رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والسبعون 374 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والسبعون 


بدا الارتباك على وجه ظافر لوهلة، ثم ما لبث أن قال بنبرة محسوبة:

 

«الأمر مرهون بطبيعة الخطأ؛ أمّا خطأ كهذا فلن أسمح لابني أن يذوق طعم السجن».

 

وكيف يُسجَن ابنه، وهو يملك من المال ما يكفي لإخماد مثل هذه العواصف قبل أن تتفاقم؟

 

غير أنّ زكريّا تلقّى الكلام على نحوٍ مغاير، ففهم منه أن ظافر مستعدٌّ لأن يضع نفسه موضع العقاب دفاعًا عن ابنه فتسلّل إلى صدره إحساسٌ غريب، دافئ ومربك في آنٍ واحد.

 

في تلك اللحظة دوّى صوت سيرين وهي تناديهما إلى العشاء فانقطع الحوار بينهما وغادرا الغرفة معًا وحين رأتهما سيرين يخرجان في هدوءٍ متآلف لم تستطع أن تتجاهل تلك الحقيقة الواضحة:

 

كان زكريّا، في ملامحه وحركاته صورةً مصغّرة من ظافر.

 

كما تذكّرت سيرين كيف وافق زكريّا — الذي لم يكن يومًا ميّالًا إلى مشاركة فراشه مع أحد — على النوم إلى جوار ظافر… عندها اضطرب قلبها فجأة وتساءلت في سرّها:

 

أكان ينبغي لها أن تصارح ظافر بالحقيقة بشأن الأطفال؟ ففي نهاية المطاف هما أبٌ وابنه؛ ولعلّ زكريّا كان في حاجةٍ إلى أب حتى لو لم يفصح عن ذلك قط حرصًا منه على طمأنة سيرين وعدم إثقال قلبها.

 

بعد العشاء وردتها مكالمة عاجلة من سينثيا:

 

«سيدتي، اسرعي، افتحي البث المباشر… سارة ترقص».

 

هرعت سيرين إلى غرفتها وفتحت حاسوبها المحمول وما إن ظهر البث حتى رأت سارة مرتدية زيًّا راقصًا غير أنّ الأضواء والحركات لم تستطع أن تخفي جحوظ وترهلات بطنها ولا آثار الزمن التي راحت تشقّ طريقها إلى ملامحها.

 

في ريعان شبابها كانت سارة محطَّ إعجاب الآلاف تتمايل على خشبة المسرح فتخطف الأنظار بحركاتها أمّا الآن فقد كشف البثّ المباشر مشهدًا شاحبًا؛ رجالًا مسنّين يصفّقون ويهتفون وقِلّة من الشباب يرمقونها بسخرية يعيبون سعيها لجذب الانتباه ويتّهمونها بعدم التصرّف بما يليق بسنّها.

 

ورغم أنّ سيرين تابعت ذلك المشهد الذي لا يخلو من مفارقة مؤلمة، إلا أن سنوات الاستياء والظلم المتراكم في صدرها لم تهدأ ولم يخفّ ثقلها… ففي نهاية الأمر كانت سارة تفعل كلّ ذلك من أجل زوي، تلك التي لم تكن ابنتها أصلًا.

 

قالت سينثيا بأسى ممزوج بالتعجّب:

 

«يا للخسارة… كانت راقصة مشهورة وها هي اليوم ترقص في بثّ مباشر ولا أحد يمتدحها، ومع ذلك تبذل أقصى ما لديها من أجل ابنتها». ثم توقّفت لحظة قبل أن تسأل:

 

«سيدتي، هل أساءت إليكِ بشيء؟»

 

لم تكن سيرين على يقينٍ بأنّ سارة ستتعرّض لهذا القدر من الإذلال والانتقاد بسبب رقصةٍ أمام عدسة كاميرا.

 

لم تجد سيرين مهربًا من الحقيقة، فأجابت بصوت خافت:

 

«إنها أمّي البيولوجية».

 

أصاب الذهول سينثيا؛ إذ لم تكن تعلم سوى أنّ فاطمة هي والدة سيرين بالتبنّي… ووفقًا لما روته لها فاطمة فقد عاشت سيرين حياة شاقّة، غير أنّ سينثيا لم تتخيّل يومًا أنّ أمّها البيولوجية كانت راقصة ذائعة الصيت.

 

في تلك الحقبة كانت سارة في أوج شبابها ولم تكن ترزح تحت ضائقة مالية… فما الذي دفعها إذن إلى أن تعهد بتربية ابنتها إلى غيرها؟

 

قالت سينثيا بنبرةٍ لا تخلو من اعتراض:

 

«يا سيدتي، إنها منحازة لزوي انحيازًا فاضحًا، أليس كذلك؟ خمس سنوات قضيتها إلى جوارك ولم أرها تتصل بكِ مرة واحدة… ولو علمت أن المقطوعة الموسيقية التي تتوق إليها من تأليف ابنتها لعضّت أصابع الندم».

 

ابتسمت سيرين ابتسامة هادئة متواضعة، وقالت:

 

«لا، لن تندم… وعلى أي حال دعينا نطوي هذا الحديث… يمكنكِ توقيع العقد معها».

 

كانت سيرين على يقينٍ أنّ سارة لو اكتشفت أنّها صاحبة اللحن لما كان ردّها سوى السخرية فهكذا جرت الأمور دائمًا؛ مهما بلغ إبداع سيرين كان نصيبها الإهمال والاستهانة.

 

حدّقت سيرين في البثّ المباشر حيث ترقص أمّها التي اشتاقت إليها طويلًا وشعرت فجأة أنّ المشهد بأسره بلا معنى فأغلقت البثّ من دون تردّد كمن يطوي صفحةً لم تعد تحتمل القراءة.

………..

وفي الوقت نفسه وبعد أن أنهت سارة البثّ شعرت باضطرابٍ خفيف عند اطلاعها على التعليقات المتناثرة ومع ذلك لم تفقد ابتسامتها بل وأرادت إخبار زوي بالحقوق الحصرية التي حصلت عليها.


كانت زوي تتحرك برشاقة داخل الاستوديو وكأنها نسخة مصغّرة من سارة في شبابها فاقتربت سارة منها قائلة:

 

«زوي، لقد حصلتِ على الحقوق الحصرية لكِ.»

 

تغيّرت ملامح زوي فور رؤيتها لسارة تقترب، فألقت عليها هاتفها بطريقة مهينة، ذلك الذي يعرض الفيديو خاصتها قائلة:

 

«ألا تعرفين كم عمرك؟ ربما لا تمانعين القيام بشيء كهذا أمام العامة لكنني أرفض ذلك فالجميع يعلم أنك زوجة أبي الجديدة… أتعلمين؟ أمي لم تُحرجني يومًا، أما أنتِ…»

 

كانت تشير هنا إلى جيما أمّها.

 

بعد سماع هذه الكلمات قررت سارة أخيرًا أن تخبر زوي بالحقيقة.

 
تعليقات