رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتسعون 390 بقلم اسماء حميدة


  رواية عشق لا يضاهي الفصل الثلاثمائة والتسعون 


ما إن فرغت من قولها حتى شرعت سيرين تُهيّئ السرير بهدوءٍ متحفّظ ثم قالت بنبرةٍ حاسمة تخفي إرهاقها:

 

«سأنام على الأريكة هذه الليلة.»

 

قطّب ظافر حاجبيه وقال بصوتٍ لا يخلو من صرامةٍ مشوبة بالاهتمام:

 

«أنتِ حامل ويجب أن تنامي على السرير.»

 

لم تكن تتوقّع منه هذا القدر من اللين في مثل هذا التوقيت فتردّدت لحظة ثم لمّا استحضرت ثِقل التعب الذي يلازمها منذ حملها رضخت لاقتراحه بصمتٍ شاكر.

 

بعد أن انتهت من الاستحمام تمدّدت فوق السرير الفسيح واستوقفتها رائحته العالقة في الوسائد والأغطية؛ رائحةٌ دافئة مألوفة تسلّلت إلى حواسها دون استئذان وأربكت قلبها أكثر مما هدّأته.

 

أما ظافر فقد آثر الأريكة القريبة منها محاولًا أن يتكيّف مع ضيقها غير أنّ ساقيه الطويلتين لم تجدا موضعًا مريحًا فبدا كمن يتنازل عن راحته عن طيب خاطر.

 

وحين أُطفئت الأنوار ظلّ السكون سيّد المكان لكن النوم جفا عيني سيرين طويلًا؛ فبقيت مستلقيةً تحدّق في العتمة تتنازعها أفكارٌ صامتة ويوقظها حضورُه القريب ذاك القرب الذي لا يُلامس لكنه يُثقل القلب.

 

حين أطبقت سيرين جفنيها لاح لها وجه جاسر بملامحه الرقيقة طيفًا يتردّد في العتمة كذكرى لم تُحسَم… ازدحمت رأسها بأسئلةٍ كثيرة تتدافع بلا ترتيب غير أنّها لم تكن تدري إن كان يحقّ لها أن تطرحها أصلًا أم أن الصمت أرحم… لم تشعر بمرور الوقت ولا علمت كم طال بها الأرق حتى انسلت إلى النوم أخيرًا على استحياء.

 

في الخارج كانت الرياح تعصف بعنف تصطدم بالنوافذ كأنها تطرقها بإلحاح فلم تلبث أن غفت قليلًا حتى أفزعتها رؤيا مظلمة؛ فانتفضت من نومها وهي تهتف غريزيًا:

 

«ظافر!»

 

لم تمضِ سوى لحظات حتى أحاطت يدٌ كبيرة بيدها دافئة وثابتة… لم تدرك متى وصل ظافر إلى جوار السرير ولا كيف سبق قلقها وإذا به يسألها بصوتٍ منخفض حنون:

 

«ما بكِ؟»

 

كان قلبها يخفق بعنف، وصدى الحلم لا يزال عالقًا في صدرها؛ مشاهد السخرية والتنمر تطاردها بلا رحمة فلم تجد ما تقوله سوى أن تستجمع أنفاسها وتتنفّس بعمق ثم همست محاولة التخفيف:

 

«لا شيء… كان مجرد كابوس.»

 

ما إن وقعت كلماتها على سمعه حتى صعد ظافر إلى السرير بلا تردّد كأنه ينتظر ذلك القرار منذ اللحظة الأولى ومن ثم جذبها إلى صدره في حركةٍ غريزية، محكمة، تحمل من الطمأنينة أكثر مما تحمل من المفاجأة.

 

لوهلة تملّك الذهول سيرين وحين همّت بدفعه بعيدًا سبقها بصوتٍ هادئ، ثابت، ينساب كتعويذة أمان:

 

«لا تخافي… أنا هنا معكِ.»

 

ولسببٍ لم تستطع تفسيره سكن اضطرابها عند سماع كلماته كأن قلبها تعرّف إلى صدقه قبل عقلها فلزمت الصمت وتركت نفسها بين ذراعيه مستسلمةً لاحتوائه كمن وجد أخيرًا موضعًا آمنًا في قلب العاصفة.

 

ومع امتداد اللحظة وطول الصمت لم تستطع كبح السؤال الذي ظلّ يلحّ عليها فتمتمت بصوتٍ خفيض:

 

«ظافر… هل أنت متأكّد أنك لا تتذكّر سواي؟»

 

خفق قلب ظافر بقوّة وكأن السؤال مسّه في موضعٍ اربك أنفاسه ثم أومأ برأسه في يقين:

 

«أجل.»

 

وبعد أن تلقت هذا التأكيد عاد القلق يطرق بابها بإصرار فسألته مرّةً أخرى بصوتٍ متققطع خجول يحمل رجاءً عاريًا:

 

«وهل… تحبّني حقًّا؟»

 

لم يتردّد هذه المرّة أيضًا وأجابها بصدقٍ مباشر لا يحتمل المواربة:

 

«نعم.»

 

وكان ذلك اعترافًا لم ينطق به ظافر يومًا قبل أن يفقد ذاكرته، كلمةٌ خرجت متأخّرة لكنها جاءت مثقلةً بالمشاعر.

 

وبينما كانت سيرين مستقرةً بين ذراعيه كأن صدره صار وطنًا مؤقّتًا لقلبها المتعب ازداد يقينها بتلك الفكرة التي ظلّت تطرقها في الخفاء إذ شعرت لأول مرة أنها قادرة على تقبّل اللحظة كما هي بلا مقاومة، بلا شروط، وبلا خوفٍ من الغد ففي نهاية المطاف كان الطبيب قد قال إن استعادة ظافر لذاكرته أمرٌ غير مضمون وقد لا يحدث أبدًا… فتساءلت في سرّها:

 

أيمكن لقلبين أن يكملا الطريق على هذا النحو؟ بلا ماضٍ واضح وبمستقبلٍ معلّق على خيط رجاء؟ فقالت بصوتٍ خافتٍ متردّد تتعثّر كلماتها قبل أن تكتمل:


«لكنك… لم تكن تحبني في الماضي. وإن استعدتَ ذاكرتك يومًا، فهل ستفعل…»

 

انقطع صوتها قبل أن تُتمّ السؤال كأن الخوف لا زال يسدّ طريق الحروف.

 

لاحظ ظافر ارتجافها وشعر بانفتاح قلبها عليه كما تنفتح نافذةٌ في عاصفة فشدّها إلى صدره أكثر واحتواها كمن يخشى أن يفلت منه العالم وقال بثباتٍ يشبه العهد وبنبرةٍ تقطع الشكّ من جذوره همي:

 

«لا… أنا أحبك… أحبك الآن، وسأحبك إن عاد إليّ الماضي بكل ثقله… وإن استعدتُ ذاكرتي فلن أستعيد معها إلا هذا الحب… أنتِ ثابتة لا تتغيّرين، ولا يتبدّل بكِ القلب أبدًا.»

 

شدّت سيرين قبضتها على قميصه كأنها تتشبّث بكلماته خشية أن تتبخّر ثم بعد صمتٍ قصيرٍ مثقلٍ بالتردّد رفعت عينيها إليه وسألته بسؤالٍ خرج من عمق الوجع:

 

«وماذا… لو لم أعد أنا أحبك؟»

 

سؤالٌ عارٍ، صريح، ارتجفت فيه الروح قبل الشفاه كأنها تختبر صدقه الأخير وتلقي بقلبها على حافة الاحتمال.

 

حاولت سيرين أن تتقبّل الفكرة لا من أجل قلبها وحده بل من أجل ثلاثة قلوبٍ صغيرة؛ زكريا ونوح والروح التي تنبض في أحشائها تنتظر الحياة… عندها تجمّد ظافر للحظة كأن كلماتها أصابته في موضعٍ لم يكن يتوقّعه فرفع يده إلى وجهها يلامس وجنتها بحنوٍّ مشوبٍ بالذهول وابتلع ريقه قبل أن يقول بصوتٍ مبحوح:

 

«هذا هراء… ولماذا أصلًا؟ أيمكنكِ أن تكفّي عن حبّي؟»

 

ففي ما تبقّى من ذاكرته كانت صورتها محفورة بوضوح؛ امرأة أحبّته بصدق ومنحته قلبها بلا حساب.

 

مال إليها وقبّل وجنتها قبلةً رقيقة كأنها وعدٌ لا يُقال وعندما شعر بدفء جسدها يتسلّل إليه يوقظ فيه إحساسًا عميقًا بالانتماء ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ جريئة لا تخلو من عناد عاشق نال من استجابة جسدها إليه لمحة ثقة فأحكم ذراعيه حولها وقال بنبرةٍ ممتلئة بالعزم:

 

«وإن حدث وافترضنا أنكِ لم تعودي تحبّينني… فسأجعلكِ تحبّينني من جديد… سأقاتل من أجل قلبك وأغار عليه من الدنيا كلّها ولن أسمح لشيءٍ أن ينتزعه من صدري.»

 

لم تكن سيرين تدرك تمامًا ما الذي يدور في أعماقه ولا إلى أيّ مدى تغيّر هذا الرجل… كلّ ما كانت تشعر به الآن أنّه لم يعد ذاك الذي عرفته من قبل؛ كان أكثر حضورًا، أعمق إحساسًا، كما قالت فاطمة تمامًا إن استمرّ هذا التحوّل بهذا الصدق المتدفّق وبهذا العشق الذي لا يساوم، فربما… وربما فقط… كان بإمكانهما أن يمضيا معًا، لا خوفًا ولا اضطرارًا، بل اختيارًا، وحبًّا، وقدرًا مكتوبًا بسجع القلوب قبل سطور الأيام.

 

بينما كانت سيرين غارقةً في أفكارها تتلاعب بها الهواجس كما تتقاذف الأمواج قاربًا صغيرًا انفلت زمام ظافر من بين يديه فمال إليها أكثر يلثم جبينها بقبلة أمانٍ ووعد ثم انحدر بأنفاسه نحو أنفها وشفتيها يقبّلهما بتمهّلٍ مريب كمن يتذوّق اللحظة قبل أن يتركها تفلت.

 

وحين انتبهت سيرين لما يجري كانت المفاجأة قد سبقتها؛ فارتبك وعيها وتسارعت أنفاسها عندما أدركت ما كان يحدث… فهذا الماكر كان قد جردها من جميع ملابسها بالفعل فهمست باسمه مذعورة:

 

«ظافر…»

 

فأطبق بكفّه على فمها في حركةٍ سريعة لا ليكمّمها بل ليهدّئ ارتجافها ثم عاد فاحتواها، يضمّها إلى صدره من جديد… وبرغم عماه ثبّت نظراته في عينيها لوهلة ظنت أن البصر عاد إليه دفعةً واحدة؛ إذ أسر نظراتها فأحاطها بهالة سيطرةٍ أربكتها… كان قريبًا حدّ الفتنة، جذّابًا حدّ الذهول؛ أنفاسه العطرة تزلزل كيانها وتشدّها إليه دون عناء ثم توقّف فجأة يرصد تغيّر جسدها، يقرأ رغبةً تتصارع مع عنادها المضطرب.

 

وفي تلك اللحظة أدركت بحدسٍ مرتجف أنّ المسافة بينهما قد تلاشت إذ شعرت بدفء بشرته تلامس جسدها وأن ملابسه قد اختفت أيضاً فوضعت يديها بينهما على عجل كمن يرفع راية النجاة قبل الغرق وقالت بصوتٍ خافتٍ لكنه حاسم:

 

«لا أريد ذلك.»

 

توقّف كلّ شيء… سكن الشغف في صدريهما سكون الموج حين يُؤمر بالهدوء وبقيت اللحظة معلّقة بين نبضٍ يتسارع وحدودٍ تُصان؛ شغفٌ مكبوت، ووعدٌ مؤجَّل، وكلماتٌ لم تُقَل لكنها ظلّت تتردّد في الفراغ كصدى حلمٍ لم يكتمل.

تعليقات