رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسبعون
سألت سينثيا وفي نبرتها مسحةُ شكّ:
«السيد نصران؟»
إذ استعصى عليها تصديق أن يكون رجلٌ بهذه السطوة والثراء في هذا العمر اليافع.
وفي السيارة كانت سيرين جالسة تتابع ما يدور فالتقط سمعها سؤال سينثيا وردّدته همسًا:
«السيد نصران؟»
لم تمضِ لحظات حتى جاء الردّ بصوتٍ دافئٍ وديع:
«نعم، هذا أنا».
كان الصوت مطابقًا لصوت ظافر غير أنّ نبرته جاءت ألطف بكثير وأكثر رقةً ممّا اعتادت سماعه منه رغم هدوئه المعهود… عندها خفق قلب سيرين بعنف كأنّ الاسم استيقظ فيه دفعةً واحدة.
أصغت إلى الحوار عبر سماعة الأذن واستمعت إلى سينثيا وهي تطرح الشروط واحدةً تلو الأخرى وجاسر يوافق عليها جميعًا بلا تردّد كأنّ الأمر لا يستدعي تفكيرًا.
شدّت سيرين على قبضتيها وأخذ قلبها يخفق في صدرها خفقًا متلاحقًا… في حين أن لم تجد سينثيا ما تضيفه أمام هذا اللطف غير المألوف وامتثالًا لتعليمات سيرين وقبل أن تنصرف سينثيا سألت أخيرًا:
«هل لي أن أعرف اسمك؟»
توقّف جاسر لحظة ثم قال بهدوءٍ قاطع:
«ظافر».
كما كان متوقّعًا لم تخطئ سيرين في السمع؛ غير أنّ الاسم لم يكن ظافر بل جاسر نصران.
وكانت سينثيا مذهولة بالقدر ذاته فما إن خرجت من المبنى حتى سارعت إلى إبلاغ سيرين قائلةً بانفعال:
«سيدتي، هل سمعتِ ما قاله؟ جاسر نصران هو الرجل الغامض!»
ولأنّها كانت تقيم في الخارج لم يسبق لها أن رأت ظافر من قبل غير أنّها كانت تعلم أنّه الرئيس التنفيذي لشركة «تايتان».
وتابعت بحماسٍ لا تخفيه:
«يبدو أنّه جادٌّ حقًا في التعاون معنا… لم لا وقد حضر الرئيس التنفيذي بنفسه إلى الاجتماع ووافق على جميع الشروط».
كانت سينثيا غارقة في سعادتها مأخوذةً بفكرة الجلوس طويلًا إلى رجلٍ بهذه الوسامة والمكانة.
أمّا سيرين فكان القلق يتسرّب إلى قلبها بصمت؛ فالتعاون مع شركة «تايتان» مكسبٌ لا يُنكر، لكن العمل وجهًا لوجه مع جاسر كان أمرًا آخر تمامًا.
وقبل أن تجد سيرين فرصةً للردّ على سينثيا رنّ هاتف الأخيرة… نظرت سينثيا إلى الشاشة ومن ثم قالت:
«إنها سارة».
أشارت سيرين إليها بأن تضع المكالمة على مكبّر الصوت فامتثلت سينثيا وأجابت بنبرةٍ مهذّبة:
«سيدة سارة، كيف يمكنني مساعدتكِ؟»
جاء صوت سارة متردّدًا:
«سيدتي ساسو… لقد اتّخذت قراري… ما دمتِ ستمنحين ابنتي حقوقًا حصرية للأغنية فسأؤدّي الرقصة كما تطلبين… أمّا بشأن حقوق استغلال المقطوعة لابنتي فقد رتّبتُ الأمر بالفعل مع سكرتيرتي لتتولّى ذلك وتُعلن عنه».
أصغت سيرين في صمتٍ مطبق بقبضة مشدودة إلى أن حدّ انغرست أظافرها في راحة يدها… بينما أخذ لفظ «ابنتي» يتردد على مسامعها… عندها أدركت أنّها منذ أن رأت ظافر في الفندق ليلة الأمس أغفلت تمامًا التقصي عن أمر زوي فكتمت شعورها بالضيق وأومأت برأسها إلى سينثيا التي فهمت الإشارة على الفور، وقالت بثبات:
«حسنًا، ما إن تنتهي من أداء الرقصة سنوقّع عقدًا يمنح ابنتكِ حقوقًا حصرية للأغنية».
ثم أنهت المكالمة دون إبطاء.
سألت سينثيا وقد ارتسم القلق على ملامحها:
«يا رئيسة، ألن يكون في هذا خسارةٌ كبيرة لنا؟»
هزّت سيرين رأسها بهدوء وقالت:
«لا، ليست خسارة… لقد تأكّدتُ على الأقل من أمرٍ واحد».
فقد أيقنت أنّ سارة لم تكن عاجزة عن الحب بل لم تكن تحبّ سيرين فحسب.
ثم أضافت بنبرة امتنان صادقة:
«سينثيا، لقد كنتِ عونًا حقيقيًا خلال الأيام القليلة الماضية».
تساءلت سينثيا:
«هل ينبغي أن أسافر جوًّا إلى أثنيا غدًا؟»
أجابتها سيرين بعد تفكيرٍ قصير:
«حسناً على أي حال يمكن توقيع العقد إلكترونيًا».
وبعد أن غادرت سينثيا تولّى رامي إيصال سيرين إلى مقاطعة سان.
خلال الطريق اتصلت سيرين بشخصٍ ما للتحقّق من أمر زوي كما بحثت عنها على الإنترنت وسرعان ما وجدت ملفها الشخصي.
تبين أن زوي تبلغ من العمر الآن 28 عامًا أي أكبر من سيرين بعامٍ واحد تقريبًا… كانت راقصة مشهورة عالميًا بدأت مسيرتها في الرقص منذ الصغر فالتحقت بأكاديمية «دريسو الجنوبية للرقص» وهي في سن العاشرة حيث حصلت على أعلى الدرجات وفازت بجائزة كأس المدينة التي تُعدّ بمثابة جائزة الأوسكار في عالم الرقص وهي في الثانية عشرة من عمرها، ثم أصبحت الراقصة الرئيسية في دار الأوبرا وهي في الثامنة عشرة… كان سجلّها المهني بلا شكّ مثيرًا للإعجاب.
لكن سيرين توقفت عند قسم «الوالدان» ولاحظت مكتوبًا فيه:
«الأب: لورانس ياندل، رجل أعمال مشهور».
أما بالنسبة للأم…
