رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتاسع والثمانون
لم تكن سيرين تدرك حجم الإذلال الذي كان ظافر يرزح تحته؛ فهو أكثر من يعلم أن كثيرين باتوا يتمنّون موته الآن بعد أن فقد بصره وفي تلك اللحظة لم يعد للكرامة عنده ذات الوزن الذي كانت تحمله من قبل وذلك عندما قالت سيرين بهدوء:
«شكرًا لك.» ثم جلست إلى جواره وقدمت له قطعة من الكعكة قائلة:
«عليك أن تتناول قطعة أنت أيضًا.»
راقبهما جاسر وهما يتقاسمان الكعكة في صمتٍ دافئ غير أنّ نظرته اللطيفة سرعان ما تحوّلت إلى برودةٍ مشوبة بالغيرة.
وحين اقتربت سكرتيرته جاكي وقعت عيناها فورًا على سيرين وظافر الجالسين في الزاوية… كانت تعلم أنّهما تعرّضا للإهانة قبل قليل ومع ذلك لم يبدُ عليهما أي اكتراث؛ فقد كان كلٌّ منهما غارقًا في عالم الآخر الخاص… تأمّلت جاكي سيرين عن قرب ولاحظت جمالها الهادئ، أناقة حركاتها، وصفاء عينيها… وعندها فقط أدركت أخيرًا سبب إصرار ظافر على رفض الطلاق.
في تلك الأثناء كان عدنان يوبّخ شادية داخل غرفة المكتب مؤاخذًا إيّاها على خداع الجميع ودفعها بجاسر إلى انتحال شخصية ظافر… ولم تجد شادية ما تدحض به اتهاماته فاكتفت بالصمت وتحمّل اللوم حتى طرق لوثر الباب ودعاهما للخروج.
غادر عدنان الغرفة متكئًا على عصاه وحين وقعت عيناه على سيرين بين الحاضرين لم يعلّق بشيء بل أصدر أمره للجميع بالبدء في تناول الطعام.
وفي تلك اللحظة بلغ شادية خبر وصول زكريّا على لسان إحدى الخادمات فقالت بنبرة آمرة مشوبة بالاهتمام:
«الجو بارد الآن… دعي الطفل يستريح أولًا… وقدّمي له شيئًا لذيذًا ليأكله.»
أومأت الخادمة امتثالًا وأخذت نوح معها إلى إحدى الغرف وبينما كانا يسيران أخذ نوح يتلفّت إلى المباني الشامخة من حوله وقد انعكس الفضول في عينيه الصغيرتين فسأل بهدوء:
«أين السيدة شادية؟»
أجابته الخادمة بابتسامة لطيفة:
«إنها مشغولة اليوم وقد أوصتني أن أدعك تستريح في إحدى الغرف ريثما تتفرّغ وستأتي لرؤيتك حالما تسمح لها الظروف.»
أومأ نوح مطيعًا وقال بأدب:
«شكرًا لكِ.»
ابتسمت الخادمة بإعجاب وهمست:
«أنت لطيف حقًا.» فقد أسر قلبها منذ اللحظة الأولى بعقله الهادئ ودماثة خلقه التي تفوق سنّه.
لم تعلم سيرين بعد أن نوح استقل سيارة أجرة ووصل إلى القصر دون علمها لذا قررت أن تتناول العشاء مع ظافر ثم العودة إلى منزلها فور انتهاء المناسبة غير أن عدنان فاجأهما بطلبٍ لم يكن في الحسبان إذ قال بنبرة لا تقبل الرفض:
«عليكما المكوث هنا هذه الليلة. لقد بلغني أنكِ حامل الآن… أهذا صحيح؟»
لم تجد سيرين سبيلًا لإخفاء الأمر أكثر فاكتفت بالإقرار بهدوء:
«نعم.»
ما إن سمع عدنان بذلك حتى انفرجت أساريره وغمرته سعادةٌ لم يُخفِها وقال بنبرة يغلب عليها الرضا:
«أخيرًا سيكون لعائلة نصران وريثٌ جديد… أخبري شادية بكل ما تحتاجينه ولا تتحرّجي في طلب شيء.»
كان عدنان منذ عهدٍ بعيد لا ينظر إلى الأمور إلا بميزان المصالح فقد أبدى إعجابًا واضحًا بسيرين يوم كان والدها حيًّا يُشار إليه بالبنان
لكن ما إن توفّي والدها وأفلست عائلة تهامي حتى تبدّل حاله معها فغدا يتجاهلها ولا يكاد يخصّها بحديثٍ منفرد إلا نادرًا أمّا الآن وقد علم بحملها فقد عاد اهتمامه بها كما لو أنّ الزمن قد استدار لصالحها من جديد.
أجابت سيرين بهدوء واحترام:
«بالتأكيد.»
ثم قال وهو يستند إلى عصاه:
«عليكما أن ترتاحا الآن فأنا أيضًا أشعر بالإرهاق.» بعدها غادر عدنان الجد المكان بخطواتٍ بطيئة.
لم يجد ظافر وسيرين بدًّا من البقاء لبعض الوقت فاصطحبتهما إحدى الخادمات إلى غرفتهما… وبينما كانا يسيران كانت همسات السخرية تتسلّل إلى مسامعهما من كل جانب كأنها ظلال لا تنفكّ تلاحقهما.
راقبتهما مارلين من بعيد وقد استبدّ بها شعورٌ غريب وهي تتأمل المشهد… تذكّرت كيف حذّرت سيرين من قبل وأخبرتها أن ظافر ليس هو من أحبته بطفولتها ومع ذلك بدا ما تراه الآن مغايرًا لكل ما توقّعته. كان في الأمر ما يثير دهشتها ويبعث الحيرة في آنٍ واحد؛ حيرةٌ جعلتها تتساءل في صمت:
لِمَ لم تفعل سيرين ما كان متوقَّعًا منها؟ ولماذا اختارت البقاء؟
ثم انسابت أفكارها نحو جاسر الذي عاد فجأة إلى الواجهة وكأن حضوره أعاد خلط الأوراق من جديد.
في هذه الأثناء لم تعد سيرين تُلقي بالًا لسخرية الحشد ولا لنظراتهم الجارحة… وحين عادت إلى الغرفة برفقة ظافر بادرت إلى إجراء مكالمة هاتفية أخبرت فيها خادمتها في منزل فاطمة بأنها ستعود في اليوم التالي وما إن أنهت الاتصال حتى قال ظافر بصوتٍ خافت يحمل صدق الاعتذار:
«أنا آسف لكل ما مررتِ به اليوم.»
ارتسمت الدهشة على ملامح سيرين… ولو واجهت نفسها بصدق لأدركت أنها لم تشعر بالظلم في ذلك اليوم قطّ؛ ربما لأنها كفّت عن الاكتراث أو لأن الألم فقد قدرته على جرحها ففي زياراتها السابقة لقصر نصران لم يكن شعورها بالانكسار نابعًا من المكان أو الناس بل من ظافر وحده… ظافر الذي كان يومًا عالمها بأسره والسند الذي ظنته قادرًا على حمايتها وعلى أن يضع حدًّا لكل سخرية تُوجَّه إليها لكنه آنذاك اكتفى بالمراقبة من بعيد بينما كانت تقف وحيدة في مواجهة التنمّر ومع ذلك… لم تعد تلك المرارة تسكنها الآن.
قالت بهدوء:
«لا بأس، لقد أتيت إلى هنا بإرادتي.»
ثم أردفت بنبرة أكثر لم يستطع تفسيرها:
«لا تُحمّل نفسك ما لا يحتمل… جئت فقط لأنني لم أشأ أن أراك عرضةً لسخرية الناس لعجزك عن الرؤية… ففي النهاية لم تفقد بصرك إلا لأنك حميتني في ذلك اليوم.»
