رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثمانون 380 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثمانون 


وصل زكريا وفاطمة إلى المكان أيضًا، وانقضت فاطمة على نوح بعينين متقدتين بالغضب، قائلة:

 

“أين ضربك يا نوح العزيز؟” بدا الغضب جليًا في تنفسها المتسارع.

 

ألقى زكريا نظرة سريعة على نوح كتحذير لعدم فضح مخططهما بالعبث مع ظافر في الوقت الحالي، فأجاب الأخير على عجل وهو يحاول التبرير:

 

“كنا نمزح معكم فقط.”

 

تقدمت فاطمة نحو ظافر بنظرة صارمة وسألته كأنه المخطئ:

 

“هل تعبث معنا؟”

 

ابتسم ظافر بهدوء واندفع مع التيار قائلاً:

 

“لقد راهن على أنك ستصدقينه إذا قال إنني ضربته.”

 

صُدم نوح وزكريا من هذا الكلام؛ فكما توقعا كان ظافر بارعًا في المناورة بالكلمات والكذب بطريقة ساحرة.

 

في تلك اللحظة شعر نوح بندم شديد على أنه لم يكمل اللعبة لنهايتها وها هو ظافر يضعه في مأزق، بينما استجمعت فاطمة أنفاسها أخيرًا وقالت بلهجة صارمة توبخ نوحاً:

 

“يا لك من فتى ساذج! كيف تراهن على شيء كهذا؟ علينا أن نكون صادقين دائمًا وألا نكذب على أحد مهما كان… هل فهمت؟”

 

أومأ نوح على الفور واعتذر يرسم البراءة:

 

“أتفهم ذلك، آسف يا جدتي.”

 

بدت على سيرين مسحةُ غضبٍ خفيفة وقالت بنبرةٍ حاولت ضبطها:

 

«نوح، لا تُطلق مثل هذا المزاح الثقيل مرةً أخرى، مفهوم؟ لقد أقلقتَ الجميع».

 

لم يعتد نوح قطّ على هذا السيل من العِظات؛ فهو في نظر أهل البيت كان دومًا منبع الفرح وقطعة الضوء التي تُبدّد العتمة… لكن هزيمته أمام ظافر هذه المرة لم تمرّ عليه بسلام ولم يكن مستعدًا لقبولها بسهولة.

 

وبفكرةٍ ماكرةٍ خطرت له اندفع يعانق ساق ظافر، وقال بصوتٍ مدلّل:

 

«يا سيدي، ألم تقل إنك ستشتري لي الحلوى إذا فزتُ بالرهان؟»

 

اتسعت عينا زكريّا دهشةً حين أدرك دهاء نوح؛ فقد قلب الطاولة في لحظة وألقى بظافر في مرمى الاتهام مُظهرًا أن ما حدث لم يكن إلا لعبةَ رهانٍ اشترك فيها الاثنان رغم أنّ الجميع وبّخ نوح وحده.

 

رمقته فاطمة بنظرةٍ باردة ثم التفتت إلى ظافر وقالت بحزم:

 

«نوح طفلٌ طيب، فلا تُفسده بمثل هذه الألاعيب… هيا يا نوح تعال معي إلى الطابق العلوي لنرتاح قليلًا».

 

ابتسم نوح لظافر ابتسامةً وادعة قبل أن يُومئ لفاطمة بطاعةٍ مصطنعة:

 

«حسنًا».

وسرعان ما اقتادت فاطمة الطفلين معها، دون أن تنتبه إلى أن نوح كان يكذب ببراءةٍ متقنة لا تُخطئها العين.

 

ومع ذلك لم تكن سيرين غافلة عمّا جرى؛ فقد تسلّل إلى قلبها يقينٌ خفيّ بأن نوح اختلق تلك الحجة هربًا من التوبيخ لا أكثر.

 

«سيرين!»

جاء صوت ظافر فجأة حاسمًا كأنه خرج من عمق شعوره.

 

توقفت أمامه وقالت باستغرابٍ مشوبٍ بالحذر:

 

«كيف عرفت أنني لم أغادر بعد؟»

 

أجابها بصوتٍ يحمل دفئًا غير معلن:

 

«كان لدي إحساس بذلك».

 

تجمّدت لثوانٍ قبل أن ترفع نظرها إليه وتسأله مباشرة:

 

«أنت… لم تراهن على شيء مع نوح، أليس كذلك؟»

 

لم يراوغ… قالها كما هي بلا التفاف:

 

«بالطبع لم أفعل… جلّ ما فعلته أنني ربّتُّ على مؤخرته برفق، كان عقابًا بسيطًا… أردت فقط أن يتعلّم حدوده في الحديث مع الكبار حتى لا يتمادى في ما هو أسوأ لاحقًا».

 

اشتعل القلق في عيني سيرين وارتفع صوتها رغم محاولتها التماسك:

 

«كيف تجرؤ على لمسه أصلًا؟ ألم أخبرك أنه مريض؟ منذ أن مرض، لم أسمح لأحد أن يمدّ يده عليه».

 

لم يكن ظافر يتوقع منها هذا الانفعال الحاد فقال بنبرةٍ أكثر عمقًا أقرب إلى التحذير منه إلى الدفاع:

 

«لا يمكنكِ أن تُدلّليه إلى هذا الحد لمجرد أنه ضعيف يا سيرين… العالم في الخارج لن يُراعي مرضه ولن يُعامله برفق كما تفعلين… بل على العكس… سيصبح ضعفه ذريعةً للتنمّر عليه».

 

ساد الصمت بينهما، صمتٌ ثقيل، كأنه كشف فجأة عن هوّةٍ كبيرة بين قلبٍ يحمي بالخوف، وآخر يحمي بالقسوة المقنّعة بالحكمة.

 

حين استمعت إلى كلماته انكشف لها الخطأ الذي طالما غلّفته بالنية الطيبة إذ أدركت متأخرة أنها كانت قاسية حدّ الصرامة مع زكريا ولينة حدّ الإفراط مع نوح كأنها تعوّض ضعفه بالاحتواء المفرط لا بالتربية المتوازنة.


انخفض بصرها وتسلّل إلى صدرها شعورٌ مباغت بالعجز؛ تساءلت بمرارةٍ صامتة إن كانت قد أخفقت كأم، وإن كان الأطفال مهما بلغت محبتها لهما، يحتاجون إلى أب يشاركها حمل التهذيب لا العطف وحده.

 

وبينما كانت غارقة في أفكارها داهمها ألمٌ حاد في ربلة ساقها فشهقت وقالت بصوتٍ خافت:

 

«ساعدني… أوصلني إلى الكرسي».

 

تحرّك ظافر في الحال وأمسك بها حين كادت أن تسقط ونبرة القلق تتسلل إلى صوته:

 

«ما بكِ؟»

 

أجابت وهي تحاول التماسك:

 

«تقلصات… أشعر بألمٍ مزعج».

 

«لنذهب إلى المستشفى.»

قالها بحزمٍ قَلِق وكان على وشك أن يحملها دون تردد.

 

هزّت رأسها نافية وفي نبرتها شيءٌ من العناد اللطيف:

 

«لا داعي… سأتحسّن بعد لحظات، الأمر ليس خطيرًا.»

 

لم يُصغِ لاعتراضها… ففي اللحظة التالية كان قد حملها بيدٍ واحدة وأسند ساقيها بالأخرى بثباتٍ أربكها… حاولت أن تعترض، أن تتملّص، غير أن التشنّج باغتها مجددًا فسلبها القدرة حتى على المجادلة.

 

شدّها ظافر إلى صدره بحرصٍ بالغ وقال بصوتٍ منخفض، دافئ، يحمل مسحة مشاكسة:

 

«لا تتحرّكي… أنا لا أرى شيئًا الآن، ولن أفعل بكِ ما يُحرجكِ.»

 

ثم أضاف وابتسامة خفيّة تسللت إلى صوته:

 

«لكن إن أكثرتِ الحركة فقد تضلّ يدي طريقها وتلمس ما لا ينبغي عن طريق الخطأ.»

 

تجمّدت بين ذراعيه وقد تسلّل الخجل إلى أنفاسها بينما انخفضت نظراتها لا إراديًا إلى يده المستقرة على ساقها… خطوةٌ واحدة إلى الأعلى مجرد حركةٍ عابرة وسيُقلب هذا “الخطأ” إلى شيءٍ آخر تمامًا.

 

ابتلعت ريقها وهمست بارتباكٍ حاولت إخفاءه:

 

«ظافر… أنت تستغل الموقف.»

 

ضحك بخفوتٍ يهمس بمكر محبب بالقرب من أذنها، يقول بثقةٍ هادئة وأنفاسه العطرة تداعب صفحة وجهها:

 

«أبدًا… أنا فقط أعتني بكِ… أم أن العناية أصبحت جريمة؟»

 
تعليقات