رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والسبعون 372 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والسبعون 


لم يُبدِ ظافر أيّ فضولٍ آخر بعد أن سمع جواب سيرين فاكتفى بالصمت كأنّ السؤال وما تبعه قد أُغلقا إلى غير رجعة وحين تجاهل مواصلة الحديث انسحبت سيرين إلى غرفتها.

………

كان اليوم الذي يلي الغد يوافق عطلة رأس السنة الجديدة وسيحظى كلٌّ من ظافر وزكريّا بإجازة؛ ظافر من عمله وزكريّا من مدرسته.

 

وقبيل ذلك اصطحبت سيرين ظافر إلى غرفةٍ صغيرة ثم قالت بنبرةٍ حاسمة:

 

«أحتاج إلى التحدّث معك في أمرٍ ما».

 

ومن دون أن يدركا كان زكريّا يقف خارج الباب يصغي خفيةً لما يدور في الداخل.

 

قال ظافر وهو يقف أمامها وطوله الفارع يحجب معظم الضوء:

 

«ما الأمر؟»

 

قالت سيرين، بعد تردّدٍ قصير:

 

«لقد فكّرتُ في الأمر مليًّا وأرى أنّ علينا المضيّ قدمًا في إجراءات الطلاق».

 

كانت تدرك أنّ فتح هذا الحديث وهو لا يزال يستعيد ذاكرته ليس أمرًا مثاليًا غير أنّ خوفها من فقدان طفلها غلب كلّ اعتبار.

 

ظلّت عينا ظافر داكنتين، عصيّتَين على القراءة وبقي صامتًا طويلًا كأنّه يزن الكلمات في داخله.

 

كانت سيرين تتوقّع ألّا يوافق من الوهلة الأولى فبادرت تضيف بنبرةٍ بدت صريحة:

 

«ولأكون واضحة معك، المرأة التي أحببتها دائمًا لم أكن أنا، بل نجمة سينمائية جميلة… أنتما الحبّ الأوّل في حياة كلٍّ منكما… وإن طلّقتني الآن فستقبلك دون تردّد، أعدك لن تندم حين تستعيد ذكرياتك».

 

أنصت ظافر بهدوءٍ كامل بينما كانت هي تختلق تلك الحكايات كلمةً بعد أخرى لكنها لم تكن تعلم أنه خلال الأيام القليلة الماضية كانت ذاكرة ظافر قد استعادت معظم خيوطها وتجلّى له بوضوح السبب الذي قاده إلى الارتباط بدينا.

 

أولًا، لأنّه كان يعتقد أنّها أنقذت شادية.

 

وثانيًا، لأنّه شعر لا أكثر أنّ الوقت قد حان ليخوض تجربة عاطفية مع أحدٍ ما… لم تكن بينه وبين دينا مشاعر حقيقية قط، ولم تتجاوز علاقتهما حدّ الشكل؛ حتى إنّ أيديهما لم تتشابك يومًا غير أنّ سيرين لم تكن تعلم شيئًا من ذلك.

 

لحظتها أدرك ظافر أنّ اعترافه باستعادة معظم ذكرياته لن يزيد الأمر إلا تعقيدًا إذ سيدفع سيرين إلى الإصرار أكثر على الطلاق فقد شاهد تسجيل إجراءات طلاقهما في محاولتها السابقة الذي أعطاه إياه ماهر ورأى كيف اعترفت سيرين على الملأ بخيانتها الزوجية بل واتّخذت من ذلك وسيلة ضغط لإجباره على الانفصال… وحين طال صمت ظافر غيّرت سيرين أسلوبها وقالت:

 

«وإن كان لديك أيّ تردّد، فأنا مستعدّة للموافقة على نفقة شهرية قدرها مليون ومئتا ألف دولار… ما رأيك؟»

 

عندها تبدّل تعبير وجه ظافر على نحوٍ مفاجئ يردد خِفية:

 

نفقة؟ مليون ومئتا ألف دولار؟ ماذا تظنّني لأقبل بمثل هذا العرض؟ غير أنّ ذكر المال أيقظ في ذهنه خاطرًا مباغتًا فقال بهدوءٍ محسوب:

 

«يا سيرين، إن كان الطلاق سيمنحكِ السعادة فأنا أوافق عليه».

 

اتّسعت عينا سيرين دهشةً من سهولة تقبّله للأمر، وقالت:

 

«إذن، هل نذهب إلى المحكمة بعد رأس السنة لنُتمّ إجراءات الطلاق؟»

 

كانت عازمةً هذه المرّة على إنجاح الأمر لا سيّما بعد إخفاق المحاولة السابقة حين تدخّل أحد موظّفي المحكمة وأثار مسألة أربكت كلّ شيء.

 

توقّف ظافر لحظة ثم قال ببطءٍ ينطوي على مكرٍ مستتر:

 

«لكن هناك أمرًا واحدًا نسيتُ أن أُخبركِ به».

 

زاغت عينا سيرين محاولةً استشفاف ما يعنيه بحديثه، وقالت بدهشة:

 

«ما هو؟»

 

ابتسم ظافر ابتسامة خجولة مصطنعة، امتزجت ببراءة زائفة وخجل متقن، وقال:

 

«أخبرني ماهر أيضًا أن لديّ ديونًا متراكمة جميع أصولي حالياً مرهونة بها وفي حال الطلاق، سيتعيّن عليكِ أيضًا تقاسم نصف الدين».

 

صُدمت سيرين ولم تصدّق ما سمعت، فسألته متردّدة:

 

«كم تبلغ ديونك؟»

 

أدرك ظافر أنّ هذا الكشف المفاجئ قد يبدو مبالغًا فيه فاسترسل بنبرة متأنية:

 

«إنه مبلغ كبير… وإن أحببتِ معرفة الرقم تحديدًا يمكنني استدعاء ماهر ليخبرك».

 

ابتسمت سيرين في سرّها راغبةً في متابعة كذبه لترى كيف سيمضي فيه.


في وقت لاحق من ذلك الصباح حضر ماهر وهو يحمل أكوامًا من الوثائق بعناية ومن ثم قال وهو يضعها أمام سيرين:

 

«سيدتي نصران، أنا واثق أنّك تعلمين أنّني طُردت من مجموعة نصران منذ فترة وقد اطلعت مؤخرًا على المشاكل المالية للشركة… مشاركة جاسر ليست محدودة فالأمر ليس مجرد استبدال للسيد ظافر… انظري إلى هذه الوثائق—إنها اتفاقيات نقل ملكية وقعها نيابةً عن السيد ظافر… جميع أصوله نُقلت إلى اسم جاسر بما في ذلك أسهم شركة تايتان».

 

قدّم ماهر الوثائق إلى سيرين التي تفحّصتها بدقة.

بدت الأوراق شرعية وواضحة… ولأن شادية كانت على علم بنفور ظافر من استخدام هويته شرعت حينها في التنسيق مع جاسر لنقل أصول ظافر بهدف تسليم الشركة إلى جاسر بأسرع وقت ممكن.

 

لم يكن ظافر على علمٍ بما حدث حينها فلم يتسلم عقود النقل إلا في وقت لاحق وقد توسّلت إليه شادية أيضًا ألّا يكشف الأمر.

 

شرعت سيرين في فحص الاتفاقيات فوجدتها دقيقة ومقنعة.

 

وفي تلك اللحظة التفت ظافر إلى ماهر وقال بهدوء:

 

«أخبر سيرين بمقدار ديوني».

 

«ديون؟»

 

صُدم ماهر لوهلة فقد كانت مدخرات ظافر الشخصية تفوق بكثير قيمة شركة تايتان بأكملها.

 

تعليقات