رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثالث والسبعون
وأضاف ظافر وقد تسلّل القلق إليه خشية أن يكن ماهر قد عجز على أن يلتقط مقصده:
«لا أريد أن تظنّ سيرين أنّني أختلق هذا لأتهرّب من الطلاق».
فهم ماهر الأمر على الفور؛ إذ بدا واضحًا أنّ سيرين تعود للمطالبة بالطلاق وأنّ ظافر يستخدم كلّ ما في وسعه لدرئها.
أخرج ماهر حاسوبه اللوحي وشرع يجري بعض الحسابات، ثم قال:
«لم ينقل جاسر سوى أسهم وأصول السيد ظافر أمّا الديون فلم تُنقل ولم يتولَّ جاسر تسويتها… فقد كان السيد ظافر قد أصدر أوامر بعدّة عمليات استحواذ لا تزال مفاوضاتها جارية ويُقدَّر حجم الدين بما لا يقلّ عن مليار دولار».
ثم قدّم ماهر إلى سيرين مجموعةً من الوثائق تتضمّن تفصيلًا دقيقًا لتكاليف تلك المشاريع.
شعرت سيرين بإعياءٍ يثقل رأسها وهي تطالع تلك الأرقام الهائلة ودار في خاطرها سؤالٌ مُرهق:
كم مقطوعة موسيقية ستحتاج إلى تأليفها لسداد هذا المبلغ؟ والأهم من ذلك، لماذا ينبغي عليها أن تتحمّل عبئه؟ فهي لم تكن الطرف الذي راكم هذا الدين.
قال ظافر مطمئنًا:
«لا تقلقي يا سيرين، سأعمل بجدّ لسداده».
عملٌ جاد؟ تساءلت في نفسها بمرارة… فبوظيفته في المؤسسة الخيرية قد لا يكفيه العمر كلّه لتسديد هذا الدين!
هزّت سيرين رأسها بيأس، ثم قالت:
«على أيّ حال أتمنّى أن تُحلّ هذه المشكلة في أقرب وقت، حتى ولو اضطررتَ إلى الاتصال بشادية أو جاسر».
لم تكن شادية كسارة؛ فقد كانت سيرين تعرف جيّدًا مقدار لطف شادية مع ظافر ولن تتخلّى عنه بسهولة.
قال ظافر دون تردّد:
«حسنًا».
وبذلك، بدا وكأنّه قد تجاوز تلك العقبة مؤقّتًا.
كان زكريّا يُنصت خِلسةً إلى حديثهما وقد راوده ذهولٌ عميق؛ لم يستطع أن يُصدّق أنّ والده غير الشرعي قد أصبح بلا مال ومع ذلك تذكّر ذلك المبلغ الطائل الذي رآه ذات مرّة في حساب ظافر الخاص؛ أرقامٌ طويلة إلى حدّ أنّها انطبعت في ذاكرته بوضوحٍ لا يُمحى.
انسحب زكريّا على الفور إلى غرفته وقد عقد العزم على التحقّق بنفسه ورغم أنّه لم يكن يصدّق أنّ أموال ظافر قد نفدت حقًّا إلّا أنّه فوجئ بأنّ الحساب كان خاليًا تمامًا حين اطّلع عليه الآن فتمتم بمرارة:
«هل فقد أبي اللعين ذاكرته… وأصابه الحمق معها؟»
لم يستطع زكريّا أن يمنع القلق من التسرّب إلى قلبه، قلقًا على نفسه وعلى سيرين معًا.
أوّلًا، خشي أن يرث مصيرًا مشابهًا لظافر إن تعرّض يومًا لحادثٍ مماثل.
وثانيًا، خاف أن تكون سيرين هي من ستدفع الثمن في النهاية.
………..
في ذلك المساء وبينما كانت سيرين وغريس منشغلتان بالتحضير للجديد في مأدبة الغداء السنوية اقترب زكريّا من ظافر وقد عقد العزم على مواجهةٍ مباشرة بين رجلين.
قال بنبرةٍ محسوبة:
«سيد ظافر وفقًا للقانون إذا لم تكن الزوجة على علم بالديون فهي غير مُلزمة بسدادها».
كان ظافر يدرك أنّ زكريّا كان يتنصّت فأجابه بدهاءٍ هادئ:
«صحيح، يبدو أنّك ملمّ بالقانون… لكن هل تعلم كم تستغرق الدعوى القضائية؟ وهل تدرك مدى قسوة شركات التأمين؟ إنهم لا يختلفون كثيرًا عن هواة جمع المقتنيات».
انعقد حاجبا زكريّا في عبوسٍ واضح فبدا في تلك اللحظة نسخةً مصغّرة من ظافر نفسه غير أنّ الأخير ـ ويا للمفارقة ـ لم يكن قادرًا على رؤية هذا الشبه الآن.
قال زكريّا بثبات:
«أمّي ليست امرأةً ضعيفة كما تظن، وأنا و(دادكارم) سنكون درعها الحامي».
غير أنّ ما التقطه سمع ظافر لم يكن سوى كلمة واحدة: «دادكارم»… لقب غريب، طارئ، لم يألفه من قبل.
تظاهر ظافر بأنه لم يُعر الأمر اهتمامًا يُذكر بل مال بظهره إلى الكرسي في هدوءٍ متعمّد وفتح حاسوبه المحمول ببطء ثم شرع يردد بصوتٍ مسموع سلسلةً طويلة من الرسائل جميعها تنتهي بالاسم ذاته: «دادكارم».
في تلك اللحظة نهض زكريّا فجأة إذ كان ذلك الاسم الذي زل به لسانه هو اللقب المستعار ذاته الذي يستخدمه في عالم القرصنة.
قال بدهشةٍ حادّة:
«كيف عرفت؟»
أجاب ظافر ببرودٍ لافت:
«وأعلم أيضًا أنك حوّلت سرًّا سبعة ملياراتٍ وتسعمئة مليون دولار من حسابي».
ارتسمت على وجه زكريّا ملامح انتباهٍ مشوبٍ بالتحدّي، وقال:
«هل استعادت ذاكرتك إذن؟»
كان واضحًا أن زكريا قد وجد أخيرًا موضع القوّة الذي يبحث عنه.
هزّ ظافر رأسه في هدوءٍ متماسك، وقال:
«ماهر هو من أخبرني بذلك… ولستُ في حاجةٍ إلى استعادة ذاكرتي لأدرك مثل هذه الأمور… لكن أخبرني ماذا تظنّ أن سيرين ستفعل لو علمت بما اقترفت؟ ومن تظنّ أن الشرطة ستلقي القبض عليه إذا أُبلغت بالقضية؟»
ارتجف زكريّا دهشةً من قسوة التهديد الصادر عن رجلٍ ناضج فقبض على يديه الصغيرتين في انفعال، وقال محتجًّا:
«لن يصدّق أحد أن طفلًا يستطيع سرقة هذا المبلغ من رجل أعمال».
ابتسم ظافر ابتسامةً ساخرة، وأجاب ببرود:
«صحيح، ولهذا سيبحثون عن وليّ أمر الطفل وأتساءل: هل والدك، دادكارم، مستعدٌّ لدخول السجن من أجلك؟»
رمقه زكريّا بنظرةٍ مشتعلة بالغضب… يتمنّى لو يهوي بقبضته على وجهه، غير أنّ وازعاً غامضًا أوقفه فاندفعت من شفتيه فجأةً كلمات سؤال:
«وهل أنت ستكون مستعدًّا لدخول السجن من أجل ابنك إن أخطأ؟»
