رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والثمانون 382 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثاني والثمانون 

 

شدّت سيرين الغطاء حول جسدها بإصرار ودَفعت ظافر عنها على عجل وهي تقول بنبرةٍ حاسمة لا تقبل الجدل:

 

«لا، لا… دعنا نُبقي الأمر عند هذا الحد.»

 

أفلتت من بين ذراعيه وارتدت ملابسها بسرعةٍ تُضاهي سرعة الهروب من امتحانٍ مفاجئ ثم تسلّلت خارج الغرفة كأنها شبحٌ نادم ولم تلحظ زوجًا من العيون الصغيرة يراقبناها في العتمة بفضولٍ يفوق أعمارهم.

 

همس نوح باستغراب:

 

«لماذا كذب علينا؟ أمي كانت في غرفته على أيّ حال.»

 

أما زكريا وقد نصب نفسه خبيرًا في شؤون الحياة قبل أوانها فعبس قليلًا وقال وكأنه توصل لاكتشافٍ خطير:

 

«تبًّا! لقد حاولنا منع هذا طويلًا… لكن يبدو أنه حدث في النهاية!»

 

تطلّع نوح إليه بحيرة:

 

«ماذا تقصد؟ أنا لا أفهم شيئًا.»

 

هزّ زكريا كتفيه بثقةٍ لا تستند إلى علم وقال:

 

«في الحقيقة لا أعرف الكثير… فقط ما رأيته في المسلسلات التي تُصرّ جدّتنا على مشاهدتها… ماذا قد يفعل رجل وامرأة حين يكونان بمفردهما؟»

 

ثم أضاف بصوتٍ خافت كمن يكشف سرًّا عظيمًا:

 

«واضح جدًا… كانا يتبادلان القُبلات!»

 

كان نوح يقضي جلّ وقته في أروقة المستشفى بينما كان زكريّا يمكث في المنزل برفقة فاطمة وحين يجتمعون تحت سقفٍ واحد كانت فاطمة لا تفوّت حلقةً واحدة من مسلسلاتها الرومانسية كأنها طقسٌ يومي لا يكتمل النهار بدونه.

 

كانت تتأثر بها إلى حدٍّ بالغ فتغمرها الدموع مع كل مشهدٍ حزين ورغم أن زكريّا لم يكن يميل إلى تلك العوالم العاطفية إلا أنه كان يجلس إلى جوارها في صمت الطفل المطيع… ومع مرور الوقت لم تذهب تلك المشاهد سدى؛ إذ تسلّل إليه منها شيء من الفهم وتعلّم — على استحياء — ملامح العلاقات الرومانسية.

 

عندها صاح نوح فجأة وقد انكشفت الصورة أخيرًا أمامه:

 

«تبًّا! كيف يجرؤ على تقبيل أمّي على شفتيها؟»

 

كان غضبه عارمًا فلم يخفض صوته قيد أنملة… ولم تكن سيرين قد بلغت غرفتها بعد فتوقّفت والتفتت فور سماعها صراخه.

 

حينها أدرك الصغيران أن الاختباء لم يعد مجديًا فخرجا من مخابئهما وقد انكشف سرّهما كما انكشف غضب نوح دفعةً واحدة.

 

لم يلتفّ نوح بالكلمات بل اقتحم صلب الحقيقة مباشرة وقال بنبرةٍ مشحونة:

 

«أمي، لماذا خرجتِ من غرفة السيّد ظافر؟»

 

كانت الغيرة تشتعل في صدره بوضوح؛ فمنذ زمنٍ لم تطبع سيرين قبلةً على وجنته ولم يستوعب فكرة أنّ تلك القبلة ذهبت إلى ظافر بدلًا منه.

 

تلعثمت سيرين، وتردّدت الكلمات على شفتيها:

 

«أنا… أنا…»

 

وحين وقعت عيناها على زوجي العيون المحدّقة بها أدركت أنها عاجزة عن اختلاق كذبةٍ تُقنعهما في تلك اللحظة… وفجأة انفتح باب غرفة ظافر وخرج بملامح جامدة ونظرةٍ غير ودّية وقال بنبرةٍ مقتضبة:

 

«كنّا نتحدّث عن العمل… ما الأمر؟ هل رغبتما بالانضمام إلينا أيضًا؟»

 

تبادَل الطفلان نظرةً صامتة وقد ازدحمت في رأسيهما الأسئلة: عن أيّ عملٍ يتحدّثان؟ ولماذا في هذا الوقت المتأخّر من الليل؟

 

وقبل أن ينبسا بكلمة دوّى من الخارج صوتُ ارتطامٍ عنيف كأن شيئًا ما سقط من علوٍّ شاهق فقطع أفكارهما وجمّد الجميع في أماكنهم.

 

استيقظت فاطمة على وقع الضوضاء وخرجت من غرفتها متعثّرة بخطواتٍ يغلبها النعاس وقالت باستغراب:

 

«لماذا ما زلتم مستيقظين؟ ماذا يحدث في الخارج؟»

 

غمر الخجل ملامح سيرين ولم تجد مفرًّا سوى الاحتماء بكذبةٍ عابرة فقالت على عجل:

 

«نحن أيضًا نهضنا حين سمعنا الصوت في الخارج.»

 

هزّت فاطمة رأسها قائلة:

 

«إذًا دعونا نلقي نظرة… لعلّ شيئًا قد انكسر بسبب كثافة الثلج المتساقط.»

 

وكما كان متوقّعًا فما إن خرجوا ليستطلعوا الأمر حتى لمحوا غصنًا ضخمًا مكسورًا من شجرةٍ عتيقة قد سقط في عرض الطريق وسدّ الممرّ تمامًا.

 

في تلك اللحظة لمعت في ذهن زكريّا فكرةٌ ماكرة وارتسمت على شفتيه خلسة ابتسامة وديعة مصطنعة فقد وجد أخيرًا وسيلةً مثاليّة لإزعاج ظافر.

 

«كان الثلج كثيفًا جدًا يا جدّتي، وقد تسبّب في كسر غصنٍ من الشجرة وهو الآن يسدّ الطريق تمامًا… ماذا لو خرج الناس للقيادة غدًا؟


قالها زكريّا بنبرةٍ بريئة تخفي كثيرًا من المكر ثم التفت إلى ظافر وأضاف بدهاءٍ محسوب:

 

«يا سيدي، أنت قويّ، أليس كذلك؟ هل يمكنك مساعدتنا في إزاحة الغصن؟ يُقال إن من يفعل الخير يُرزق بالحظ السعيد.»

 

ولم يُفوّت نوح الفرصة فأردف بحماسٍ مقصود:

 

«هذا صحيح يا سيدي… أنت الأفضل بلا شك وأنا واثق أنك لا تريد لأحدٍ أن يصطدم بالغصن، أليس كذلك؟»

 

وفي داخله تمنى لو يتجمّد ظافر من شدّة البرد ما إن يخرج إلى الخارج.

 

كان ظافر أصلًا في مزاجٍ عكر فقد ضاق ذرعًا بمقاطعتهما له سابقًا ومع ذلك قال بلهجةٍ صريحة لا تخلو من مكر يفوقهما بكثير فهذين الشبلين من ذاك الأسد ذاته:

 

«أستطيع فعل ذلك، لكنني لا أستطيع الرؤية لذا ستضطرّان لمساعدتي.»

 

تبادل زكريّا ونوح نظرةً سريعة ثم هزّا رأسيهما في آنٍ واحد موافقين بحماسٍ متزامن وقد بدت خطّتهما تسير كما أرادا لها تمامًا مردفان:

 

«بالطبع يمكننا ذلك».

 

في البدء همّت سيرين بأن تقف درعًا لأطفالها غير أنّ كلمات ظافر السابقة ارتسمت فجأة في ذاكرتها؛ حديثه عن تربية الصبيان على الصلابة والمثابرة وأن الشدّة أحيانًا ليست قسوة بل إعدادٌ للحياة… عندها كبحَت اندفاعها وحرصت بدلًا من ذلك على أن تُلبسهما ثيابًا سميكة تقيهما برد الليل ثم ناولت ظافر زوجًا من القفّازات.

 

وقفت سيرين إلى جوار فاطمة تراقبان المشهد بصمت؛ الطفلان يوجّهان ظافر بحماسٍ طفولي وهو يدفع الأغصان الثقيلة ويزيح الثلج المتراكم بإصرارٍ واضح.

 

وبينما كانت فاطمة تتابع الثلاثة سرحت أفكارها في التغيّر الذي طرأ على ظافر في الآونة الأخيرة، تغيّر لم يَخْفَ عليها فتنفّست بعمق ثم قالت بنبرةٍ صادقة:

 

«يا سيرين، إن ظلّ ظافر على هذا النحو إلى الأبد فسيكون من الجميل حقًّا أن تكوني إلى جانبه.»

 
تعليقات