى.
وما إن اختفى أثره حتى عقدت جاكي حاجبيها وسألت بقلق:
«سيد جاسر، هل تنوي مساعدته حقًا؟ بحسب ما توصّلت إليه في تحقيقي إنه ليس سوى أحمق لا يحمل من صفات المرحوم السيد تهامي الأب شيئًا… إن منحه المال ليس إلا تبديدًا له.»
كان جاسر يدرك ذلك تمام الإدراك غير أنّ دافعه لم يكن المال ولا تامر نفسه؛ بل كان يريد رؤية سيرين.
فقد ظنّ يومًا أنّها ما إن تعرف بعودته ستأتي إليه حتمًا لتواجهه بالأسئلة وتطالبه بالحقيقة كاملة لكنها لم تفعل… وحتى الآن وبعد أن علمت أنّه ليس ظافر لم تحضر لمقابلته.
ظلّ جاسر صامتًا، ولم يُجب عن سؤال جاكي كأنّ ما في صدره أبعد من أن يُقال.
في مقاطعة سان أعدّت سيرين قائمةً بأسماء شركاء محتملين من أهل الأعمال المحليين غير أنّها كانت تفتقر إلى وكيلٍ يتولّى شؤونها داخل البلاد فاقترحت سينثيا عبر الهاتف:
«سيدتي، هل ترغبين في أن أعود؟»
ولأن سيرين لم تكن تميل إلى الظهور العلني فقد أوكلت إلى سينثيا معظم الصفقات مكتفيةً بأن تعمل هي من خلف الستار حيث التفاصيل الهادئة لا الأضواء الصاخبة.
أجابت سيرين دون تردّد:
«بالطبع، شكرًا لكِ… وسأمنحكِ زيادة في الراتب.»
ضحكت سينثيا بخفة وقالت:
«لا تشغلي بالكِ بذلك يا رئيسة.»
وما إن أنهت المكالمة حتى سارعت سينثيا بحجز رحلة الطيران.
بعد أن فرغت سيرين من ترتيب شؤون عملها جلست على الأريكة مهيّأة نفسها لإغماض عينيها قليلًا والاستسلام لراحة قصيرة غير أنّ الباب فُتح فجأة من الخارج فتسللت نسمة باردة إلى المكان.
فتحت عينيها فإذا بظافر يقف عند المدخل تحيط به مجموعة من الحراس الشخصيين ببدلات رسمية متقنة فرفعت حاجبيها وسألته باستغراب:
«ما كل هذا؟»
أجاب بهدوءٍ عملي:
«حراس شخصيون… اختاري واحدًا ليصطحب زاك إلى المدرسة من الآن فصاعدًا أمّا البقية فسيكونون لحمايتك.»
تأمّلتهم سيرين بنظرة سريعة ورغم أنّها لا تحكم على الناس من مظهرهم لكن هؤلاء الحراس لم يكونوا لافتين أو جذّابين على نحوٍ خاص.
قالت بحزم:
«لا حاجة إلى ذلك… رامي وحده يكفي.»
ثم أضافت وكأنها تحسم الأمر:
«كما أنني أستطيع أن أوصل زاك بنفسي وأن أعتني بنفسي إذا تطلب الأمر… لكن لا غبار على رامي لذا لا أريد استبداله»
سكت ظافر لحظة كأنّه يزن الكلمات في داخله قبل أن يقول بنبرةٍ خافتة لا تخلو من الغيرة:
«أنا لا أثق برامي.»
