رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والستون
بدت الدهشة واضحة على وجه زكريا إذ أربكه السؤال وأوقفه لحظة عن الرد.
ارتسمت على شفتي ظافر ابتسامة هادئة وقال بنبرة واثقة:
– «لن أؤذيها… غير أن الكلمات وحدها لا تكفي في نهاية الأمر… يمكنك أن تراقبني بنفسك.»
ازداد اندهاش زكريا ثم قال على عجل وقد استعاد توازنه:
– «حسنًا، اتفقنا… سأراقبك عن كثب.»
بعد ذلك الحوار القصير أغمض زكريا عينيه محاولًا الاستسلام للنوم غير أن اعتياده النوم وحيدًا منذ صغره جعل وجود رجل بالغ إلى جواره أمرًا ثقيلًا على نفسه فراح يتقلب في فراشه بلا جدوى تتنازعه اليقظة والقلق لكن لم يكن بوسعه المغادرة؛ ففكرة أن يغتنم ظافر غيابه ليذهب إلى سيرين كانت تؤرقه وتمنعه من الحركة.
وهكذا انقضت الليلة طويلة مثقلة بالتوجس، أثقل من أن تُسمّى نومًا.
في صباح اليوم التالي استيقظ زكريّا باكرًا فاصطحبه رامي إلى روضة الأطفال كعادته تاركًا خلفه بيتًا عاد إليه السكون بعد ليلة مثقلة بالترقّب.
في الجهة الأخرى كان تامر قد فرّ عائدًا إلى المدينة تحت جنح الظلام وقلبه ما زال يرتجف إذ لم يستوعب حتى اللحظة كيف طلب منه ظافر البحث عن سيرين بينما كانا يعيشان معًا… كانت تلك المفارقة وحدها كفيلة بأن تبث الرعب في أوصاله وكلما تذكّر نظرة ظافر القاتلة هذه الليلة انقبض صدره فلم يجرؤ على الاقتراب من شركة تايتان مرة أخرى ولا على المطالبة بالمال فعاد إلى منزله مثقلاً بالإحباط والانكسار.
في قصر ياندل جلست سارة إلى جوار زوي وقالت بنبرة تحمل بشرى طال انتظارها:
– «لديّ أخبار عن ساسو… سمعت أنها ستعود إلى البلاد قريبًا جدًا… سنراها عمّا قريب.»
أضاء وجه زوي فاندفعت تعانق والدتها بحماسة:
– «أمي، أنتِ مذهلة!»
ابتسمت سارة بثقة وقالت:
– «هذا أمرٌ بديهي.»
وعندما رأت تامر يعود وقد بدا عليه الإرهاق والاضطراب تسللت إليها غصة قلق:
– «أين كنت طوال الليل؟»
لم يشأ تامر أن يبوح بالحقيقة فاكتفى بالقول ببرود مصطنع:
– «خرجت لتناول بعض المشروبات.»
غير أن زوي التي كانت تقف غير بعيد لم يرق لها الجواب، فقالت بحدة:
– «تامر، كفّ عن استغلال اسم عائلتنا ستقع في مأزق كبير إن علم أبي بما تفعل.»
ظلّ تامر مشدود الأعصاب منذ ما جرى مع ظافر في الليلة السابقة فما إن بلغ سمعه تهديد زوي حتى انفجر غضبه دفعةً واحدة.
قال بحدّة جارحة:
«ومن تظنين نفسكِ لتخاطبيني بهذه اللهجة؟ لا تنسي أنه لولا وجودي لما كان والدك سوى رجلٍ عديم الحيلة يعيش في ظل امرأة!»
لم تحتمل سارة هذا التطاول فصفعته على وجهه صفعةً قوية دوّى صداها في المكان ومن ثم قالت بصرامة لا تقبل الجدل:
«كيف تجرؤ على مخاطبة أختك بهذه الطريقة؟ اصعد إلى غرفتك حالاً!»
حدّق تامر فيها غير مصدّق كأن الصفعة لم تصب وجنته فحسب بل كرامته أيضاً ومع ذلك انسحب على مضض يجرّ خطواته جراً.
ورغم كونه ابن سارة البيولوجي فيما كانت زوي ابنة ياندل لورانس من زواجه السابق فإن سارة لم تُخفِ ميلها الواضح إلى زوي منذ انتقالهم للعيش في قصر ياندل وكأنها اختارتها ابنةً لقلبها قبل أن تكون ابنةً للبيت.
ارتسمت على شفتي زوي ابتسامة ساخرة حين رأت تامر يتلقى الصفعة ثم ازدادت حدّة وقالت ببرودٍ قاسٍ:
«أمي، إنني أسمح له بالبقاء هنا مراعاةً لكِ وحدك… أمّا إن استمر في جحوده فليغادر منزلي دون تردّد».
ارتجفت سارة في داخلها عند سماع كلمة *منزلي* لكنها آثرت كتمان ما اعتراها وقالت بصوتٍ هادئٍ متماسك:
«زوي، لا داعي للغضب».
نهضت زوي وألقت نظرة متعالية أخيرة ثم انسحبت إلى غرفتها بخطوات واثقة كأن المكان خُلق لها وحدها.
بينما اشتعل الغيظ في صدر تامر وهو يراقب تصرّفها المتعجرف فاستدار إلى أمه قائلاً بمرارة:
«لماذا تُظهرين كل هذا اللطف تجاه زوي؟ إنها ليست ابنتكِ الحقيقية».
رمقته سارة بنظرة حازمة قطعت ما تبقى من اندفاعه وقالت بفتورٍ لا يقبل الجدال:
«وما الذي تعرفه أنت؟ اذهب الآن واسترح».
لم يجد تامر ما يرد به فعاد إلى غرفته مكرهاً يجرّ خلفه شعوراً ثقيلاً بالهزيمة كأن الجدران نفسها تضيق عليه أكثر مما ينبغي.
وفي وقتٍ لاحق من ذلك اليوم وصلت سينثيا إلى المدينة وما إن استقرّت حتى بعثت برسالة إلى سيرين تُخبرها فيها بأنها على أهبة الاستعداد للقاء العملاء في أي وقت.
طلبت منها سيرين تحديد موعد اجتماع مع العميل في اليوم التالي فجاءها الرد سريعًا بلا تردّد:
«حسنًا».
في هذه الأثناء لم تستطع فاطمة أن تخفي قلقها حين رأت انغماس سيرين في العمل على الرغم من حملها، فقالت بنبرة مشفقة:
«سيرين، لا تُرهقي نفسكِ بهذا القدر».
جلست سيرين إلى جوارها وهزّت رأسها مطمئنة:
«لا تقلقي، لن أفعل… سينثيا ستتولى كل شيء وسأكتفي بالاستماع فقط».
فبعد ما جرى في الليلة الماضية أدركت سيرين أن الراحة لم تعد خيارًا بل ضرورة من أجل طفلها.
قالت فاطمة وهي تومئ برأسها وإن لم يغب القلق عن عينيها:
«حسنًا…».
ساد صمت قصير قبل أن تعود فاطمة لتسأل وكأن فكرةً أقلقتها فجأة:
«سيرين، هل تواصلتِ مع كارم في الأيام الماضية؟».
كان كارم قد اعتاد التواصل مع سيرين مؤخرًا غير أن صمته التام منذ زيارته الأخيرة ظلّ يثير الريبة.
