رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والواحد والستون
كان واضحًا أنّ سيرين أساءت فهم بواعث قلق ظافر؛ فسارعت تشرح بثقةٍ لا تخلو من الإعجاب كفاءة رامي: فهو قادر على مواجهة عشرة رجال دفعةً واحدة، هادئ الطبع لا يستفزه الغضب، من أولئك الذين يكثرون فعلًا ويقلّون قولًا… وكلما أغدقت سيرين عليه الثناء، ازداد عزم ظافر على إقصائه واستيقظت الغيرة في صدره كوحشٍ كاسر لا يهدأ.
وأضافت سيرين بلهجةٍ حاسمة:
«دعهم جميعًا يغادرون… أنا لا أحب الغرباء.»
أكان نفورها من الغرباء فحسب أم أنّها لا ترتاح لمن يفتقرون إلى الجاذبية؟ لم يجرؤ ظافر على طرح السؤال؛ فاكتفى بأن أمر الحراس بالانصراف أولًا… وحين أصرت سيرين على موقفها ولم تتحرّك آثر ظافر أن يتجه بنفسه إلى رامي.
أما سيرين فظنّت أنّ ما فعله لم يكن سوى هفوة عابرة فلم تُعر الأمر اهتمامًا يُذكر.
في تلك الأثناء وما إن علم تامر من سارة بمكان وجود سيرين حتى شدّ رحاله إلى مقاطعة سان دون إبطاء.
وحين بلغ منزلها كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا والسكينة قد بسطت أجنحتها على المكان إذ آوى الجميع إلى الراحة… وقف تامر في مواجهة الرياح الباردة يتحدّاها، وطرق الباب بيدٍ متردّدة.
لم تكن سيرين قد غلبها النوم بعد… وحين همت بخلع سماعاتها بلغ مسامعها الطرق فنهضت من فراشها وتوجّهت لفتح الباب… وما إن انفتح حتى وقع بصرها على تامر ملتفًّا بسترة شتوية ثقيلة وقد غطّى الثلج كتفيه وملامحه.
حاول أن يتسلّل إلى الداخل دون كلمة غير أنّ سيرين أغلقت الباب نصف إغلاق وسألته بحدّةٍ مشوبة بالحذر:
«ماذا تفعل هنا؟»
قال بصوتٍ خافت وهو يقاوم قسوة البرد:
«لنتحدّث في الداخل.»
تأمّلته سيرين لحظة ثم قالت ببرودٍ حاسم دون أن تفسح له المجال:
«إن كان لديك ما تقوله، فقله هنا.»
في ما مضى كان تامر ليدفعها جانبًا بلا تردّد غير أنّ حاجته إليها الآن قيّدته فلم يجد بدًّا من الوقوف عند العتبة يواجه الريح الباردة بصمتٍ ثقيل ومن ثم قال متوسّلًا بنبرة حاول أن يلطّفها:
«ساسو، هل يمكنكِ مساعدتي في أمرٍ ما؟»
ساسو؟
ارتجفت شفتا سيرين من البرد ومن الذكرى لكنها قالت بحدّةٍ هادئة:
«سيد تامر، أنا لستُ *ساسو* بالنسبة لك… لا تنسَ أنك أنت من قال يومًا إن شخصًا أصمّ مثلي لا يستحق أن يكون أختك.»
تنفّس تامر بعمق ثم قال وهو يحاول التخفيف من وقع كلماته ملقيًا نظرة خاطفة إلى داخل المنزل:
«كان ذلك تصرّفًا طفوليًا لا يصدر إلا عن صبيٍّ أحمق… لم أقصد ما قلت فلا ينبغي لكِ أن تأخذي الأمر على محمل الجد.»
وفي داخله بدا له من العبث أن تبقى سيرين في هذا المكان المتواضع بدلًا من قصر نصران الوثير حيث الدفء والترف غير أنّه حرص على أن تبقى نبرته مهذّبة فقال متوسّلًا:
«ساسو، هل يمكنكِ مساعدتي؟ أريد أن أعود… كل ما في الأمر تضحية صغيرة… وليست تضحية حقيقية—»
قاطعته سيرين ببرودٍ قاطع وقد شبكت يديها بقوة:
«تضحية؟ ولمن تنوي أن تبيعني هذه المرّة؟»
قال بسرعة محاولًا تلطيف الموقف:
«لا أطلب منكِ سوى أن تقابلي صهري… إن وافقتِ على لقائه فقد وعد بمساعدتنا على إعادة تأسيس مجموعة تهامي.»
ووضع تامر يده على كتفها محدّقًا في عينيها بنظرة استعطاف:
«ساسو، ألا تريدين إحياء مجموعة تهامي؟ ألا يعني لكِ تعب جدّنا وأبي شيئًا؟»
صهري؟
ارتبكت سيرين، وسألته بحذر:
«ومن تقصد بـ(صهرك)؟»
أجاب دون تردّد:
«ظافر بالطبع… لقد قابلته اليوم في شركة تايتان… قال إنه سيساعدني إذا قابلتِه بنفسك.»
تشنّجت ملامح سيرين على الفور… كانت تعلم يقينًا أنّ الرجل الذي في شركة تايتان لم يكن ظافر بل جاسر.
خفضت بصرها وقد ثقل صدرها بما لم يُقَل… كانت قد فكّرت يومًا في مواجهة جاسر، في سؤاله عن الماضي وما انطوى عليه، لكنها الآن أمّ لطفلين وتنتظر مولودًا ثالثًا؛ ولم يعد للماضي مكان في حاضرها.
قالت بهدوءٍ حاسم:
«لا أريد رؤيته.»
وماذا ستجني من لقائه؟ أذكرياتٍ تُبعث من رمادها؟ أم مشاعر ظنّت أنها دفنتها إلى الأبد؟
رفعت نظرها إلى تامر مجدداُ تتأمّل وجهه الوسيم الذي يحمل ملامح أبيهما ومن ثم قالت بصوتٍ ناضج لا يحتمل المساومة:
«تامر، أنت الآن رجل بالغ… كفّ عن الاتكال على الآخرين في كل شيء… في هذا العالم لا ينهض الإنسان إلا بما يعتمد فيه على نفسه.»
