رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والستون 368 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والستون 

أمرت سيرين ظافر بحزم، قائلة: “اخرج!”، غير مكترثة بكيفية دخوله المفاجئ.

ابتسم ظافر بخبث يعتمد التوسّل المصطنع مردفاً:

“موظف الاستقبال قال لي إن جميع الغرف محجوزة… إذا غادرت فلن يكون لي مكان لأقيم فيه.”

رفعت سيرين حاجبيها بدهشة وهي تلتقط هاتفها لتتأكد:

“ليس هذا موسم الذروة، كيف يكون الفندق محجوزًا بالكامل؟” ولدهشتها كانت جميع الغرف محجوزة بالفعل.

ارتبك ظافر للحظة، فيما اقترب منها خطوة بخفة متلمّسًا طريقة لإثارة ابتسامتها وقال مازحًا وهو يخفي ما بداخله من مكيدة:

“ربما لأن العام الجديد يقترب… أو ربما تلك هي العناية الإلهية فأنا رجل معقود الحظ بناصيته.”

لم تستطع سيرين كبح ابتسامة صغيرة رغم غضبها، ومن ثم قالت بتهكم:

“أجل تقواك تفج من عينيك يا رجل”

رفع ظافر إحدى حاجبيه يومئ بثبات مردفاً:

“هذه حقيقة… امتثلي إلى إرادة الله”

كان هناك شيء في تلك المشاكسة اللطيفة يذوب الجليد بينهما… ابتسم ظافر ابتسامة تسلية حين اقترحت سيرين:

“إذن اذهب للإقامة في فندق آخر”. كانت تعتقد أن هناك خيارات أخرى متاحة بكل تأكيد.

لكن ظافر رفض بكل عناد واقترب منها بخطوات هادئة مائلًا رأسه وكأنه طفل يطلب الدفء والحنان:

“مستحيل… لقد تعبت كثيرًا لأجدك هنا… هل تريدين حقًا أن يضطر رجل أعمى مثلي للبحث عن فندق آخر في منتصف الليل؟ ألن تقلقي؟ يا لقسوة قلبك سيرين.”

حاولت سيرين السيطرة على الموقف فأمسكت بكمه لتخرجه من الغرفة، قائلة: “سآخذك إلى فندق آخر، هيا!”

لكن ظافر وقف ساكنًا غير متأثر بمحاولتها وقال بعناد لا يخلو من الدلال:

“سيرين… لا أريد الذهاب إلى أي مكان آخر.”

كافحت سيرين لزجه بل حاولت دفعه وسحبه بكل قوتها لكنه ظل ثابتًا صامدًا كما لو أن قلبه قد امتزج بعناد طفل وحنان عاشق.

ابتسم ظافر ابتسامة دافئة ومليئة بالمشاكسة حين أمسك يد سيرين برفق وقال بصوت منخفض لكنه يحمل الكثير من الإلحاح:

“سيرين… فكري قليلاً… نحن هنا في المدينة… ماذا سيظن الناس إذا رأوني أعمى وزوجتي الحنون تطردني من هنا؟”

ارتجفت يدها بين يديه للحظة ثم استسلمت شفتيها لابتسامة خفيفة جراء حنانه المستتر ومن ثم تنهدت قائلة:

“لماذا أتيت إلى هنا ظافر؟”

أجابها بصراحة ودفء:

“لم أستطع ترككِ وحدكِ… في المرات الماضية حين أقمت في فندق بمفردي وأنا أتتبعكِ شعرت بالوحدة… لذا هذه المرة كنت مصمماً على البقاء معكِ.”

ابتسمت سيرين محاولًة التحرر من قبضته:

“ستنام على الأريكة الليلة.”

أومأ ظافر دون أي اعتراض وكأن قلبه فرح بمجرد سماع قرارها:

“بالتأكيد.”

عندها فقط ذهبت سيرين لتغتسل، والإرهاق يثقل كاهلها فاستلقت على السرير بعد الانتهاء مسترخية قليلاً.

لكن بعد لحظات جاء صوت ظافر اللطيف والمتحايل:

“سيرين… أنا لست معتادًا على هذا المكان… هل يمكنكِ أن ترشديني إلى الحمام وأين توجد أدوات النظافة؟”

ابتسمت سيرين لنبرته المشاكسة وتلمست في قلبها دفءً غريبًا يجمع بين العطف والمغامرة إذ كادت سيرين أن تنسى أنه لا يستطيع الرؤية.

نهضت سيرين ثانيةً تحاول إخفاء دقات قلبها السريعة وأخذت بيد ظافر لتقوده إلى الحمام بلطف، ومن ثم أرشدت يده ليلمس كل غرض، موضحة له ماهيته وكان ظافر يستجيب بدقة مدهشة يتذكر كل شيء بمجرد أن يُشرح له… أحيانًا كانت سيرين تتساءل بدهشة كيف لشخص بهذه القدرات أن يفقد ذاكرته، وها هو الآن في سلوكه المطيع واللطيف يبدو وكأنه شخص آخر تمامًا.

بينما كانت غارقة في أفكارها لم تلاحظ أن ظافر استدار ببطء وأمسك بيدها فشعرت فجأة بدفء يلامس ظهرها واستقر ذقنه على كتفها في عناق من الخلف يتحرك معها نبضه كهمسٍ خفي.

تقدمت أفكارها وأحاسيسها سريعًا حالما شعرت بأنفاسه تداعب مؤخرة أذنها فارتجفت وسحبت يدها على الفور:

“حسنًا… اذهب واستحم.”

ابتعدت بسرعة نحو الحمام، ووجنتاها مشتعلة بالحمرة بينما هز رأسه يبتسم لعنادها… تعوزه كما يتوق شوقاً إليها ولكنها تكابر.

عادت بعد قليل إلى السرير ومن ثم أغمضت عينيها بسرعة محاولة تجاهل صوت الماء الذي لا يزال يتردد في أذنيها وغاصت سريعًا في نومٍ عميق… وفي حلمها شعرت بيدين مشتبكتين حولها بقوة وكأنها لم تنفصل عنه لحظة… حاولت فتح عينيها لكن التعب كان أقوى، تاركًا قلبها يسبح بين الخوف والحنين، وبين حرارة المشاعر التي لم تجرؤ على الاعتراف بها.

مع خيوط الفجر الأولى فتحت سيرين عينيها ببطء لتجد المكان المجاور لها خالياً فنهضت متجهةً إلى غرفة الجلوس وهناك رأت ظافر مستغرقًا في عمله على حاسوبه المحمول بينما كان الفطور مرتبًا بعناية على الطاولة أمامه.

لم تلتفت سيرين إلى الفطور ففضولها اجتاحها لمعرفة ما الذي كان يعمل عليه ظافر في هذا الوقت الباكر فاقتربت منه بخطوات هادئة وعيناها تتفحصان الشاشة بحذر.

ما رأته جعل قلبها ينبض بسرعة: خطة العمل الأصلية التي كانت على حاسوبه قد تحولت إلى اقتراح للتبرع للأعمال الخيرية… لقد أدخل عليها ظافر التعديلات بذكاء ومهارة حالما شعر بخطواتها تقترب وذلك قبل أن تتمكن هي من إلقاء نظرة كاملة على الملف الأصلي.


تعليقات