![]() |
رواية لغز الست عزيزة الفصل الثالث بقلم كوابيس الرعب
"تحت البلاط .. ومملكة عزيزة"
في اللحظة اللي النور طفى فيها، حسيت ببرودة في الجو خلتني مش قادر أخد نفسي، كأن الأوكسجين انسحب من الشقة
صراخ بابا كان مكتوم، زي ما يكون بيصرخ وهو تحت المية ماما كانت بتصرخ باسمه وهي بتخبط في الحيطان في الضلمة، لحد ما فجأة .. سكتت هي كمان
"ماما! بابا! أنتم فين؟"
كنت بزعق بأعلى صوت عندي، بس صدى صوتي كان بيرجع ليا بشكل غريب، كأنه بيخبط في جدران واسعة مش جدران شقتنا ولعت كشاف الموبايل وإيدي بتترعش، ونورته في الصالة
الصالة كانت فاضية تماماً، مفيش أي أثر لبابا ولا لماما، ولا حتى للسفرة اللي كانت مرصوصة
بس شفت حاجة خلت قلبي يقع في رجلي .. كان فيه خط "جرجرة" طويل على الأرض، بادئ من الصالة وداخل لغرفة المكتب
الخط ده مكنش دم أحمر، كان "سائل أسود" لزج ريحته زي ريحة المقابر والورد المعفن
مشيت ورا الأثر وأنا مش واعي، كأن فيه قوة خفية بتشدني وصلت لباب المكتب اللي كان موارب
الهوا اللي طالع من الأوضة كان سخن جداً، عكس برودة الشقة فتحت الباب .. ودخلت وياريتنى مادخلت
الأوضة اتغيرت مكنتش مجرد مكتب حتى السجاجيد كانت متشالة، والكنبة القديمة موجودة في ركن وفي نص الأوضة، كانت "عزيزة" قاعدة على الأرض، وحواليها دايرة من شموع سوداء ريحتها بتدوخ وبابا وماما؟ كانوا قاعدين وراها، مربطين بحبال غليظة من ليف النخل، وبوقهم متخيط بخيط أسود تقيل!
عينيهم كانت مليانة رعب، دموعهم نازلة بس مفيش صوت بيطلع
عزيزة بصيت ليا وضحكت، ضحكة مكنتش طالعة من بوقها، كانت طالعة من "الأرض" تحتها
"تعالى يا واد يا نوح .. أنت اللي فضلت عشان تشهد على العقد"
قربت خطوة وأنا مرعوب :
"عقد إيه؟ سيبيهم يا عزيزة، خدي الشقة، خدي اللي أنتي عايزاه بس سيبيهم!"
عزيزة قامت وقفت، وفجأة طولها بدأ يزيد، وسقف الأوضة كأنه بيعلى معاها
شققت الأرض بضوافرها الطويلة، وبدأت تشيل البلاط واحدة ورا التانية بمنتهى القوة والسرعة
تحت البلاط مكنش فيه رمل وخرسانة لا .. كان فيه "سرداب" غريق، وفي قاعه كان فيه تابوت خشب قديم جداً، متغطي بلوح مكتوب عليها طلاسم بماء الذهب
"الباشا ممتش بظروف طبيعية يا نوح،" عزيزة قالت وهي بتمسح بوقها بكم عبايتها، "الباشا اتقتل غدر عشان ياخدوا ثروته، وأنا اللي شربت دمه عشان أقدر أحفظ روحه هنا أنا مش خدامة .. أنا 'الحارس'
وعشان الروح دي تفضل ساكنة وهادية، لازم كل ٤٠ سنة، حد من دم جديد يجدد العهد"
طلعت من جيبها "سـ..ـكينة" قديمة ايدها من العظم، وقربت من بابا
بابا بدأ يهز جسمه بعنف وهو بيحاول يفك الحبال، وعينيه بتقولي : "اجري يا ابني!"
عزيزة كملت كلامها وهي بتلمس رقبة بابا بنصل السـ..ـكينة : "الدم بالدم .. والروح بالروح
لو عايز أبوك يعيش، لازم تطلّع 'الأمانة' اللي الباشا شايلها في صدره تحت في التابوت"
بصيت للسرداب، كان عميق ومظلم، وريحة العطن اللي طالعة منه تقتل
مكنش قدامي حل تاني نزلت السرداب وأنا حاسس إن جدرانه بتضيق عليا وصلت للتابوت، وبمجرد ما لمست الخشب، سمعت صوت همس آلاف الأصوات في ودني : "افتح .. افتح .. افتح .."
فتحت غطا التابوت بجهد جهيد مكنش فيه جثة كان فيه "هيكل عظمي" لابس بدلة كاملة وطربوش، وفي مكان القلب، كانت فيه "علبة معدن" مصدية وعليها ختم شمع أحمر
أول ما مسكت العلبة، التابوت كله اتهز، والهيكل العظمي مسك إيدي بقوة مرعبة! عظام صوابعه كانت بتغرس في لحمي وفوق، سمعت صرخة عزيزة وهي بتقول :
"هاته .. هاته وعيش أنت وأهلك!"
طلعت العلبة بالعافية وأنا بصرخ من الوجع، ورميتها لعزيزة فوق
أول ما مسكتها، سابت بابا، وفتحت العلبة بجنون مكنش فيها دهب ولا مجوهرات لا .. كان فيها "لسان" بشري حقيقي، لسه بيتحرك وكأنه حي!
عزيزة خدت اللسان وحطته في بوقها وبلعته، وفي لحظة، جلدها اللي كان شاحب بدأ يرجع له اللون، وعينيها اللي كانت فاضية ظهر فيها نني بشري بصيت ليا وقالت بامتنان مرعب : "دلوقتي بس .. الباشا يقدر يحكي مين اللي قتله"
فجأة، الشقة كلها اتهزت كأن فيها زلزال مدمر الحيطان بدأت تتشقق، وصورة الباشا اللي على المكتب بدأت تنزف دم عزيزة اختفت في لمح البصر، والحبال اللي على بابا وماما دابت كأنها دخان
جريت عليهم وفكيت الخيط اللي على بوقهم، وكانوا بيترعشوا ومنهارين
بابا مسك إيدي وقال : "يلا من هنا .. الشقة دي بتنهار!"
وإحنا بنجري لباب الشقة، بصيت ورايا للمكتب .. شفت عزيزة واقفة، وجنبها راجل ببدلة وطربوش، ملامحه كانت واضحة جداً وجميلة، بس رقبته كانت "مـ..ـذبوحة" الراجل ده شاور ليا بإيده كأنه بيودعني، وعزيزة قفلت باب المكتب بهدوء واختفوا هما والباب والحيطة تماماً!
طلعنا الشارع وإحنا بننهج، والناس كانت ملمومة قدام باب العمارة
عم إدريس البواب قرب مننا وهو وشه أبيض وقال :
"أنتم خرجتوا إزاي؟ الشقة رقم ٤ محروقة من ساعة ما دخلتوا!"
بصينا لفوق .. الشقة فعلاً كانت طالع منها دخان أسود كثيف، والنار واكلة الشبابيك .. مع إننا جوه مشفناش نار واحدة!
بس الحكاية منتهتش هنا
لما رجعنا بيت عمتي عشان ننام، بابا قلع قميصه، ولقينا على ضهره علامة "كف" محروقة، وجواها مكتوب :
(الحساب لسه مخلصش .. اللي قـ..ـتلوني لسه عايشين في ولادهم)
مين هما اللي قـ..ـتلوا الباشا؟ وإيه علاقتهم بعيلتنا؟ وهل عزيزة هتطاردنا عشان ننتقم للباشا؟
