رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثالث والثمانون
فجأةً انطلق رنين ساعة الجدّ في أرجاء المنزل، دقّاتها العميقة تشقّ سكون الليل… فاستدارت فاطمة نحوها وألقت نظرة سريعة ثم تمتمت بنعاس:
«لقد انتصف الليل بالفعل… سأذهب إلى النوم الآن.»
أجابت سيرين بهدوء:
«حسنًا.»
تابعت سيرين فاطمة وهي تبتعد حتى توارت خلف باب غرفتها ثم وضعت يدها لا شعوريًا على النتوء الخفيف في بطنها وكأنها تستمدّ منه بعض الطمأنينة وقد تداخلت المشاعر بصدرها بعد كلمات فاطمة الأخيرة؛ دهشةٌ وحيرةٌ وشيءٌ من الاستنكار… فقبل وقتٍ قريب كانت فاطمة تُظهر نفورًا واضحًا من ظافر وها هي الآن تغيّر موقفها على نحوٍ مفاجئ بل وتحثّها على البقاء إلى جانبه… لم تستطع سيرين أن تفهم سرّ هذا التحوّل السريع.
رفعت بصرها مجددًا نحو ظافر والصبيّين ثم هزّت رأسها ببطء… كان ثمة إدراكٌ هادئ يستقرّ في أعماقها:
لا مجال للعودة إلى الطريق ذاته مرةً أخرى مهما بدا مألوفًا أو مغريًا.
بعد أن أزاحوا الغصن الثقيل وأزالوا ما تراكم حوله من ثلج أعاد ظافر الصبيّين إلى المنزل بينما سارعت سيرين إلى إشعال النار في المدفأة فانتشر الدفء في الأرجاء قائلة بنبرةٍ حانية:
«استحمّا بماءٍ دافئ ثم اذهبا إلى النوم.»
أومأ الطفلين برأسيهما طائعين؛ فقد كانا قد أمطرا ظافر بالتعليمات منذ البداية ولم يشعرا بالبرد قط كأن حماستهما كانت كافية لدرء قسوة الشتاء.
أما ظافر فقد احمرّت ذراعاه القويتان من شدّة البرد والجهد غير أنّ ملامحه ظلّت جامدة لا تشي بشيء… وربما لم يعمل بجهدٍ مماثل لما بذله في تلك الليلة طوال حياته.
استعادت سيرين في ذهنها ما جرى قبل ساعات فتجنّبت أن تلتقي بعينيه وما إن دبّ الدفء في جسد الطفلين حتى أسرعت بأخذهما إلى الحمّام ثم ناولتهما ملابس نظيفة… ولعلّ طول بقائهم في الخارج كان كفيلًا بإخماد نار الغضب التي كانت تتّقد في صدر ظافر إذ بدا الآن أكثر هدوءًا وكأن الليل غسل حدّته مع الثلج الذائب.
………..
لم يلبث العام الجديد أن أطلّ بصفحته الأولى فاستيقظت سيرين باكرًا وقد عقدت العزم على أن تصنع للصغار صباحًا مختلفًا لذا أعدّت طعامًا شهيًّا يليق ببهجة اليوم ثم انشغلت بتزيين أركان المنزل وكأنها تعيد إليه روحًا افتقدها طويلًا فهم لم يعرفوا طقوس الأعياد إلا في الخارج بعيدًا عن دفء الوطن أمّا الآن فقد سنحت لهم الفرصة أخيرًا ليحتفلوا برأس سنة جديدة تحت سقفٍ واحد.
وحين اتجهت نحو المطبخ أبصرت ظافر يقف إلى جوار الطاهي… يرتدي ثيابًا بسيطة غير رسمية وقد شدّ مئزرًا حول خصره في هيئة ربّ منزلٍ هادئ ومألوف وما إن بلغ مسامعه وقع خطواتها خلفه حتى وضع الفطائر التي بيديه والتفت إليها قائلاً بنبرةٍ دافئة:
«سيرين.»
لم يسأل من تكون رغم عماه؛ فحين يخلو المكان من الضجيج كان قادرًا على تمييزها من إيقاع خطواتها وحده كأن للأرض صوتًا لا يسمعه سواه حين تقترب.
«أجل…»
أجابت سيرين ولا يزال شيءٌ من الحرج عالقًا بنبرتها.
سألها ظافر باهتمامٍ صادق:
«هل ستتناولين الفطائر المحشوّة على الإفطار اليوم؟»
لم تمهلها غريس الخادمة فرصةً للتفكير فسارعت تقول بحماس:
«أنا أُعدّ اليوم أصنافًا متنوّعة من الطعام النباتي… هل تودّين مشاركتنا التحضير؟»
تهرّبت سيرين بابتسامةٍ خفيفة وقالت على عجل:
«لا… الأطفال عادوا للتو، لذا…»
ولم تُكمل عبارتها؛ إذ انسحبت بسرعة من المكان كأنها تخشى أن يفضح صمتها ما تعجز الكلمات عن قوله ومن ثم اتجهت إلى غرفة الغسيل وانشغلت بغسل ملابس الأطفال محاولةً أن تُشغل يديها عمّا يضطرب في صدرها.
لم تستطع أن تكبح اندفاعها فرفعت يدها وصفعت خدّها بخفّة توبّخ نفسها هامسة:
«ما بكِ؟ لِمَ هذا الارتباك كلّه؟ ليس الأمر وكأنكما لم تتشاركا سريرًا واحدًا من قبل!»
ثم أردفت في سرّها محاولة تهدئة اضطرابها:
لقد كان بينهما ما هو أعمق من مجرّد القرب.
وبينما كانت تجمع شتات أنفاسها لم تنتبه إلى أنّ نوح كان يقف خارج الغرفة إذ تثاءب ببراءة وسأل:
«أيّ سرير يا أمّي؟»
احمرّ وجهها من جديد حين رأته عند الباب فارتبكت وقالت على عجل:
«لا شيء…»
كان نوح يشعر بشيءٍ غامضٍ يثقل صدره؛ إحساسٌ خفيّ بأنّ أمرًا ما تغيّر في سيرين منذ الليلة الماضية إذ اقترب منها بخطواتٍ متردّدة ثم قال بصوتٍ منخفض يحاول أن يبدو مطمئنًا:
«في الحقيقة… أنا وزاك رأينا ما كنتِ تفعلينه مع السيّد ظافر الليلة الماضية… لا تقلقي لن نخبر أحدًا.»
اتّسعت عيناها دهشة وسألت باضطرابٍ لم تستطع إخفاءه:
«هل… هل رأيتُمونا؟»
ابتسم نوح ابتسامةً صغيرة كمن يهوّن الأمر وقال وهو يواسيها ببراءةٍ طفولية:
«كانت قبلة فقط، أليس كذلك؟ لا بأس… اعتبريها مثل عضة كلب.»
اجتاحها خجلٌ عارم؛ لم تستوعب كيف سمحت لنفسها بأن يراها طفلاها في موقفٍ كهذا لذا قطعت على نفسها عهدًا صامتًا ألّا يتكرّر الأمر أبدًا ثم قالت بنبرةٍ حازمة تخفي ارتباكها:
«كفى يا صغيري… انزل إلى الطابق السفلي وتحقّق إن كانت الفطائر قد نضجت وإن كانت كذلك فابدأ بتناولها.»
أجاب مطيعًا:
«حسنًا.»
ما إن ابتعد نوح حتى رفعت يدها وصفعت خدّها مرةً أخرى كأنها تعاقب نفسها على غفلتها.
في تلك اللحظة رنّ هاتفها فجأة فتناولته على عجل وحين أجابت أدركت أنّ المتّصلة هي شادية التي جاءها صوتها حاسمًا:
«تعالي للاحتفال برأس السنة في القصر مع ظافر… سأرسل من يأتي ليأخذكِ.»
