رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والستون 369 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والستون 


سألت سيرين وهي تشير إلى الشاشة:

 

«أهذا عملك؟»

 

أجاب ظافر بهدوء:

 

«نعم، هذا ما كلّفني به رئيسي»، وبقيت ملامحه ثابتة لا تشي بشيء.

 

راحت سيرين تتأمله في صمت؛ تذكّرت كيف كان في وقتٍ مضى يكتفي بمراجعة مقترحات الآخرين أما الآن فقد صار مطالبًا بصياغتها بنفسه… ما أغرب تقلّبات الحياة.

 

قالت بنبرة متفكّرة:

 

«ربما يجدر بك أن تتحدث إلى شادية وتطلب منها أن تُسند إليك بعض الأعمال، أو…»

 

«سيرين.»

قاطعها ظافر قبل أن تتم عبارتها وقال بصوت حاسم خالٍ من التردّد:

 

«من الآن فصاعدًا لا علاقة لنا بعائلة نصران، أنتِ وأنا… نحن العائلة.»

 

صمتت سيرين للحظات وكأن الكلمات اصطدمت بجدارٍ صدرها… لم تبدُ متأثرة بل استعادت نبرة الواقعية وقالت بهدوء صارم:

 

«لقد عدتُ إلى مقاطعة سان لأن الطبيب أخبرني أن صحة فاطمة تتدهور وقد لا تعيش حتى العام الجديد وإذا توفيت فاطمة فسأغادر هذا البلد… سنفترق عاجلًا أم آجلًا… لسنا عائلة.»

 

وخزٌ خفيٌّ اخترق صدر ظافر عند سماعه الجملة الأخيرة لسيرين… كان يظنّ أن الأيام الأخيرة التي جمعتهما قد أذابت حدّة القرار وأن العِشرة كفيلة بأن تُرجئ فكرة الطلاق أو تمحوها غير أنّ الحقيقة انكشفت على نحوٍ مغاير؛ لم يتبدّل رأيها قيد أنملة.

 

قالت سيرين بهدوءٍ قاطع:

 

«يجب أن أذهب إلى العمل».

ثم غادرت الغرفة على عَجل دون أن تمتدّ يدها إلى الفطور كأنّها لم تكن معنيّة بالمائدة.

 

في ذلك اليوم كانت سيرين على موعدٍ مع الشخص الغامض الذي تحدّثت عنه سينثيا.

……..

خارج الفندق توقّفت سيارة سوداء وبجوارها وقف رجل وامرأة… بدا الرجل بمعطفه الأسود، بارد الملامح، جافّ النظرات كأنّه قطعة من ليلٍ كثيف… أمّا المرأة فكانت ترتدي سترة منفوخة أنيقة وحذاء فاخر وتحمل كيسين كبيرين من فطائر اللحم.

 

التقطت سينثيا فطيرة تقضم منها بشهية ثم عرضت أخرى على رامي قائلة:

 

«هل تريد بعضًا؟»

 

تأمّل رامي خدّيها المنتفخين وهما يتحرّكان كخدّي أرنبٍ صغير وقال بابتسامةٍ مقتضبة:

 

«لا، شكرًا».

 

هزّت سينثيا كتفيها ضاحكة وقالت:

 

«هذا مؤسف… إن لم نأكل أنا وسيرين، فكيف لسيدتين مثلنا أن تُنهي كل هذه الأشياء؟»

 

وقبل أن يجد رامي فرصةً للرد أسرعت تحشو فمها بفطيرتين إضافيتين، ولم تمضِ سوى دقيقة حتى أفرغت كيسًا كاملًا من فطائر اللحم كأنّ الأمر معركة قصيرة حُسمت بلا تردّد.

 

قالت سينثيا بنبرةٍ لا تخلو من تبريرٍ مرح:

 

«لا يجوز إهدار الطعام… سأُعين الرئيسة على تناول المزيد».

 

آثر رامي الصمت وهو يجزم في قرارة نفسه أنّ فطور سيرين مرشّح للاختفاء تمامًا إن تأخّرت لحظةً عن النزول.

 

«يا رئيسة!» نادت سينثيا بصوتٍ حادّ ولوّحت بيدها حين أبصرت سيرين تقترب.

 

تقدّمت سيرين وتناولت منها ما تبقّى من فطائر اللحم، وقالت ببشاشة:

 

«شكرًا لكِ».

 

ابتسمت سينثيا قائلة:

 

«لا شكر على واجب…. هيا بنا نركب السيارة؛ سنذهب لمقابلة العميل».

ثم فتحت لها باب السيارة بنفسها أما رامي فقد استقرّ خلف المقود مستعدًّا للانطلاق.

 

لم تكن سينثيا على درايةٍ بهوية ذلك الشخص الغامض غير أنّها كانت متيقّنة من ثرائه فقد رتّب للقاءٍ في غرفةٍ خاصة فاخرة داخل نادي «ستيرنهاو» وبحكم نظام النادي الصارم كان من الطبيعي ألّا تتمكّن سيرين من بلوغ ذلك الطابق إلا بمفردها وهي لن تفعل وليست مستعدة للإفصاح عن هويتها الآن فقالت:

 

«سننتظركِ في السيارة».

 

في الطابق العلوي امتدّت يدٌ وفتحت نافذة الغرفة الخاصة من الدرجة الأولى ثم أطلّت صاحبتها تتأمّل ما يجري في الأسفل.

 

قالت جاكي بصوتٍ واضح:

 

«سيد جاسر، لقد وصلت سيارتها».

 

ثم أتبعت إعلانها بنظرةٍ متردّدة نحو جاسر الذي كان يجلس في الغرفة الخاصة يواجه رقعة الشطرنج وحده:

 

«لكن الشخص الذي دخل ليس السيدة تهامي».

 

توقّف جاسر برهةً وهو يمسك بقطعة الشطرنج السوداء بين أصابعه كأنّ الزمن قد توقّف معها ومن ثم قال بنبرةٍ تحمل أكثر مما تُفصح:

«أما زالت لا ترغب في رؤيتي؟»

 

قبل أيامٍ قليلة، كان جاسر قد أوفد تامر للبحث عن سيرين. وحين لم تأتِ للقائه، أدرك ما آل إليه الأمر، وإن ظلّ قلبه عصيًّا على التصديق.

 

وخلال فترة إقامته خارج البلاد، لم يكفّ عن البحث عنها كلّما كان في وعيه؛ حتى توصّل إلى حقيقتها، وعرف أنّها «ساسو». عندئذٍ بذل جهدًا مضنيًا ليظفر بلقائها، متذرّعًا برغبته في التعاقد على مقطوعتها الموسيقية الجديدة، متّخذًا من ذلك ستارًا لما يضطرم في داخله.

 

أغلقت جاكي النافذة، واتجهت نحوه قائلة:

«اكتشفتُ مؤخرًا أنّ الشركة ترغب أيضًا في مؤلفات السيدة تهامي، غير أنّها دأبت على إرسال مساعدتها بدلًا منها. لم تحضر بنفسها قط».

 

وبينما كان الحديث يتواصل، اصطحب نادلٌ سينثيا إلى الداخل. ولمّا وقعت عيناها على الرجل الجالس في الغرفة الأشدّ خصوصية، لفت انتباهها سلوكه البارد الرصين، وهو ينكبّ على رقعة الشطرنج، كأنّه منفصل عمّا حوله، غارق في عالمه الخاص.

 

 

تعليقات