رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والثمانون 387 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والسابع والثمانون 


ما إن أنهت شادية المكالمة حتى انتعشت معنوياتها على نحوٍ لافت؛ فلم تكن تتوقّع أن يبادر زكريّا بالبحث عنها وهو الذي طالما تجنّبها في السابق… وفي تلك الأثناء كان ظافر لم يصل بعد ولم يجد الحاضرون ما يشغلهم سوى الخوض في غيابه إذ تساءل أحدهم بلهجة مترددة:

 

«ألن يأتي ظافر؟»

 

وأردف آخر وقد علا صوته بالاستغراب:

 

«ألم يعد بالمجيء؟ لماذا تأخر؟ لم يحدث أن نكث بوعده من قبل.»

 

ثم قال ثالث بسخرية لاذعة بصوت خفيض:

 

«أما سمعتم الشائعات؟ يُقال إنه أصبح أعمى، ولذلك سيكون حضوره محرجًا له.»

 

فانفرجت أفواه الجميع دهشة وتبادلوا النظرات في صمت مشحون:

 

«ماذا؟ هذا مستحيل!»

 

وتردّد السؤال ذاته في أذهانهم جميعًا: أحقًّا فقد ظافر بصره؟ وإن صحّ ذلك فسيكون الأمر بالنسبة لهم مادةً لا تخلو من الإثارة والترقّب.

 

وأخيرًا دخل ظافر القاعة برفقة لوثر فاتجهت الأنظار كلّها نحو المدخل وإذا بهم يروا رجلًا يتشح بزيٍّ نبيل يليق بمكانته غير أنّ حدّة نظراته بدت مطفأة على غير عادتها ولم يَخفَ على أحد أنّه كان يستند إلى لوثر ليدلّه على الطريق وحين بلغ مكانه لم يوجّه التحية إلى أيٍّ من الحاضرين فتقدّمت شادية نحوه ثم التفتت إلى عدنان الجد قائلة بنبرة مفعمة بالقلق:

 

«أبي، قال الأطباء إن ظافر يحتاج إلى مزيد من الراحة بعد الحادث… والآن وقد رأيته ما رأيك أن نعيده ليستريح قليلًا؟»

 

وحين أدرك عدنان أنّ ظافر قد فقد بصره بالفعل لان موقفه وكفّ عن تعقيد الأمور على شادية وظافر.

 

وبينما كان عدنان على وشك السماح له بالمغادرة جاء صوت زايدن من طرف القاعة قائلاً:

 

«شادية، نادرًا ما ينضم إلينا ظافر وبما أنه حضر اليوم فلا داعي لإعادته بهذه العجلة.»

 

وتعالت الأصوات من حوله مؤيِّدة:

 

«هذا صحيح! جميعنا نودّ الحديث معه.»

 

انعقد الضيق على ملامح شادية والتفتت بنظرها إلى عدنان فنهض متكئًا على عصاه وقال بنبرة حاسمة:

 

«لنتناول العشاء أولًا فأنا على يقين أنه يستطيع الراحة لاحقًا… شادية، تعالي معي إلى غرفة المكتب.»

 

أجابت بهدوءٍ مطيع:

 

«حسنًا.» وكانت تعلم في قرارة نفسها أنّه يستعد لتوبيخها.

 

ما إن غادرت شادية المكان حتى أسقط الجميع أقنعتهم الراقية وانصرفوا إلى الحديث عن ظافر همسًا وعلى انفراد… وفي الجهة المقابلة كان جاسر يحتسي قهوته بهدوءٍ متعمّد يراقب ما يجري بعين باردة لا يطرف لها جفن.

 

حينها اقترب زايدن من ظافر وقال بنبرة لا تخلو من شماتة مستترة:

 

«لم أتوقّع قط أن ينتهي بك المطاف إلى هذه الحالة يا ظافر.»

 

وحين وقعت الكلمات على مسامع ظافر جاء ردّه فاتراً خاليًا من أي انفعال:

 

«ومن تكون أنت؟»

 

تجمّد زايدن في مكانه ذهولًا وظنّ أن ظافر لم يتعرّف عليه فقال على عجل:

 

«أنا زايدن! ألا تستطيع تمييز صوتي حتى؟»

 

حاول ظافر أن ينقّب في ذاكرته عن ذلك الاسم ثم تذكّر أخيرًا أنّه ابن عمه عديم الفائدة قال ببرودٍ لاذع:

 

«تذكّرتك الآن… ألم تُفلس الشركة التابعة التي كنت تديرها قبل ستة أشهر؟ أخبرني، هل بدأت شركتك الجديدة تؤتي ثمارها؟»

 

تلقّى زايدن الكلمات كصفعة مباغتة فبادرت مارلين على الفور متقدّمة خطوة إلى الأمام وتحدّثت نيابة عن زوجها بنبرة هجومية:

 

«ظافر، أعلم أنك غاضب لأنك فقدت بصرك ولأن حقوقك في الشركة انتُزعت منك لكن لا يحقّ لك أن تُفرغ سخطك على زوجي فهو ليس من سلبك منصبك… وإن أردت أن تلقي اللوم على أحد فابحث عن ذلك الرجل بدلًا منه.»

 

ثم ألقت مارلين نظرة ذات مغزى نحو جاسر الذي كان يحتسي قهوته على مهل وكأن ما يدور حوله لا يعنيه في شيء بل بدا مستمتعًا في أعماقه بما يشهده.

 

 

في تلك اللحظة لم يكن ظافر راغبًا في إهدار وقته معهم فتهيّأ للمغادرة غير أنّ زايدن مدّ ساقه عمدًا ليعثره ويوقعه في حرجٍ مهين.

 

وفجأة انطلق صوت طفولي صافٍ:

 

«أبي، ماذا تفعل؟ سيقع العمّ ظافر إن فعلت ذلك!»

 

التفت زايدن وقد باغتته الكلمات فإذا به يكتشف أنّ المتحدّث ليس سوى مالك فارتسم الذهول على ملامحه وشعر الحاضرون بالحرج نيابةً عنه إذ انكشف تصرّفه أمام طفل.


في تلك اللحظة أدرك ظافر ما يُحاك له فسحب ساقه إلى الخلف بثبات متفاديًا الإهانة قبل أن تقع.

 

بينما سارعت مارلين إلى سحب مالك جانبًا وأمرته بحدّة مكتومة أن يخرج للّعب في الخارج… بعدها طلب ظافر من لوثر أن يعثر له على مقعد وما إن جلس حتى أخذ الهمس يتصاعد من حوله؛ عيون تلاحقه بنظراتٍ متباينة امتزج فيها التعاطف بالسخرية وتسلّل الازدراء بين ثناياها دون مواربة.

 

قبض ظافر على يديه دون أن يشعر يحفر في ذهنه كل ما جرى في ذلك اليوم وفي أعماقه أقسم قسمًا صامتًا أنّه سيجعل هؤلاء جميعًا يدفعون ثمن أفعالهم وقريبًا.

 

تعليقات