رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والسبعون
استبدّ الذهول بسيرين؛ فظافر تحيط به عائلة ممتدّة، أسماء ووجوه تتكاثر حتى يعسر حصرها فكيف يمكن أن يكون يتيمًا؟ كان ذلك مستحيلاً ومع ذلك انساقت مع براءة نوح وباركت كذبةً لم ترتح لها.
قالت سيرين بصوتٍ لينٍ:
«نعم، هذا صحيح… ولهذا يبدو مثيرًا للشفقة لذا لا خيار لديّ سوى إبقائه معنا في الوقت الراهن… ثم إنه رجل غريب الأطوار، يتفوّه بأحاديث عجيبة طوال الوقت فلا تُصدّق ما يقوله، اتفقنا؟»
كان نوح بارعًا في التظاهر بالفهم؛ أومأ برأسه بثقةٍ صغيرة لا تشبه سنّه وقال:
«حسنًا يا أمي لا تقلقي… لن أُصدّق شيئًا مما يقوله».
حين التقت بعينيه البريئتين انقبض قلبها بوخزٍ مؤلم وهي تشعر بالذنب إذ فكّرت أنّ الكذب عليه قسوة لا يستحقّها غير أنّ الخيارات كانت تضيق من حولها حتى لم تترك لها مخرجًا.
ووفق ما تعرفه كان نوح طفلًا طبيعيًّا بسيط التكوين مثلها أمّا زكريّا فكان نسخةً أخرى من ظافر في حدّة الذاكرة ولمعان الذكاء حتى إن حضوره كان أحيانًا يربك الكبار ويضعهم في موضع حرج لذا اعتقدت أن زكريّا وحده مَن يدرك حقيقة أنّ ظافر هو والده وأن نوح لا يعلم شيئًا بعد لذا آثرت الصمت وقرّرت أن تؤجّل الحقيقة إلى زمنٍ يكبر فيه قلبه بما يكفي لاحتوائها.
عادت سيرين بصحبة نوح مباشرة إلى المنزل وما إن وطئت قدماه العتبة حتى اندفع يستقبل الجميع بحماسةٍ صافية فانتقلت عدوى فرحته إلى أرجاء البيت وارتسمت الابتسامات على الوجوه دون استثناء.
وحين لمح نوح ظافر تقدّم نحوه بأدبٍ طفوليٍّ محبّب وقال بصوتٍ دافئ:
«مرحبًا يا سيدي، لم أرك منذ زمن طويل… لقد اشتقتُ إليك كثيرًا!»
لولا أن ظافر كان قد استعاد جزءًا من ذاكرته لانطلت عليه براءة ذلك الاستقبال فابتسم وسأله في هدوءٍ مشوبٍ بالاختبار:
«وكم اشتقتَ إليّ؟»
تجمّد نوح لحظةً وكأنه يبحث عن التعبير الأنسب، ثم انفجر بصدقٍ زائف:
«كثيرًا! اشتقتُ إليك لدرجة أنني كنت أفكّر بك حتى وأنا ذاهب إلى المرحاض!»
في تلك اللحظة قفز إلى ذهن ظافر مشهدٌ قديم حين تبول نوح عليه ذات مرة فارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ غامضة.
أما سيرين التي كانت على وشك الانتهاء من إعداد مائدة الطعام قد التقط سمعها تلك العبارة فتوقفت يدها في الهواء وشعرت بأن في كلمات نوح شيئًا مريبًا لا يبعث على الاطمئنان.
في تلك الأثناء توقّف زكريّا عن الطَرق على لوحة المفاتيح فجأة وكأن فكرةً باغتته في منتصف السطر إذ أدرك للمرة الأولى بوضوح أنه إلى جانب فاطمة ثمة شخصٌ آخر قادر على مجابهة ظافر… طفل صغير، لكن بعقلٍ لماح ولسانٍ لا يخلو من الدهاء وقد أدهشه ذكاء نوح وسرعة بديهته في إطلاق ذلك التعليق المربك ببراءةٍ متقنة.
قُطع الصمت بصوت سيرين حاسم:
«يكفي هذا… حان وقت الطعام… اذهب واغسل يديك الآن.»
«حسنًا!» كان نوح أول من أجاب كعادته، قبل أن يلتفت إلى ظافر بعينين تلمعان بالمكر الطفولي.
«سيدي، هل ترغب أن أغسل يديك؟ أستطيع تنظيفهما جيدًا.»
جاء ردّ ظافر مقتضبًا، لا يحتمل زيادة:
«لا.»
ابتسم نوح ابتسامةً جانبية وقال بنبرةٍ تحمل شفقةً مصطنعة:
«لا داعي للخجل… أعلم أن والديك قد تخلّيا عنك… لا بدّ أن أحدًا لم يعلّمك من قبل كيف تغسل يديك… يمكنني أن أعلّمك إن أحببت.»
سرت في الجوّ رجّة خفيّة كأن الكلمات الصغيرة أصابت هدفها بدقّةٍ لا تخلو من القسوة.
ما إن بلغ كلام نوح أذني ظافر حتى تبدّل وجهه تبدّلًا طفيفًا كأن ظلًّا مرّ سريعًا على ملامحه… ومن جانبها شدّدت سيرين نبرتها وألقت بكلماتها نحوه كتلميحٍ صريح بأن يساير الموقف ولا يفسده فلم يجد ظافر بدًّا من الرضوخ فاحتفظ بعبوسه الصامت بينما تولّى نوح ـ بكل جدّية طفلٍ وفضوله ـ مهمة تعليمه كيف يغسل يديه.
وحين وقعت عينا نوح على الندوب المتناثرة على يدي ظافر النحيلتين أثناء فركه لكفيه توقّف نوح للحظة عن متابعة ما يفعله وقد ارتسمت على وجهه دهشة بريئة… كان يعرف أن ظافر نشأ في كنف حياة مرفهة لذلك لم يستوعب سرّ تلك العلامات القاسية.
قال نوح بصوتٍ خافت يحمل تعاطفًا صادقًا أربكه هو شخصياً:
«سيدي… لا بدّ أنك عانيت كثيرًا، أليس كذلك؟ يداك مليئتان بالندوب.»
ما إن بلغ مسامع سيرين ذلك حتى انساقت نظرتها إليهما دون وعي وكأن شيئًا خفيًا شدّها شدًّا… عندها فقط تنبّهت إلى أن يدي ظافر اللتين طالما رأتهما جميلتين ناعمتين كانتا مغطّاتين بجروحٍ متناثرة فعادت بذاكرتها إلى الماضي حين كانتا خاليتين من أي عيب صافيتين كصفحة لم تمسّها القسوة.
بينما قال ظافر ببرودٍ متعمّد وكأنه يقطع خيط الذكريات:
«جرحتُ نفسي عرضًا بالزجاج من قبل.»
لم يُفصح ظافر لنوح عن الحقيقة؛ عن تلك اللحظة التي كانت فيها سيرين محاصرة داخل السيارة بعد أن تسبّب نادر في الحادث حين لكم الزجاج بقبضته حتى تحطّم، وجرح يديه وهو يخرجها من بين الحطام.
تمتم نوح بأسفٍ:
«يا له من أمرٍ مثير للشفقة.»
ثم ربت على صدره بثقة طفلٍ يرى العالم بمنطق بسيط وأضاف بلهجة تجمع بين الجدّ والمكر:
«لا تقلق، أنا وأمي طيّبا القلب… عندما تكبر وتعجز عن إعالة نفسك سنتكفّل بإرسالك إلى دار رعاية للمسنّين… فقط تأكّد أنك تجمع ما يكفي من المال لتعيش فيها بسلام.»
