رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والسبعون 376 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والسبعون 


قد خرج ظافر في ظهر ذلك اليوم لإنجاز مهمة عاجلة… بينما نظرت سيرين إلى شادية المتغطرسة الجالسة على الأريكة في غرفة المعيشة، ولم تستطع كبح ضحكتها الساخرة حين سمعت نبرة صوتها المتعالي تقول بتهكم:

 

“أنتِ من تركتِ ظافر هنا… ما حقكِ في انتقاد طريقة رعايتي له؟ لم أتركه يتضور جوعًا أو يتجمد من البرد، لقد أديتُ واجباتي الزوجية على أكمل وجه.”

 

تفاجأت شادية برد سيرين فصمتت للحظة ثم نهضت ونظرت حولها بتوجس:

 

“أين ظافر؟ أنا هنا لأخذه إلى المنزل.”

 

والآن بعد أن فرض جاسر السيطرة الكاملة على الشركة وتم نقل جميع الأسهم والأصول باسمه لم تعد شادية قلقة بشأن أي تهديد لإرث ظافر لذا حان الوقت لإعادة ظافر إلى مكانه بأمان.

 

«لن أعود.»

انطلق الصوت من جهة المدخل حاسمًا كضربة قاضية.

 

وقف ظافر عند العتبة مرتديًا معطفًا أسود فيما كانت عيناه المعتمتان جامدتين كقطعتين من حجرٍ مصقول لا تعكسان سوى جُرحٍ ثقيل.

 

ارتجفت شادية حين وقع بصرها عليه؛ ذلك الابن الذي طالما تباهت بتميّزه تقف أمامه الآن صورة أخرى منه، مطفأة، مسلوبة النور… وحين رأته يتقدم بخطوات متثاقلة أسرعت لتسنده غير أنه دفع يدها بعيدًا فبقيت يداها معلّقتين في الفراغ، وفي صدرها انغرز وجع حاد كشوكة مباغتة.

 

قالت شادية بصوت حاولت أن تُلبسه ثوب العقل:

 

«ظافر، أأنت ما زلت غاضبًا مني؟ لقد فعلتُ كل هذا من أجل العائلة… والدك لا يهتم بشيء. لو كنت قد تنحّيتُ جانبًا لضاع الإرث الذي بنيته بيديك… كان من الأفضل أن يُسلَّم إلى جاسر وسأحرص على أن يعيده إليك متى تحسّنت صحتك.»

 

كانت شادية تدرك حقيقة حالته؛ تعلم أن ذاكرته قد تستعيد شيئًا من تماسكها، أما بصره فلن يعود أبدًا إذ أجمع الأطباء على أن الضرر الذي أصاب أعصابه البصرية إثر الحادث حكمٌ نهائي، وأن ظافر سيقضي ما تبقى من عمره في ظلام لا فجر له.

 

لم تُجدِ كلماتها المنمّقة نفعًا؛ إذ لم يتردد ظافر بل قال بصوتٍ ثابت يحمل وعيدًا مكتومًا:

 

«قولي هذا لجاسر حين تعودين إلى المنزل. دعيه ينتظر… فلن أتركه يفلت من الحساب.»

 

كانت ذكريات طفولته قد عادت كاملة كأن ستارًا أُزيح عن ماضٍ طال تجاهله وتبيّن له أن جاسر لم يكن قطّ ذلك الشخص الوديع الذي اعتاد أن يبدو عليه.

 

وفجأة دوّى صوت الصفعة على وجهه… ضربته شادية بكل ما فيها من غضبٍ وخوفٍ دفين.

 

بينما وقفت سيرين على مقربة عاجزة عن التصديق، تحدّق فيما يحدث وكأنها تشهده لأول مرة… تلك سابقة لم تعهدها من قبل؛ شادية ترفع يدها على ظافر… وحين أنزلت يدها راحت ترتجف لا من الندم بل من شدّة الانفعال ومن ثم قالت بعصبيةٍ لاذعة:

 

«جاسر أخوك كان يصغي إليّ أكثر مما فعلتَ يومًا… لم يكن يرفض لي طلبًا قط… ولو لم يكن مريضًا لكان هو الرئيس التنفيذي لمجموعة نصران منذ البداية… لقد قال مرارًا إنه لم يرغب يومًا في أن يحلّ محلّك… كل ما فعله كان من أجل العائلة… كيف لك أن تكون بهذا القدر من الأنانية وضيق الأفق؟»

 

وبّخت شادية ظافر بعنف وكأن جملةً واحدة قالها كانت كافية لتفجّر كل ما كتمته في صدرها.

 

بينما كانت سيرين تُصغي في صمت فإذا بذاكرة قديمة انفتحت فجأة داخلها… تذكّرت تامر، وتذكّرت كيف كانت سارة، مهما تغيّرت الظروف فسارة تقف دائمًا في صفّ أخيها، لا ترى سواه، ولا تسمع غير صوته.

 

ولربما لم تكن سيرين تريد لأحدٍ أن يتجرّع مرارة الظلم كما تجرّعتها هي يومًا أو ربما كان الصمت في هذه اللحظة تحديدًا، خيانة لا تُغتفر لذا تقدّمت خطوة واحدة ووقفت أمام ظافر، جسدها حاجزًا صامتًا بينه وبين شادية التي لم تكفّ عن توبيخه ثم انفجر صوتها حادًّا، موجوعًا، لا يشبهها:

 

«أما اكتفيتِ؟! ظافر هو الشخص الذي تم استبداله… هو الذي كان من المفترض أن يبقى الرئيس التنفيذي لتايتان لكنكِ ما إن فقد بصره حتى تخلّيتِ عنه، تركتِه هنا ورحلتِ ليعيش كإنسانٍ عادي، بلا سلطة، بلا حماية، بلا سند… ومع ذلك تقفين الآن لتصوّريه على أنه الشرير؟!»


كانت كلماتها مشحونة بوجعٍ قديم لا يخصّ ظافر وحده، بل كل من عُوقِب لأنه ضعف، وكل من أُقصي لأنه لم يعد نافعًا.

 

توقّفت سيرين لحظة تلهث وكأن الكلمات انتُزعت من صدرها انتزاعًا ثم رفعت رأسها وأضافت بصوتٍ لا يزال يرتجف من شدّة الاحتقان:

 

«السبب الوحيد الذي يجعلكِ تصفين جاسر بـ *الابن الصالح*، أنه يطيعكِ بلا نقاش، أليس كذلك؟ لكن ماذا لو كفّ عن تنفيذ أوامركِ؟ هل سيتحوّل فجأة إلى شخصٍ سيّئ؟»

 

تقدّمت خطوة أخرى، عصبيّة، مشحونة بالغضب وقالت بحدّة لا تعرف المواربة:

 

«هل يُقاس الخير والشر عندكِ بمدى انصياع الناس لكِ يا سيّدة شادية؟ في الحقيقة… الأنانيّة هنا ليست فيهم بل فيكِ أنتِ.»

 

تجمّدت شادية في مكانها، مذهولة، وقد عجز لسانها عن الرد فلطالما أقنعت نفسها بأنها قدّمت الكثير من أجل ظافر وأنها ضحّت بما يكفي، لكنها وللمرّة الأولى أدركت أن ما لم تفعله قط هو أن تراه… أن تفكّر فيه حقًّا… زاوية النظر وحدها كانت كفيلة بفضح كل شيء.

 

أما ظافر فلم يكن يتوقّع دفاع سيرين عنه، لا بهذه القوّة ولا بهذا الصدق… وفي تلك اللحظة تحديدًا شعر وكأن السواد الذي خنق قلبه طويلاً قد انقشع فجأة فتراقص خافقه فرحًا كفراشة أُفلتت من قفصٍ ظلّ مغلقًا أكثر مما يحتمل.

 
تعليقات