رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والستون
لم يخطر ببال تامر أن تردّ سيرين طلبه بالرفض ثم تزيده وعظًا يجرح الكبرياء فاشتعل الغضب في صدره وانقض يقبض على كتفها بعنف وقال بازدراءٍ فظّ:
«لماذا تُكثرين الكلام إن كنتِ لا تنوين المساعدة؟»
ثم أشار بحدة إلى البيت المتواضع خلفها وصوته يقطر احتقارًا:
«كنتُ أعلم أنكِ غير جديرة بالثقة… قد ترضين بالضياع أمّا أنا فلا أقبل أن أكون مثلك! كنتُ حفيد رجل أعمالٍ عظيم وسأسير على خطى جدّنا… سأعيد بناء مجموعة تهامي، وأنتِ لا تستحقين حتى حمل اسم عائلتنا!»
قالها ومن ثم دفعها بقسوة فتراجعت سيرين متعثّرة وكادت تهوي إلى الأرض لولا ذراعٌ قوية أحاطت بها في اللحظة الأخيرة.
رنّ صوتٌ عميق قرب أذنها:
«هل أنتِ بخير؟»
كان ظافر… ولم تُمهلها الدهشة وقتًا لتأمره بالعودة إلى الداخل وألا يتدخل بينها وبين أخيها.
بينما تجمّد تامر في مكانه وقد صُدم لرؤيته هناك… صاح مرتبكًا:
«ظافر! ماذا تفعل هنا؟ إن كنتَ هنا، فلماذا طلبتَ مني أن أحضر سيرين إلى شركتك لنتحدّث؟»
كان تامر غارقًا في حيرته عاجزًا عن إدراك أنّ الرجل الذي قابله من قبل لم يكن ظافر بل جاسر.
لم يكلّف ظافر نفسه عناء الشرح إذ قال ببرودٍ قاطع:
«انصرف.»
في لحظة تلاشى ما تبقّى من جرأة تامر فانقلبت حدّته هروبًا وفرّ مبتعدًا كمن تطارده الأشباح… بعد أن ابتعد شعرت سيرين بألم خفيف في بطنها ربما نتيجة الإجهاد والتعب البدني الذي تكبّدته في وقت سابق.
«ظافر… معدتي تؤلمني!» صرخت وقد ملأ الذعر عينيها وهي تتشبث بقميصه.
لم يكن الألم ذاته ما أخافها بل الخوف من أن يحدث مكروه للجنين فتذكرت كيف آلت تجربتها الأولى بالإجهاض.
احتضنها ظافر بقوة وجاء صوته يرتجف بالهلع الحقيقي:
«سآخذك إلى المستشفى الآن.»
«تمام…» أجابت بصوت مرتجف.
بعد أن رفعها عن الأرض وأراح جسدها على الأريكة الوثيرة بحظر اتصل ظافر بسرعة لطلب المساعدة وما لبثت دقائق قليلة حتى وصل سائق ومعه سيارة معدّة للطوارئ.
في الطريق تمسّكت سيرين بملابس ظافر الجالس إلى جوار السرير الطبي النقال بيدٍ، بينما ارتكزت يدها الأخرى برفق على بطنها وكأنها تحاول حماية أغلى ما تملك… كان الخوف الذي يعتريها من النوع الذي لا يفهمه إلا من مرّ بتجربة مماثلة.
أخذت تهمس في سرها لجنينها:
«يا حبيبي، أرجوك كن بخير…»
عندما وصلوا أخيرًا إلى المستشفى شرع الطبيب في إجراء فحص دقيق لسيرين أما ظافر فانتظر في الخارج مستغلاً الوقت لإجراء مكالمة هاتفية طلب خلالها من أحد المحققين التحري عن تحركات تامر…. إذ استمع إلى تامر وهو يخبر سيرين أن “صهره” طلب منه إقناعها بمقابلته.
فكر ظافر مليًا:
من يكون هذا الشخص غير جاسر؟ وما الذي كان يريده جاسر من سيرين؟ ولماذا لم يستطع هو نفسه تذكر أي شيء؟
لسوء الحظ لم يكن قد استعاد ذاكرته بالكامل بعد… بعد فترة وجيزة اتصل المحقق مجددًا وقال:
«بعد ظهر اليوم ذهب تامر إلى شركة تايتان لمقابلة جاسر… لست متأكدًا مما دار بينهما من حديث لكنه كان مبتسمًا عند مغادرته وتوجه مباشرة إلى مقاطعة سان بعد مغادرته المكتب.»
استطاع ظافر أن يستوعب الحدث إلى حد ما لكن ذهنه ظل حائرًا في تفاصيله.
في تلك الأثناء أنهى الطبيب فحص سيرين وتبيّن أن حالتها كانت تشير إلى إجهاض مُهدد إلا أنه تم التدخل في الوقت المناسب لإنقاذ الحمل كما نصحها الطبيب بأنها بحاجة إلى متابعة دقيقة ورعاية مستمرة في المستقبل القريب.
بعد أن شكرت الطبيب واستلمت الدواء عادت سيرين إلى السيارة برفقة ظافر قاصدان المنزل.
قالت بهدوء ممتزج بالامتنان:
«شكرًا لك على اليوم… لولا وجودك لكانت العواقب ربما تكون وخيمة».
شعر ظافر بيدها وهي تتشبث بمعطفه فمدّ يده ليحتضن خصرها برفق مهمهماً بحميمية يتكئ على كل حرف:
«أنتِ زوجتي… لا حاجة لشكري»، قالها بصوت دافئ يحمل الحنان والمسؤولية.
أحاطت يد سيرين بيده الدافئة للحظة ثم سحبتها فجأة… فمن لدغته الأفعى يخاف من الحبل، للآن لم تستطع أن تمنح ثقتها الكاملة لظافر.
تجمّدت يد ظافر في مكانها وتحركت تفاحة آدم خاصته إثر قربها المهلك… ساد صمت غريب في السيارة طوال الطريق حتى وصلوا إلى المنزل وعندما توقفت السيارة، ساعدت سيرين ظافر على النزول بخطوات مترددة وكأنها توازن بين القلق عليه والاعتداد بنفسها.
بينما كانا يقتربان من الباب دبّ فجأةً صوت بكاء خافت في المكان فارتجف قلب سيرين وهي تتسائل بصوت مرتجف:
“هل كان أحدهم يبكي؟”
تقدمت سيرين إلى الداخل وأضاءت الأنوار لتكتشف بكاء زاك الذي أدرك وجودها فأدار ظهره على الفور محاولًا مسح دموعه قبل أن ينظر إليها مرة أخرى… قال متلعثماً:
– «لا… لا شيء.»
بينما وقف ظافر خلف سيرين يشعر بدفء غريب يملأ صدره، وقلبه يخفق بشدة تجاه هذا المشهد الصغير بمزيج من الحنان والإثارة الخفية التي لم يستطع كبحها.
قبل نصف ساعة كان زكريّا قد استيقظ لاستخدام الحمام، ولاحظ أن الضوء في غرفتي سيرين وظافر خافت والغرف فارغة من كليهما فظن فورًا أن ظافر أخذ والدته بعيدًا وشعر باللوم من نفسه لعدم حذرِه عليها وهذا ما أحزنه بشدة.
حاول زكريّا تبرير دموعه قائلاً بجدية:
– «دخلت المياه في عينيّ عن طريق الخطأ عندما ذهبت إلى الحمام.»
ابتسمت سيرين في صمت، ولم تكشف سره، فقد اعتبرتهل لحظة طفولية بريئة.
غير الطفل الموضوع بسرعة وعاد بقلق إلى الأمر المهم بالنسبة له:
– «أمي، أين ذهبتِ أنتِ والسيد ظافر؟»
ابتسمت سيرين برقة راغبة في تهدئته دون كشف حقيقة وضعها الصحي، فقالت:
– «لا شيء يا حبيبي… لقد خرجنا فقط في نزهة قصيرة.»
نظر زكريّا حوله بدهشة معتقدًا صعوبة الخروج في هذا الطقس البارد، لكنه اكتفى بالاستماع إلى صوت والدته وهدوء السيد ظافر بينما ظل قلبه مشدودًا للقلق لنحو نصف ساعة قبل أن يهدأ تدريجيًا.
