رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والسبعون 377 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والسبعون 


قبضت شادية على يديها بعنادٍ واضح كمن تحاول أن تمنع الحقيقة من الإفلات من بين أصابعها ثم قالت لسيرين بصوتٍ خافت متهدّج لكنه محمّل بالإنكار:

 

«لو أنكِ أنجبتِ طفلًا لظافر خلال سنوات زواجكما الطويلة لما اضطُررتُ إلى القلق والبحث عن شخصٍ آخر ليحلّ محلّه… كان من السخف أن يبقى وريث شركة عائلية بلا ابن… وليس من حقكِ أن تلقِي عليّ درسًا في الأمومة… فلا يوجد أب أو أم لا يشعران بالذنب تجاه أبنائهما.»

 

وبعد أن ألقت شادية كلماتها كحجارةٍ باردة استدارت وغادرت تاركة خلفها صمتًا أثقل من الجدال.

 

وقفت سيرين في مكانها ساكنة، يتسرّب إلى صدرها حزنٌ خفيف لا تعرف له اسمًا… تذكّرت سارة وكيف لم تهتمّ بها يومًا وربما لهذا السبب تحديدًا بادرت بالدفاع عنه وكأنها كانت تدافع عن نفسها أيضًا.

 

وبينما كانت غارقة في شرودها شعرت بيدٍ تُمسك بخاصتها من الخلف.

«شكرًا لكِ، سيرين.»

كان صوت ظافر دافئًا صادقًا على نحوٍ أربكها وبدا أسعد مما رأته يومًا.

 

ما إن لامس كفّها حتى استفاقت فجأة فسحبت يدها بسرعة وقالت ببرودٍ متعمّد:

 

«لا داعي للشكر… لقد تصرّفتُ باندفاع فقط لأنني ظننتك… مثيرًا للشفقة لا أكثر.»

 

ثم استدارت ومضت مباشرة نحو غرفة فاطمة يتبعها قلقٌ خفيّ عمّا إذا كانت الضجّة في الأسفل قد أقلقتها… ولحسن الحظ كان زكريّا قد خرج منذ وقتٍ سابق للتسوّق مع رامي، ولم يشهد حضور شادية ولا ذلك الصدام الذي ترك في البيت ندبةً صامتة.

 

في تلك الأثناء كانت شادية تشقّ طريق عودتها مثقلةً بضيقٍ خانق… لم تستوعب بعد كيف تجرأت سيرين على توبيخها بتلك الحِدّة وكأنها نسيت أنها ما تزال حماتها، وأن هذا المقام ـ في نظر شادية ـ يمنحها حصانة لا تُمس.

 

ضغطت شادية على أنفها بامتعاض ثم أمرت السائق أن يُسرع لكن الطريق كان عالقًا في قلب المقاطعة والازدحام يطبق على السيارات كقبضةٍ لا ترحم، فلا سرعة تُجدي ولا أوامر تُطاع.

 

بنفاد صبر أنزلت زجاج النافذة تستنشق هواءً مثقلاً بالضجيج فإذا بعينيها تلتقطان جسدًا صغيرًا مألوف الملامح.

 

تجمّدت نظراتها للحظة ثم تمتمت بدهشة حادة:

 

«زاك؟ ماذا يفعل هنا أيضًا؟»

 

على الفور أمرت شادية السائق بالتوقف ونزلت من السيارة بخطوات متعجلة ثم اندفعت نحوه… صحيح أنها انشغلت في الآونة الأخيرة لكن ذلك لم يمنعها يومًا من التنقيب في ماضي هذا الطفل كأن ظله بات يطارد شكوكها أينما ذهبت.

 

في البداية كانت تظن أن ليونارد هو والده… غير أنها حين واجهت ليوناردو على انفراد سقط هذا الاحتمال سريعًا كقناعٍ هشّ لم يصمد أمام السؤال.

 

لكنها لم تكتفِ بذلك؛ بل أوكلت المهمة إلى آخرين لتكتشف لاحقًا أن كوثر خلال إقامتها في الخارج لم تكن على علاقة عاطفية من الأساس… بل كان محيطها الاجتماعي هادئًا بلا فضائح، بلا أسرار، ولم تُنجب طفلًا قط.

 

وحين تيقّنت أن زكريّا ليس ابن كوثر بأي حال أصدرت تعليماتها بمواصلة البحث عن والدته البيولوجية وقد استقرت في صدرها فكرة لم تعد قادرة على تجاهلها… كانت تنظر إلى ملامحه، إلى نظراته، إلى ذلك الشبه الصارخ الذي لا تخطئه العين…

 

وشيئًا فشيئًا بدأ الاحتمال يتمدد في رأسها كخيطٍ مظلم:

 

ماذا لو كان هذا الطفل… ابن ظافر؟

ابنه الذي لم يُعلن عنه قط.

 

ركضت شادية لمسافةٍ غير قصيرة تحدّق في الوجوه بعينٍ قلقة غير أنّ زكريّا لم يظهر له أثر فتسلّل الشك إلى قلبها وأقنعت نفسها بأنها قد توهمت فلم تجد بُدًّا من العودة إلى سيارتها وقد أثقلها الخذلان.

 

في الجهة المقابلة كان زكريّا يلتقط أنفاسه في مكانٍ قريب وقد خفّ التوتر عن صدره شيئًا فشيئًا في مخبئه… لم يفهم سبب وجود شادية هناك لكن حدسه أخبره بأن الأمر لا يبشّر بخير.

 

قال على عجل وهو يقترب من مرافقه ونبرة القلق واضحة في صوته:

 

«هيا بنا نعود فورًا يا سيّد رامي».

كان زكريا واثقًا أن شادية قد حضرت لتُثير المتاعب مع ظافر وسيرين ما إن لمحها.

 

أجابه رامي دون تردّد:

وحين تأكّد زكريّا أن أفراد عائلته ما زالوا في المنزل شعر أخيرًا براحةٍ تسللت إلى قلبه كمن نجا من خطرٍ كان يحدق به.

 

اتجه زكريا إلى غرفة فاطمة بعد أن سأل هانا عمّا جرى فعلم أن شادية حضرت لتصطحب ظافر إلى المنزل لكنه رفض المغادرة رفضًا قاطعًا وكأن قراره كان حصنًا لا يُخترق.

 

عندما انتبهت سيرين إلى عودة زكريّا، انسابت أفكارها تلقائيًا إلى نوح الذي يتلقّى علاجه وحيدًا في المستشفى… ومع اقتراب العام الجديد شعرت أن بقاءه هناك لم يعد أمرًا مُحتملًا وأن الوحدة لا تليق ببداياتٍ يُفترض أن تكون أكثر دفئًا.

 

طرقت سيرين باب غرفة نوم ظافر بخفّة ثم ولجت إلى الداخل بخطواتٍ مترددة… توقفت لحظة كأنها تُرتّب أفكارها قبل أن تقول بنبرةٍ هادئة تخفي وراءها حزمًا واضحًا:

 

«هناك أمرٌ عليّ أن أخبرك به… لعلّ ماهر قد أشار إليك من قبل أن لي ابنًا آخر… اسمه نوح… سأُعيده إلى المنزل الليلة»… ثم أضافت بنبرةٍ حاسمة:

 

«أرجو ألا تتفوّه بأي حديثٍ غير لائق، فهو ليس على ما يرام».

 

لم تكن تستأذنه بقدر ما كانت تُحيطه علمًا بقرارٍ اتخذته سلفًا وما إن أنهت حديثها حتى غادرت المكان متجهةً إلى المستشفى لتصطحب نوح معها.

 

كان نوح مختلفًا تمامًا عن زكريّا؛ طفلًا أقرب إلى البساطة والبراءة، عاديّ الملامح والتصرّفات، لا يحمل في عينيه ذلك العمق المربك… ولأنه لم يتجاوز الرابعة من عمره رأت أن كذبةً صغيرة لن تُربكه وسيأخذها كما هي.

 

عندما وصلت سيرين إلى المشفى انحنت إليه وقالت بصوتٍ حنون:

 

«نوح، السيّد ظافر يقيم معنا الآن… حالته صعبة، لا يستطيع الرؤية، وهو مريض… ولا أحد يهتم به».

 

هزّ نوح رأسه بتفهّم ثم قال ببراءةٍ زائفة يجاريها:

 

«أفهم يا أمي… لا بدّ أنه يتيم، أليس كذلك؟»

 
تعليقات