رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسادس والثمانون
حين استمعت سيرين إلى ما قاله ماهر لم يطرأ على ملامحها اضطراب يُذكر بل أجابت بهدوءٍ جاف:
«وما شأني أنا بهذا؟»
فقد ذاقت هي الأخرى ألوان الإذلال كافة حين كانت في القصر ولم يمدّ ظافر يومها يد العون لانتشالها مما عانت.
تلقّى ماهر كلماتها بصدمة واضحة ثم قال بصوتٍ خافت وكأنه يستعطف ذاكرتها:
«ألا تستطيعين مساعدته كما فعل هو حين أنقذكِ؟»
عندها انسابت إلى خاطرها صور مساعدته لها في مواجهة توني وهي خارج البلاد فتوقفت لحظة تغالب صمتها قبل أن تقول:
«وحتى لو ذهبتُ، ماذا عساني أفعل؟ هو لا يرى شيئًا وأنا أعاني ضعف السمع… هل تظن حقًّا أنني قادرة على مساعدته؟»
لم تكن سيرين تجمّل الحقيقة أو تفرّ منها؛ فهي تدرك تمام الإدراك أن عائلة مستبدة بقوتها ومالها كعائلة نصران لن تنظر إليها يومًا بعين الاحترام.
«حسنًا…» تمتم ماهر بتردّد وحين لمحت سيرين تردده حسبت أنه قد صرف النظر عن الأمر فنهضت لتسديد الفاتورة غير أنّه استوقفها مجددًا وقال بنبرة صادقة:
«كل ما في الأمر أنني سأشعر بطمأنينة أكبر إن كنتِ هناك.»
كان ماهر يدرك في قرارة نفسه أن سيرين امرأة صلبة وأن وجودها في القصر كفيل بألّا تنفلت الأمور عن السيطرة… وقبل أن تنطق سيرين بكلمة انبرى نوح قائلًا بعفوية صادقة:
«أمي، ساعدي السيد ظافر… إنه مثير للشفقة بعدما تُرك وحيدًا.»
أما زكريّا فلم يفهم سبب هذا الاندفاع المفاجئ لنوح ورغبته في مساعدة ظافر دون تمهيد أو سبب ظاهر.
تنهّدت سيرين قليلًا ثم قالت بحزمٍ هادئ وقد اتخذت قرارها وذلك بعد ما قاله نوح:
«حسنًا، في هذه الحالة سأعيد الأطفال إلى المنزل أولًا.»
تناول ماهر الفاتورة على الفور ثم أفسح لهم المجال لركوب سيارته وبعد أن أوصل الطفلين إلى المنزل بسلام طلبت سيرين من رامي أن يقلّها إلى قصر نصران.
وفي المنزل لم يستطع زكريّا كبح فضوله وقلقه فالتفت إلى نوح سائلاً باستنكار:
«لماذا طلبتَ من أمي أن تساعد ذلك الوغد؟ ماذا لو تعرّضت للإهانة أو التنمّر؟»
غير أن نوح قال فجأة وكأن فكرة ما قد استقرّت في ذهنه:
«زاك، أريد أن أطمئن بنفسي على ما يجري هناك… هل تعرف كيف يمكننا الذهاب؟»
عندها أدرك زكريّا أخيرًا ما يخطّط له شقيقه فهزّ رأسه رافضًا دون تردّد وقال بحزم:
«مستحيل. الأمر خطير للغاية.»
قال نوح بجدية لا تخلو من إصرار:
«علينا أن نجازف… إن لم نفهم عائلة نصران فكيف سنقتصّ منهم ونستردّ ما هو حقّ لنا؟»
كان نوح يدرك بحسب ما سمعه ووعاه أن سيرين أُجبرت على الهرب إلى الخارج بسبب ظافر وعائلة نصران؛ فهم من زرعوا الحزن في قلبها وحرموا الطفلين من أبٍ حاضر بل وذهبوا إلى حدّ تحميلها مسؤولية مرض ظافر ذاته.
ردّ زكريّا ببرودٍ قاطع:
«لقد زرتُ قصر نصران مرارًا ولا شيء هناك يستحق الفهم… وبما أنك مريض عليك أن تخلد إلى الراحة مبكرًا.»
ثم انصرف زكريا إلى غرفته دون أن يمنح الحديث فرصة أخرى.
غير أنّ نوح لم يكن ممّن يستسلمون بسهولة… وفجأةً لمع في ذهنه خاطر جريء فتسلّل إلى غرفة زكريّا في اللحظة التي كان فيها الأخير يستحم ومن ثم التقط ساعته الذكية خلسة وراح يبحث فيها حتى عثر على رقم ماندي سكرتيرة شادية وبادر بالاتصال بها دون تردّد.
«مرحبًا؟ أنا زاك أبحث عن السيدة شادية.»
قالها نوح لماندي فور تحويل المكالمة إليه.
وبما أن زكريّا كان قد أخبره سابقًا عن شادية فقد أدرك نوح تمامًا ما ينبغي عليه فعله كما أنّ ماندي كانت تحتفظ برقم زكريّا لذا ما إن تلقّت الاتصال حتى سارعت بإبلاغ شادية بالأمر.
وحين وصل الهاتف إلى شادية قال نوح منتحلًا اسم زكريّا بنبرة ودودة:
«سيدتي شادية، كل عام وأنتِ بخير! أشتاق إليك كثيرًا فهل تسمحين لي بزيارتك؟»
وما إن سمعت شادية ذلك الصوت اللطيف حتى غمرتها السعادة على الفور فأجابت بحماسة واضحة:
«بالطبع! سأطلب من أحدهم أن يأتي لاصطحابك حالًا.»
«لا داعي لذلك يمكنني القدوم بنفسي… فقط أرجو أن تطلبي من أحدهم فتح الباب لي عند وصولي.»
وبعد أن أنهى المكالمة أعاد نوح الساعة إلى موضعها بعناية تامة ومن ثم قال بعدها بصوت متثاقل وهو يخاطب زكريّا من خلف باب المرحاض:
«تصبح على خير… سأخلد إلى النوم الآن يا زاك.»
وبعد تلك الكذبة الصغيرة ارتدى نوح ملابس ثقيلة وأغلق باب غرفته بإحكام متظاهرًا بالنوم ثم تسلّل خارج المنزل في صمت واستقل سيارة أجرة ليتجه بها قاصداً قصر نصران في قلب المدينة… كانت الرياح الباردة تعصف من حول السيارة غير أنّ برودة نظرة نوح كانت أشدّ قسوة من صقيع الليل ذاته.
