رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والسبعون 379 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والسبعون 

بعد أن فرغا من غسل أيديهما تصنّع نوح لطفًا مبالغًا فيه وهو يُمسك بيد ظافر ويقوده إلى طاولة الطعام.

 

كان الضيق بادياً على ملامح ظافر غير أن نوح لم يفوّت الفرصة فاستأنف أسئلته بنبرة وديعة تخفي وراءها فضولًا لاذعًا:

 

«يا سيدي، والآن بعد أن فقدت بصرك، هل تتعثر كثيرًا؟»

 

أجاب ظافر بإيجاز:

 

«لا.»

 

لم يقتنع نوح فزاد تمثيله للبراءة وقال:

 

«لكن… أليست العتمة تحيط بك تمامًا؟»

 

عجز ظافر عن الرد للحظة، ثم قال بصبرٍ متماسك:

 

«لقد حفظت الطرق عن ظهر قلب، ولهذا لا أسقط بسهولة.»

 

أومأ نوح قائلاً:

 

«أفهم الآن.»

 

تدخّلت سيرين بحزمٍ هادئ:

 

«كفى هذا… فلنبدأ بتناول الطعام ويمكننا الحديث لاحقًا.»

 

هكذا كان نوح دائمًا؛ لسانه لا يهدأ، وأسئلته تسبق عمره بخطوات حتى وإن غفلت سيرين عن ذلك.

 

عندما جلسوا حول المائدة لمح نوح طبق الجزر على الفور… كاد يلتقطه ليأكله لكنه تذكر أن زكريا يكرهه… وبما أن نوح كان نسخة مصغرة من سيرين افترض أن زكريا يشبه ظافر في بعض طباعه.

 

ابتسم نوح وملأ طبق ظافر ببعض الجزر قائلاً:

 

“يا أستاذ، يجب أن تأكل المزيد من الجزر، أخبرني معلمي أنه مفيدة للعيون.”

 

تجمد زكريا للحظة متفاجئًا من جرأة نوح في مضايقة ظافر كلما سنحت له الفرصة… ولم يفوّت هو الفرصة أيضًا فأضاف لمسة من السخرية يزيد الطين بِلة قائلاً:

 

“يا نوح، إنه أعمى بالفعل!”

 

تظاهر نوح بالدهشة وقال بدهاء:

 

“ماذا؟ ألا يُجدي الجزر نفعًا مع المكفوفين؟”

 

ظل الطفلان يناديان ظافر بلقب “الأعمى”، تمامًا كما كان يُنادى على سيرين بـ”الصمّاء” أمامه سابقًا ولم يكن يحرك ساكناً… لكن سيرين تدخلت بحزم، قاطعة اللعب:

 

“يا نوح، لا يجب أن نقول ذلك، إنه أمر غير لائق.”

 

ففي النهاية ظافر هو والدهما ومن المفترض أن يحظى بالاحترام.

 

عندما لاحظ نوح أن سيرين بدأت تفقد أعصابها أسرع في تناول طعامه وكأنه يريد أن يغطي على ابتسامته الماكرة وفي أعماقه كان يخطط لمواصلة مضايقة ظافر بعد مغادرتها.

 

على الجانب الآخر رغم أن ظافر لم يكن يرى شيئًا إلا أن حدسه كان يقوده لمعرفة أن الأطفال يحيكون شيئًا ما خصوصًا نوح الذي بدا واضحاً أن كل تصرفاته كانت متعمدة ومدروسة.

 

ومع ذلك لم يأخذ ظافر الأمر على محمل الجد تمامًا، فهو رجل لا يعرف الاستسلام طواعية.

 

بعد أن أنهوا العشاء التفت ظافر إلى نوح قائلاً:

 

“نوح، هل تستطيع أن تعيدني إلى غرفتي؟”

 

ابتسم نوح بخبث وهو يعلم أن هذه ستكون فرصته لمزيد من العبث بعد أن يُبعد ظافر عن أنظار سيرين.

 

“بالتأكيد!” قالها نوح وهو يرمق زكريا غامزاً بعينين لامعتين قبل أن يقود ظافر إلى غرفة نومه.

 

فور دخولهما الغرفة بدأ نوح يتفقد المكان باحثًا عن منفذاً أو حيلة ليبدأ في عبثه مع ظافر لكن قبل أن يتمكن من تنفيذ خطته تفاجئ بالباب يُغلق خلفهما وقبل أن يدرك نوح ما يحدث وجد ظافر قد التقطه بين يديه كأنه كتكوت صغير.

 

“ماذا تفعل يا سيدي؟” قال نوح بصوتٍ يفيض بالبراءة والتظاهر.

 

لم يُبالِ ظافر بالتصنع الذي يبديه نوح من براءة، وأجاب بهدوء وثقة:

 

“أتدري كيف أتعامل مع الأطفال المشاغبين؟”

 

بالطبع كان ظافر يعلم أن نوح ضعيف ولم ينوِ استخدام القوة معه قط بل اكتفى بالتهديد الذكي ليوقفه عن شروره.

 

تفاجأ نوح برد فعل ظافر وقرر في سره أن يطلع سيرين عما يحدث.

 

“أنا ولد صالح يا سيدي!” قالها نوح محاولًا استرجاع هيبته.

 

ابتسم ظافر بخبث، وقال:

 

“أهذا صحيح؟ الأطفال الطيبون لا يكذبون أبدًا.” ثم ربت برفق على مؤخرة نوح وكأنها لمسة تثبيتٍ للدرس الصغير.

 

بما أن نوح كان مريضًا منذ صغره فقد قلّ تعرّضه للمس أو الضرب، وكان نادرًا ما يضايقه أحد، فما بالك بما شرع به ظافر الآن؟

 

انفجر نوح غضبًا على الفور، صائحًا:

“أمي! أمي!”

 

لم يمنعه ظافر من الصراخ بل قام بإنزاله برفق إلى الأرض.

 

دخلت سيرين الغرفة مسرعة وقلقها يملأ وجهها:


“ما الأمر يا حبيبي؟”

 

أجاب نوح وهو يبكي:

 

“لقد ضربني السيد ظافر!”

 

ارتجفت سيرين من الصدمة واقتربت منه سريعًا لتطمئن عليه:

 

“أين ضربك؟”

 

تردد نوح في الإجابة فلم يُرد أن يخبرها أن الظافر قد ضرب مؤخرته خاصة وأن الضربة كانت لطيفة بالكاد شعر بها… فلو قامت سيرين بفحص جسده لكان الأمر محرجًا للغاية بالنسبة له.

 
تعليقات