رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والثمانون 388 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والثامن والثمانون 

وبينما كان زايدن يرى ظافر جالسًا وحيدًا على الهامش لم تخبُ رغبته في استفزازه إذ استعاد في ذاكرته غرور ظافر قبل الحادث وكيف كان يعلو على الجميع بثقةٍ جارحة فمن ثم ألقى نظرة أخرى نحو جاسر ولاحظ أنه لا يُبدي أدنى نية للدفاع عن ظافر لذا ازداد جرأة… عندها تقدّم نحوه بخطوات واثقة وكأس الشراب يتمايل في يده.

 

قال زيدان بنبرة مشبعة بالاستعلاء:

 

«يا ظافر، اشرب هذا الكأس واعتذر لي وعندها فقط سأنسى كل ما اقترفته في الماضي.»

 

ثم حرّك كأس النبيذ بازدراء وبصق فيه عمدًا بوقاحة قبل أن يمدّه نحو ظافر ومع ذلك لم يرفع ظافر رأسه حين سمع الكلمات وبقي صامتًا كأن الإهانة لم تبلغ مسمعه.

 

حين رأى زايدن إمعان ظافر في تجاهله استبدّ به الغضب حتى غلَت الدماء في عروقه فانحنى نحوه وهمس بصوتٍ خفيض يقطر تهديدًا:

 

«أتحسب أنك ما زلت ظافر الذي كنت عليه؟ أستطيع سحقك كالنملة الآن فالأفضل لك أن تصغي إليّ.»

 

توجّهت أنظار الجميع إليهما غير أنّ أحدًا لم يجرؤ على التدخّل أو مدّ يد العون لظافر… وفي صمتٍ ثقيل شدّ ظافر قبضتيه ببطء وحين همّ أن يوجّه لكمةً لزايدن اخترق المشهد صوت مألوف قال بحزم:

 

«ظافر، لماذا جئت وحدك ولم تمرّ عليّ أولًا؟»

 

كانت سيرين التي ما إن وطئت المكان حتى وقعت عيناها على ظافر جالسًا في الزاوية محاصرًا بنظرات التنمّر والشماتة فتردّد في خاطرها كيف وقف إلى جانبها يومًا وكيف مدّ لها يد العون حين كانت هي الأضعف.

 

والآن بعد أن فقد بصره وذاكرته لم تحتمل أن تراه يُهان أمام الجميع… فهو في نهاية المطاف والد نوح وزكريّا أيضًا.

 

وحين بلغ صوتها مسامع ظافر أرخى قبضتيه على الفور ونهض من مكانه ثم مضى نحوها بخطواتٍ مترددة متقمّصًا مسحة من الاستعطاف وهو يقول:

 

«سيرين، ظننتُ أنكِ لن تأتي.»

 

ومع ظهورها المفاجئ اتجهت أنظار الحاضرين جميعًا نحوهما حتى جاسر الذي كان يجلس إلى الطاولة يحتسي قهوته بهدوءٍ مصطنع رفع بصره إليهما يبتلع ريقه على مهل وشعر وكأن القهوة بين يديه بدأت تغلي.

 

بينما وقفت سيرين إلى جوار ظافر وأمسكت بيده كما اعتادت دائمًا ثم رفعت بصرها نحو وجه زايدن المتجهّم وقالت بثبات:

 

«زايدن، ظافر ما زال في طور التعافي ولا يستطيع تناول الكحول… إن أردتَ شرب هذا الكأس فاشربه بنفسك.»

 

كانت قد رأت بعينيها كيف بصق زايدن في كأس النبيذ الذي قدّمه وحينها انكشفت لها الحقيقة كاملة إذ فتحت عائلة نصران أعين سيرين على مشهدٍ قاسٍ؛ ألهذا الحدّ يُمارَسون التنمّر على رجل كفيف؟ أهذه هي الصورة التي ينبغي أن تكون عليها عائلة ثرية؟

 

لم يكن زايدن يتوقّع أن تجرؤ سيرين على الحضور إلى هذا العشاء وحين وقعت عيناه على أناقتها الهادئة أدرك أنّها لم تعد تلك «البطة القبيحة» التي كان يستخفّ بها يومًا… وقال بنبرة ماكرة يستغل الموقف:

 

«بما أنّه لا يستطيع الشرب، فعليكِ أنتِ أن تشربي بدلًا منه، فأنتِ زوجته!»

 

كان يريد أن يغتنم الفرصة ليُذلّ ظافر ويثأر لما اعتبره إهاناتٍ قديمة لم ينساها لذا قرّب زايدن كأس النبيذ من فم سيرين وكأنّه يضيّق الخناق عليها عمدًا؛ فإن لم تجرؤ على الشرب فحتماً لن يُسمح لها ولظافر بمغادرة القصر بسلام.

 

حدّقت سيرين في الكأس الممدودة أمامها ولاحظت كيف تترقّبها الأنظار من كل صوب متلهّفة على وقع الفضيحة… وبعد لحظة صمت ثقيلة همّت بأن تمدّ يدها وتقبل الشراب غير أنّ صوتًا باردًا اخترق المشهد قائلًا:

 

«كفى.»

 

كان ذلك جاسر الذي نهض من مقعده وتقدّم نحوهم بخطوات ثابتة يضيف بنبرة بدت هادئة في ظاهرها لكنها انطوت على تهديدٍ مبطّن:

 

«بما أنّها ليلة رأس السنة، فلنُبقِ الأمور لائقة، ولا نحوّلها إلى قبحٍ لا داعي له.»

 

تبادل زايدن وجاسر نظرة قصيرة وكان الشبه اللافت بينه وبين ظافر كفيلًا بأن يُربك زايدن فتراجع على مضض عمّا كان يفعله.

 

للحظة تشوشت أفكار زيدان فجاسر لم يُبد اهتمامًا بظافر منذ قدومه ولم يفهم زايدن سبب هذا التدخّل المفاجئ لصالحه الآن؛ فالعلاقة بين الأخوين لم تكن يومًا ودّية.


وما إن كفّ زايدن عمّا كان يفعله حتى بدا وكأنّ الأمور قد عادت إلى مجراها الطبيعي غير أنّ سيرين وقد وضعت سماعة أذنها لم تزل تسمع همسات الحشد واستهزاءهم الذي لم يخفت.

 

«أحدهما أعمى والأخرى صمّاء… أظنّهما باتا متوافقين تمامًا الآن.»

 

وبصفته كفيفًا كان ظافر يلتقط تلك الكلمات بوضوحٍ جارح فحدّة سمعه عوّضته عمّا فقده من بصر… ومع ذلك بدا أكثر هدوءًا من المعتاد في تلك اللحظة بل وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة يقول بصوتٍ دافئ:

 

«سيرين، هذه الكعكة التي تحبّينها عادة… أترين؟ لقد احتفظتُ ببعضها لكِ.»

 

خفضت سيرين بصرها فرأت أمامه على الطاولة تلك الكعكة الصغيرة التي طالما أحبّتها… وتسرّب إلى خاطرها سؤالٌ ملتبس:

 

أهذا هو ظافر الذي عرفته من قبل؟

 

أهو الرجل ذاته الذي كان يتركها بصمتٍ بارد دون أن ينطق بكلمة حين كان الناس يسخرون من صممها ويتهامسون ساخرين من زواجه بها؟

 
تعليقات