رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والرابع والثمانون
في السابق كانت سيرين ترافق ظافر إلى قصر نصران في كل عطلة وكان لعودتهما معًا في رأس السنة هذه غرض خاص لدى شادية لا يمكن التفريط به غير أنّ الأمر بدا مختلفًا هذه المرّة؛ إذ لم ترغب سيرين في العودة مطلقًا وقالت ببرودٍ مقصود:
«أنا مشغولة لذا لن أذهب وإن كان ظافر مستعدًّا للذهاب فيمكنكِ إعادته.»
ثم أنهت المكالمة دون أن تمنح الطرف الآخر فرصةً للردّ.
على الجانب الآخر ظلت شادية تحدّق في الهاتف بغيظٍ ظاهر بعد انقطاع الخط وقالت بحدّة:
«لقد تجاوزت سيرين كل الحدود فلو لم يفقد ظافر ذاكرته لما سمح لها بأن تفعل ما تشاء!»
تدخّلت ماندي بهدوء من موقعها القريب:
«إذًا، هل ما زلنا سنُعيد السيّد ظافر إلى المنزل؟»
أجابت شادية دون تردّد:
«نعم. حتى وإن لم تكن سيرين مستعدّة للعودة فعليه هو أن يعود… ففي نهاية المطاف هو الابن الأكبر لهذه العائلة ولا مفرّ من ذلك.»
لم تكن شادية راغبة حقًّا في وجوده تلك الليلة؛ فظافر لم يكن يرى شيئًا وفوق ذلك كان قد فقد ذاكرته مما أثار في داخلها شعورًا بالحرج لم تستطع إنكاره غير أنّ عدنان والده قد أبدى رغبةً صريحة في رؤيته ولهذا تحديدًا استدعته دون تردّد.
منذ سنواتٍ طويلة لم يتدخّل عدنان في شؤونهم أو أعمال الشركة لكنّ الأوضاع في الداخل كانت تموج بتعقيداتٍ كثيرة ولم يعد بالإمكان إدارتها بالاعتماد على جاسر وحده.
عادت ماندي تسأل بحذر:
«وماذا لو لم يكن راغبًا في العودة؟»
اشتعل غضب شادية وقالت بحدّةٍ لا تخلو من القسوة:
«إذًا اربطوه وجرّوه إلى هنا! أتعجزون على التعامل مع رجلٍ أعمى؟»
ساد الصمت على الفور وخفَت صوت ماندي تمامًا وقد أدركت أن النقاش في هذه اللحظة لم يعد مجديًا.
………
في تلك الأثناء وفي مقاطعة سان أخبرت سيرين ظافر بأن شادية ترغب في عودته إلى قصر نصران فلم يُفوّت نوح الفرصة وسألها على الفور بنبرةٍ ماكرة تخفي مشاغبة:
«أمي، ألم تقولي إن السيّد ظافر يتيم؟»
توقّفت للحظة وقد باغتها السؤال ثم مرّرت يدها في شعره محاولة تلطيف الموقف وقالت بهدوء:
«لقد تُرك وحيدًا.»
هزّ نوح رأسه كمن توصّل إلى نتيجةٍ منطقية ثم عاد يسأل:
«أفهم… إذًا والدته تريد عودته إلى المنزل الآن، أليس كذلك؟»
أجابت سيرين بعد تردّدٍ قصير:
«أعتقد ذلك.»
ومن ثم ألقت نظرةً خاطفة نحو ظافر، وكأنها تترقّب ردّة فعله غير أنّ نوح سبقها والتفت إليه قائلاً ببراءةٍ مصطنعة تخفي مقصدًا واضحًا:
«إذا كان الأمر كذلك فعليك أن تعود إلى والدتك قريبًا يا سيّد ظافر… وكفّ عن انتزاع أمّنا منّا.»
كانت كلماته بسيطة في ظاهرها لكنها حملت في طيّاتها ما عجز الكبار عن البوح به طويلًا.
لم يعرف الغضب طريقه إلى ملامح ظافر بل قال لنوح بهدوءٍ أقرب إلى الحكمة:
«الأطفال وحدهم من يتشبّثون بأمّهاتهم.»
انعقد حاجبا نوح في الحال وامتلأت ملامحه بالاستياء وكاد أن يندفع ليُكمل جداله ويدحض كلماته لكن حين أن رأت سيرين تلك الشرارة التي توشك على أن تتحوّل إلى مواجهة تدخّلت على عجل قاطعة الموقف بحزمٍ لا يقبل التردّد:
«هذا يكفي… نوح، غيّر ملابسك مع زاك حالًا وهيا بنا، يمكنكما الاستمتاع بمناوشاتكما لاحقًا.»
ثم التفتت إلى ظافر وأضافت بنبرةٍ متماسكة:
«وأنت أيضًا يا ظافر، عليك أن تغيّر ملابسك قبل العودة مع والدتك.»
تجمّد ظافر في مكانه وقد باغتته كلماتها إذ لم يتخيّل قطّ أنّها قد تتخلّى عنه بهذه السرعة فقال بصوتٍ خافت لكنّه حاسم:
«لن أعود.»
كان نوح وزكريّا قد بلغا أسفل الدرج حين التقطت مسامعهما قوله فلم يتمكّنا من كبح غضبهما وصاحا في آنٍ واحد:
«يا له من وقح!»
لم يُبدِ ظافر أدنى اكتراث بما تفوّه به الصغيران بل مدّ يده وأمسك كف سيرين برقة وثبات كأن العالم من حولهما قد تلاشى ولم يبقَ سواهما ومن ثم قال بصوتٍ خافت يحمل ما يشبه التساؤل:
«هل هذا بسبب ما حدث الليلة…»
لكنّه لم يُكمل عبارته؛ إذ سارعت سيرين إلى وضع يدها على فمه تقطع كلماته قبل أن تخرج إلى العلن.
بينما كانت غريس لا تزال في المكان وقد أدركت ما يجري دون أن يُقال فتفادت الموقف بلباقة ملتقطة بعض الفطائر على عجل واتّجهت بها إلى غرفة فاطمة تاركة خلفها صمتًا مثقلاً بما لم يُفصح عنه بعد.
سحبت سيرين يدها ببطء عن فمه كأن مسّها لشفتيه صعقها بتيّارٍ كهربائي عالي التردد وقالت بارتباكٍ حاولت إخفاءه:
«هل يمكنك التوقّف عن قول هذا الهراء؟»
ابتسم بخفّةٍ مشاكسة وقال:
«كنتُ على وشك أن أقول إنكِ ظننتِ أنّني ضربتُ نوح.»
ثم أضاف بعينين يلمع فيهما العبث:
«بماذا كنتِ تفكّرين؟»
بدت مذهولة للحظة ثم تمتمت:
«لا شيء… فقط رأيتُ أنّ من الأفضل أن تذهب إلى قصر عائلتك، بما أنّ والدتك دعتك للاحتفال برأس السنة فيمكنك العودة بعد ذلك… ألن يكون هذا مناسبًا؟»
بعدها جمعت سيرين الطفلين وخرجت بهما في نزهة قصيرة، احتياطًا لأي تصرّف طائش قد يصدر عن شادية تصرّفٍ يعجز صغيراها عن استيعابه أو احتمال مشاهدته.
فشادية لم تكن امرأة عابرة في المواقف؛ كانت مثابرة إلى حدّ الخطر وإن لم يعد ظافر فربما لن تتردد في الاستعانة بأشخاص غرباء لاختطافه ومشهد كهذا كان سيترك جرحًا لا يبرأ في وعيهما الغضّ.
وحين أنهت سيرين حديثها تنفّس ظافر الصعداء في أعماقه وتمتم بهدوء:
«حسنًا.»
في ذلك المساء خرجت سيرين بالأطفال في نزهة وكما كان متوقعًا لم تمضِ فترة وجيزة حتى توقفت سيارات فاخرة أمام منزل فاطمة فتعلّقت بها أعين الجيران في فضول صامت لا يخلو من الدهشة.
وعندما صعد ظافر بعد عناد ومقاومة إلى إحدى السيارات قوبل باحترام بالغ إذ بادره من بالداخل قائلًا:
«أهلًا بك، سيد ظافر.»
