رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخامس والثمانون 385 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والخامس والثمانون 


اقتصر احتفال عائلة نصران برأس السنة الجديدة على عشاء عائلي هادئ لم يحضره سوى الأقارب المقرّبين ومع ذلك بدا المنزل عامرًا بالوجوه والأنفاس كأن دفء السلطة قد ضاعف عدد الحاضرين.

 

تصدّر عدنان مجلس المائدة وهو يقشّر بعض الفاكهة لمالك يرمقه بنظرة يفيض منها الحنان وكان مالك بدوره يتباهى بحضوره الصغير غير عابئٍ بمن حوله حتى استوقفه سوار يزيّن معصم رجل في منتصف العمر فأشار إليه بحماسة قائلاً:

 

«جدي الأكبر، أريد هذا.»

 

كان ذلك الرجل هو بروس ابن أخ عدنان وما إن التقط نظرة مالك المُلِحّة إلى سواره حتى عبس وجهه فضمّه إلى معصمه بحذر وقال بنبرة هادئة تخفي امتعاضه:

 

«يا مالك، هذا ليس لعبة… إن أعجبك فسأشتري لك غدًا علبة من الأساور الجديدة، ما رأيك؟»

 

فذلك السوار رافقه ثماني سنوات كاملة ولم يكن مستعدًا بحالٍ من الأحوال لأن يفرّط فيه نزولًا لرغبة طفل مدلّل.

 

غير أن مالك قطّب حاجبيه وقال بعناد لا يلين:

 

«مستحيل! أريده هو يا جدي الأكبر…»

 

ما إن سمع عدنان الجد تلك الكلمات حتى ربّت على يد مالك على عجل وقال باستسلامٍ هادئ:

 

«حسنًا.»

 

ثم ألقى نظرة خاطفة نحو بروس نظرة لم تترك له مجالًا للاعتراض فلم يجد الأخير بدًّا من التخلي عن السوار؛ فقد خسر معركته أمام طفل لم يتجاوز عامه الرابع.

 

لم يمكث السوار في يد مالك سوى ثوانٍ معدودة قبل أن يقذفه بلا اكتراث إلى الأرض فانقطع خيطه وتناثرت خرزاته في كل اتجاه فقطّب الطفل شفتيه متذمّرًا وقال:

 

«ما هذا الهراء؟ إنه غير ممتع على الإطلاق!»

 

في تلك اللحظة شعر بروس وكأن قلبه قد تحطّم هو الآخر وتناثر مع الخرز على الأرض غير أنه لم يجرؤ على إظهار غضبه؛ فمالك في نظر الجميع كان الوريث الوحيد للعائلة آنذاك ولم يكن لعدنان أحفاد سواه لذا أغدق عليه من الدلال ما استطاع وحين شاهد زايدن ومارلين ذلك المشهد ازداد شعورهما بالزهو والفخر لكونهما والدي مالك.

 

في تلك اللحظة، ولج الغرفة رجل يلفّه البرود وقال بصوت مقتضب:

 

«جدي.»

 

وما إن وقعت عينا مالك على ذلك الرجل الذي بدا شبيهًا بظافر إلى حدٍّ لافت حتى استقام سلوكه فجأة وكأن رهبة خفية قد تسللت إليه.

 

قال عدنان الجد وهو يشير إلى مقعد قريب:

 

«نعم.»

 

غير أنّ نبرة صوته لم تُخفِ انزعاجه حين رأى جاسر؛ فقد كان هذا الأخير خلال الأشهر القليلة الماضية قد خدع الجميع خديعة ثقيلة الوطأة… وبعد وصوله تتابع دخول الحاضرين واحدًا تلو الآخر وحين طال الانتظار ولم يظهر ظافر نفد صبر عدنان فالتفت إلى شادية سائلاً بحدّة مكبوتة:

 

«أين ظافر؟»

 

فأجابته بهدوء مصطنع:

 

«إنه في الطريق.»

 

كان جميع أفراد عائلة نصران يترقّبون قدوم ظافر في ذلك اليوم وقد انعقدت رغبتهم على رؤيته أكثر من أي وقت مضى إذ أرادوا أن يفهموا الدافع الذي جعل رجلًا متكبّرًا بعزّته مثله يقبل بأن ينتحل آخر هويته بل ويتنازل طوعًا ودون إكراه عن أسهمه أيضًا… غير أنّ الفضول لم يقتصر على أهل البيت وحدهم؛ فالأشخاص الذين سبق لظافر أن بعثر حساباتهم في الماضي كانوا أشدّ لهفة لمعرفة الحقيقة وكأن غيابه فتح أبواب الأسئلة على مصاريعها.

 

اتصل ظافر بماهر وهو في طريقه إلى القصر وما إن علم ماهر أنه سيعود وحيدًا حتى تسلّل القلق إلى صوته دون مواربة إذ قال بلهفةٍ مشوبة بالخوف:

 

«سيد ظافر، ماذا لو وقع مكروه وأنت هناك بمفردك؟ ماذا عسانا أن نفعل حينها؟»

 

ففي نظر ماهر لم يكن آل نصران سوى أفاعٍ بوجوه مزدوجة يُخفون السمّ خلف الابتسامات.

 

بينما أجابه ظافر بهدوءٍ واثق:

 

«لا تقلق، إنهم لا يرونني تهديدًا الآن.»

 

وحين سمع ماهر تلك الكلمات أدرك ما يرمي إليه ظافر؛ وإلى جانب ذلك ستكون شادية حاضرة ومن المستحيل أن تسمح بأن يُمسّ بسوء… ومع هذا لم يفارق القلق ماهر، فظافر في نهاية المطاف لا يرى شيئًا وقد أساء إلى كثيرين في ماضيه ومن المؤكد أن بعضهم لن يفوّت فرصة إذلاله اليوم.

 

غادر ماهر مكتبه على الفور يجوب فكره بحثًا عمّن يستطيع الوقوف إلى جانب ظافر في هذه اللحظة الحرجة ولم يلبث أن استقرّ تفكيره على سيرين وحدها… فهي بصفتها زوجة ظافر، ستكون الوحيدة التي يحق لها دخول قصر نصران دون اعتراض.

وكان الحظ حليفه؛ إذ لم يكن العثور عليها صعبًا فوجود طفلين معها يجعل أثرها أينما حلّت واضحًا إذ لمحها في أحد المراكز التجارية حيث كان الصغيران ينشغلان بتناول شيءٍ ما فسارع بالاقتراب منها.

 

قال بنبرة مهذبة:

 

«سيدة سيرين.»

 

وما إن نطق باسمهما حتى التفت الطفلان إليه في آنٍ واحد وفي تلك اللحظة الخاطفة خُيّل إليه أنه يقف أمام نسختين مصغّرتين من ظافر تحدّق فيه بعينين تحملان عتابًا صامتًا لأنه قاطع لحظتهما.

 

رفعت سيرين رأسها وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها وقالت بنبرة متسائلة:

 

«السيد ماهر؟ كيف يمكنني مساعدتك؟»

 

بادرها بالسؤال على الفور:

 

«هل سمحتِ للسيد ظافر بالذهاب إلى القصر بمفرده؟»

 

أومأت سيرين برأسها إيجابًا وقد ازدادت دهشتها وسألت باستغراب:

 

«وهل هناك ما يدعو للقلق؟»

 

فقال ماهر بلهجة لا تخلو من الانفعال غير عابئ بوجود الطفلين:

 

«بالطبع هناك مشكلة! لقد أساء السيد ظافر إلى كثيرين في الماضي وعودته إلى القصر وحيدًا ستجعله بلا شك عرضةً لسيلٍ من الإهانات.»

 

تعليقات