رواية قلب السلطة الفصل السابع والاربعون
لم تكد "يقين " تستقر بابتسامتها على ذراع "شامل"، ولم تزل أصداء حلمها بفرح يشبه هذه الليلة تتردد في صدرها، حتى انسل صوت نسائي رحيم من خلفها، واثق... ثابت... كأنه يعرف طريقه جيدا إلى القلوب قبل الأذان
" يقين هانم... سورة"
انتفضت "يقين " انتفاضة خفيفة، واستدارت ببطى لتقع عيناها على امرأة تتقدم نحوهما بخطى محسوبة، لم يكن في مظهرها ما يخطئه النظر أناقة فاخرة، حضور نافذ، وملامح لعلن
الثراء والسلطة دون حاجة إلى تعريف.
تماسكت يقين" سريعا، وردت بابتسامة مهذبة، وإن شابها تحفظ غريزي:
" متشكرة ... بس حضرتك مين؟ أنا أعرفك ؟"
ضحكت السيدة ضحكة ناعمة محسوبة، وكأنها تلقي بطعم مغلف بالود، وقالت بنبرة ودودة تخفي تحتها ما هو أعمق:
- "معلش... الظروف ماخلتناش تتعرف كويس، بس إن شاء الله من هنا ورايح إحنا حبايب.....
نروح ونجي على بعض كثير."
انگشت ابتسامة "يقين " تدريجيا، وارتسمت في عينيها علامة استفهام صريحة
نروح ونجي على بعض ؟ حضرتك مين؟"
لم تتخل السيدة عن هدوئها، بل اقتربت خطوة أخرى، وألقت بكلماتها بنبات قاطع، كأنها لا تدرك أو لا تهتم بما ستحدثه:
"أنا نادين الزغبي... مرات أسر العربي، معرفة بيت غالي، والد ليلى مرات أخوكي "
توقفت لحظة قصيرة، ثم أضافت الجملة التي كانت كفيلة بقلب المشهد رأسا على عقب:
" وبالمرة ... أبقى أم غيث... جوز نيرفانا الذهبي، بنت أخوكي رائد بيه"
ارتج المكان من وقع الاسم.
تحمد الهواء.
وتوقف النبض في الصدور.
"غيت... جوز مين ؟!"
لم تخرج الصرخة من " يقين"، التي تحولت إلى تمثال حامد، بل انفجرت من "شامل "، الذي انتقض كان صاعقة هوت على رأسه، اختفت ابتسامته الماكرة في لحظة، وحل محلها ذهول
حاد ورفض صريح، وعيناه لتسعان بما لا تحتمله الصدمة.
ارتبكت "نادين" تحت وقع رد الفعل، لكنها حاولت التماسك، وقالت بقلق صادق هذه المرة:
"غيت... ابني... جوز نيرفانا بنت رائد بيه مالكم ؟ هو رائد بيه ما قالش ؟ معقول ؟"
ساد صمت تقيل ... صمت كاد يطبق على الأنفاس.
وفي تلك اللحظة ذاتها، كان "رائد" في الأعلى يفتح باب الغرفة، ويخرج بنيرفانا إلى القاعة، غير عالي بالعاصفة التي انفجرت في الأسفل، ولا بالدمار الذي خلفه قراره خلفه.
قلب السلطة | بقلمي مروه البطراوي
تجمدت الدماء في عروق "شامل"، ولم تكن الصدمة نابعة من المفاجأة فحسب، بل من مرارة
"الهزيمة " التي استشعرها بغتة كانت عيناه تدوران في محجربهما كذئب خصر في زاوية ضيقة، بينما كانت "نادين الزغبي " تتأملهما بفضول ممزوج بانتصار طبقي لا تخطئه العين.
تمتم "شامل" بصوت مخنوق، وعروق عنقه بارزة كحبال مشدودة - "غيت العربي؟.. نيرفانا اتجوزت غيث العربي ؟ إمتى.. وإزاي ؟"
التفتت " يقين " إليه، كانت ملامحها لوحة من الضياع، تنظر الشامل تارة ولنادين تارة أخرى. وكأنها تحاول استيعاب أن " الفرح " الذي كانت تحلم بمثله منذ لحظات، قد تحول إلى لغز أسود يخص عائلتها هي قالت بصوت مرتعش - "شامل ... أنت فاهم حاجة ؟ رائد عمل كده من
ورايا؟ أنا أخته الوحيدة "
لم يمنحها شامل إجابة، بل كانت نظراته مصوبة نحو السلم الرخامي، حيث بدأت الأضواء المسلطة تتحرك ببطء لتعلن عن ظهور "الملك وابنته".
ضحكت نادين باقتضاب، وهي تعدل من وضع عقدها الماسي، وقالت ببرود: "يا حبيبتي يا یقین راند بيه مش أي حد.. ده رائد بيه أكيد كان مرتب كل حاجة عشان تبقى المفاجأة بجد.
وبعدين غيث ونيرفانا لايقين على بعض أوي مش كده يا .. يا استاذ شامل؟"
نطق شامل اسمها وكأنه يلفظ سما: - "يا محاسن الصدف... نادين هانم الزغبي بنفسها بتبشرنا "
في تلك اللحظة، صدحت موسيقى مهيبة في أرجاء القاعة، وانفتحت الأبواب العلوية على مصراعيها، ظهر "رائد" ببدلته السوداء الفاخرة، يخطو بثبات يحسد عليه، ونيرفانا بجانبه كفراشة بيضاء مسلوبة الإرادة، وجهها مخفي خلف طرحة رقيقة، لكن جسدها كان يرتجف برعشة خفيفة لم يلحظها سوى رائد الذي كان يضغط على ذراعها برفق "أمر".
همس "شامل " وهو يجز على أسنانه، وعيداه تلمعان بوعيد لم يره أحد - "لعبتها صح يا رائد... قلبت السلطة كلها لصالحك في ليلة واحدة... بس اللعب لسه مخلصش."
انتبهت "يقين" لنبرة شامل الغربية، فجذبت ذراعه بهلع - "شامل انت بتقول ايه؟ رائد نازل لازم تطلع نستقبله"
لكن شامل لم يتحرك، ظل واقفاً مكانه، يراقب "رائد" وهو ينزل السلم بكل هيبة، وكأنه يرى فيه
لخصماً أزاحه عن رقعة الشطرنج بضربة قاضية.
على الجانب الآخر من القاعة، بدأت الهمسات تتصاعد بين المدعوين كالنار في الهشيم، والكل
يترقب ظهور "العريس" الذي سيتسلم العروس من يد "رائد ".
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوي
توقف "رائد" عند آخر درجة قبل أرض القاعة.
لم يحتج أن يتلقت كثيرا ... كان يعرف تماما أين ستقع عيونهم، وأي وجوه ستنهار، وأي صمت
سيصرخ باسمه.
انفصلت "نيرفانا" عن ذراعه بهدوء محسوب، وقفت إلى جواره نصف خطوة خلفه، كأنها ظل القرار لا صوته. رفعت عينيها قليلا، فالتقت نظرات "يقين".
لم تبتسم.
لم تعتذر.
بل اكتفت بنظرة طويلة، مشوشة، تشبه من سار إلى مصيره وهو مغمض العينين.
قطع "شامل " المسافة بينه وبين "رائد" في خطوتين حادثين، وصوته خرج أجش، لا يعرف المدارية:
"إيه اللي بيحصل ده يا رائد؟!
ثم أشار بيده إلى القاعة، وإلى الثوب الأبيض، وإلى "نادين":
- "جواز؟! وإنت سابينا آخر ناس تعرف ؟!"
رفع "رائد" حاجيه ببرود، وكأنه يتلقى سؤالاً إداريا لا صرخة رجل مكسور
" وأنا مطالب أشرح قراراتي لمين؟"
اشتعلت عينا "شامل"، واقترب أكثر، غير عايبي بالنظرات المتجمعة:
دي نيرفانا، بنتك ، ودي يقين أختك "
تحركت "يقين" أخيرا.
لم تصرخ
لم تبك.
" وأنام"
لكن صوتها حين خرج كان أخطر من الاثنين.
التفت "رائد" إليها ببطء نظرة مستقيمة ثابتة، بلا زينة.
- " إنت عارفة إنك عمري ما تدخلتي في قراراني.
ابتسمت "يقين" ابتسامة مشروخة، وقالت بنبرة موجوعة لكنها صلبة:
بس عمري ما اتخذت قرار من غير ما أقولك."
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت الموسيقى البعيد.
تنفست "نيرفانا" يعمق، وكأنها تجمع شجاعة متأخرة، وقالت بهدوء مرتبك:
"عمو ... لو سمحت .."
لم يكملها "رائد".
رفع يده إشارة للصمت، وقال دون أن ينظر إليها:
- "اللي حصل حصل "
ثم أضاف، موجها حديثه للجميع
الجوازة دي ضرورة مش رفاهية، ومش موضوع مشاعر."
ضحك "شامل " ضحكة قصيرة خالية من الفرح
- "ضرورة لمين؟ "
نظر "رائد" حوله، نظرة رجل يحسب خسائره ولا يخشاها
للكل... حتى اللي مش فاهم دلوقتي "
اهتزت " يقين " عند الجملة.
اقتربت خطوة، حتى صارت أمامه مباشرة
"حتى نيرفانا ؟ "
هنا فقط ... التقت "رائد" إلى ابنته.
نظر إليها نظرة طويلة قاسية أبوية، وقال بصوت منخفض لا يسمعه سواها:
- " أكثر واحدة."
انخفضت عينا "نيرفانا".
وفي تلك اللحظة، فهم الجميع أن العروس لم تكن منتصرة ....
بل مقدمة كقربان
في طرف القاعة، كانت "نادين" تراقب المشهد بصمت حذر بينما تقدم "غيث" يخطوات
مترددة، وكان الأرض تحته لم تعد ثابتة.
نظر إلى "نيرفانا"، ثم إلى "رائد"، وقال بصوت حاول أن يبدو واثقا:
"أنا ... مش فاهم ليه مقولتش ليهم ؟"
التفت إليه "رائد" أخيرا، وقال بلهجة حاسمة أنهت الجمل:
"مش مطلوب منك تفهم... المطلوب تنفذ "
وهنا .....
انكسرت آخر شعرة صبر عند "يقين".
- "كفاية"
صرختها شقت القاعة، وأسكنت الموسيقى، وجذبت كل العيون.
"إنت بتتكلم عن بنتك وعن جوزها وعننا ... كأننا ورق في صفقة "
اقتربت أكثر وعيناها تلمعان بدموع لم تسقط بعد:
" إنت مش ملك ... ولا إحنا رعايا"
حذق فيها "رائد" طويلاً.
ثم قال بهدوء مخيف
" في بيتي... أنا الملك "
ساد صمت قاتل
وفي قلب "يقين"، سقط آخر شيء كان يشبه الاخ.
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوي .
كان العريس متألقا ببذلته السوداء، وبالرغم من كل ما يحدث كان متقد النظرات، يكاد يلتهمها
بعينيه شغفا. وعندما من "رائد" يد ابنته ليده، قبلها على رأسها،
وقف رائد قليلا يتابعهم، و"غيث" يحتضن عروسه أمام الجميع، يلاطفها، يطبع القبل على خديها تمايلت الموسيقى إيذانا بالرقصة الأولى، فانسابا إلى ساحة الرقص، وسط تصفيق وضحكات الحضور.
أما على الجانب الآخر، فقد كان "شامل " يحترق قلبه يشتعل أنفاسه تتلاحق، بصره يضطرب. تواجهت النظرات تحد من شامل وبرود قاس من راند. لقد انكشف كل شيء.
قالت "يقين " بلهجة متوترة: "أنا مش مصدقة اللي انت عملته " ثم أردفت بعنف: "إزاي تعمل كده؟ إزاي تجوز بنتك من ورانا وتخلينا ليجي زي الغرب؟ ده الغرب طلعوا أحسن مننا كانوا عارفين قبل ما يجوا!"
اجابها "رائد" ببرود شدید - حبيت أعملها لكوا مفاجأة بقالي كثير ما لعبتش معاكوا يا يقين... ولا ايه يا شامل؟"
غرس نظراته الحادة في عينى "شامل"، قاطبق الأخير قبضته على أسنانه، بينما ارتجف قلب "يقين" وهي تصيح: "إنت أكيد اتجننت يا رائدا إيه اللي يخليك تعمل كده وتخبي علينا ؟ مالكش أي عذر... عيب على مركزك وسنك حتى"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة - "عندك حق، أنا فعلا كنت غلطان في حاجات كثير.... بس الليلة دي مصلح كل غلطاتي وزواج نيرفانا ... أول غلطة اتصلحت الحمد لله "
صوب نظره مباشرة إلى "شامل"، فأدرك الأخير المغزى اشتعل الغضب في عينيه أكثر فأكثر. بينما كانت " يقين" تقول مذهولة : - "أنا مش قادرة أصدق اللي إنت بتقوله شامل .... اتكلم! قول أي حاجة .... انت ساكت ليه ؟ "
وإذا بـ "رائد" يتفجر ضاحكا ... ضحكة عالية هستيرية جذبت أنظار الحاضرين، ارتبك "شامل". نظر حوله في توتر، بينما استمر "رائد" يضحك بلا كابح، حتى علا صوته على وقع الموسيقى والهمسات. ثم بين نوبات ضحكه صاح - شامل مش هيتكلم يا كوكي .... أنا اللي هتكل! بس انكي على الصبر... ما تستعجليش ... ولا إيه يا شامل ؟"
تجمدت الأجواء، وازدادت الضحكات غرابة ... حتى بدا المشهد كله على شفا هاوية.
قلب السلطة بقلمي .
انطلقت السيارات السوداء تخترق سكون الليل تتبع بعضها في موكب جنائزي المهابة، حتى توقفت فجأة أمام مبنى قديم ذو طابع كلاسيكي، تحيط به أسوار عالية وأشجار كثيفة تحجب ما وراءها، لم يكن هذا منزلاً، بل بدا وكأنه مخزن خاص أو "أتيليه" مهجور في منطقة معزولة.
ترجل "رائد" بهدوء، وفتح الباب لـ " يقين " بنفسه في إيماءة تجمع بين الرقي والسيطرة.
ترجلت " يقين" وهي تلملم فستانها، تنظر حولها بريبة، بينما نزل "شامل " خلفها، وعيناه تجوبان
المكان بحثاً عن أي تهديد، ويداه منقبضتان داخل جيوبه.
دخلوا إلى ردهة واسعة، كانت الإضاءة فيها خافتة تعتمد على مصابيح صفراء قديمة، في منتصف القاعة، كان هناك طاولة خشبية ضخمة وضع فوقها "رائد" مفاتيح سيارته وساعته، تم التفت إليهما وهو يفك أزرار أكمامه ببطء:
عارف إن المكان غريب.. وعارف إن الأسئلة في دماغكم كثير... بس هنا، مفيش وزير، ولا في حراسة بتسمع، ولا في تمثيل "
سحب "رائد" مقعداً خشيباً وجلس، مشيراً لهما بالجلوس، لكن "يقين" ظلت واقفة، وقالت بصوت يرتجف من شدة الانفعال - خلص يا راند... مفيش داعي للمقدمات دي. انت عايز إيه؟ ليه جرتنا وراك زي العيال الصغيرة بعد ما كسرت فرحتنا بوجودنا وسط الناس؟"
ابتسم "رائد" ابتسامة غامضة. ثم نظر إلى "شامل " الذي كان يراقب كل حركة يقوم بها رائد بتركيز قاتل، وقال: "شامل... إنت أكثر واحد عارفني. تفتكر أنا جاييكم هنا عشان أعتذر؟ ولا عشان أقولكم إن اللي حصل كان غصب عني ؟"
اندفع "شامل " خطوة للأمام، وقد نفد صبره - "إنت جايبنا هنا عشان تفرض سيطرتك يا رائد. عشان تقول إنك لسه ماسك الخيوط كلها. بس اللعبة دي قدمت.. يقين مش هتبقى تحت
طوعك تاني، وأنا مش هسيبك تلمس شعرة منها."
ضحك "رائد" ضحكة خافتة جافة، خالية من أي مرح، ثم نهض فجأة واقترب من لوحة مغطاة بقطعة قماش سوداء كانت مسندة إلى الحائط. وضع يده عليها وقال بنبرة هادئة ومخيفة -" السيطرة مش محتاجة مكان مهجور يا شامل.. السيطرة محتاجة حقيقة"، وإنتو الاثنين عايشين في كذبة بقالها سنين."
بلمحة سريعة جذب "رائد" القماش الأسود لتظهر خلفه مجموعة من الصور والوثائق القديمة المرتبة بعناية، وصورة كبيرة تجمع بين "رائد" ورجل آخر يشبه "شامل" إلى حد مذهل، لكنه كان غارقاً في دمائه في زاوية من زوايا الصورة.
شحب وجه "يقين" تماماً، وتراجعت خطوة للخلف وهي تضع يدها على فمها، بينما تسمر "شامل" في مكانه، وبرقت عيناه بصدمة زلزلت كيانه.
قال "رائد" وهو ينظر في عيني " شامل" مباشرة - "اللي مات في حضني اليوم ده يا شامل... ماماتش بسببي زي ما يقين مفهمالك. اللي مات ده كان بيحاول يحميني من أبوك.. الشخص اللي انت فاكره بطل، و اللي خلاك تدخل حياتي علشان تنتقم مني ليه كان هو اللي بايعنا كلنا "
ساد صمت مميت لم يقطعه إلا صوت أنفاس "يقين" المتلاحقة، التفتت إلى "شامل " بذعر، ثم إلى "رائد"، وقبل أن تنطق، قال "رائد" بحدة - دلوقتي بس... نقدر نصفي الحساب يا ترى يا شامل هتصدق الست اللي غرست فيك الكره من ناحيتي، ولا هتصدق الورق اللي قدام عينك ؟ "
قلب السلطة بقلمي مرود .
استيقظ الغول من غفوته الثقيلة.
فتح عينيه ببطء بالغ، كأن جفنيه صخرتان تتنازعان الاستيقاظ، شعر برأسه متضخفا، كأنه مجزة مترامية الأطراف، يثقل كيانه، ويموج داخله بصدى منشط يشبه الفجار نجوم بعيدة. وقعت عيناه على الغرفة من حوله ....
تاسعة موحشة متسعة كتيه بلا نهاية. لا حياة فيها، لا يهجة، لا أثر لملذات اعتاد أن تحيط به كطقس يومي.
لا طاولة خمور تلمع كؤوسها في الضوء
ولا شقراء تتربص عند حاشية سريره، تتعلق بمنزره القطني كان وجودها معلق بوجوده. بحث بعينين متقلتين عن خادمه الذي كان يهرع إليه مع الفجر، عن طاولة الفطور الباذخة، عن الضجيج المعتاد.. فلم يجد شيئا.
لا زينة، لا حضور، لا لذة.
فقط أتات عار كتيب جامد....
كأنه شاهد صامت علی انکساره.
وفي قلب هذا الفراغ، تسللت إليه فكرة باردة:
كان يذا خفية أعادت تشكيل المكان عمدا.
يدا قاسية، متحكمة ...
يد نيرفانا.
كأنها جردته من كل ما اعتاد عليه، لتتركه وحيدا أمام ذاته، أمام سلطته التي بدأت تتاكل في صمت مهيب.
إليها....
كان الصمت يخيم على الغرفة، ينقل الهواء كما لو أنه غبار خانق.
قطع "غيت" السكون فجأة، وصوته خرج صلبا متماسكا، كالسيف حين يشهر:
عشان كده رائد بيه قالي الكلام ده
قالها بلهجة مشدودة مشبعة بالاتهام والتوجس
لكن "نيرفانا" لم تجب...
بقيت صامتة، ساكنة النظرات، كأنها تنظر إلى ما وراءه... إلى شيء لا يراه.
زاد الصمت من احتقانه، فتابع باستخفاف واضح، يقوس شفتيه بازدراء
"عموما ... أنا ما يهمنيش حياتك كانت ماشية إزاي قبلي.
الكل عارف إنت جاية منين... وقضيتي حياتك ازاي ..
قست ملامحه، وتصلب وجهه كصخرة، ثم أردف بصوت اجش
بس لو لاحظت في يوم سلوك مش هو .... هزعل أوي يا مراتي.
الجوازة دي ماكنتش على مزاجي أصلاً.
فهعتبر نفسي ضاربت على سهم عالى وسقط فجأة، زي البورصة"
توقف لحظة، ثم أضاف ببرود مهند:
" إنما على أي حال ... هتفضلي مراتي، وهتلتزمي بعاداتي. غير كده..."
قاطعته "نيرفانا" بحدة، وعيناها تقدحان شررا
- "غير كده ايه؟"
أثارته جرأتها.
ذلك التحدي العاري في نبرتها.
شعر كأنها تنزع عنه هيبته قطعة قطعة.
احمر وجهه، وقبض كفه على ذراع الكرسي المصنوع من خشب الجوز حتى كاد الخشب يصرخ.
ثم قالت بنبرة مستقيمة، قاطعة:
"إنت جوزي... ما قلتش حاجة.
ابتسمت "نيرفانا" باستخفاف، وكأنها تستمتع بإشعال النيران داخله.
وأنا عارفة حدودي كويس.
بس مش هسمحلك تكلمني بالطريقة دي ثاني "
سكنت لحظة، ثم تابعت ببرود محسوب:
"عديتك دلوقتي عشان مقدرة الإحباط... أو الصدمة اللي انت فيها.
بس خليك متأكد:
لما أعوز أعمل حاجة، هعملها ... ومش هخاف منك "
اقتربت بنظرتها أكثر وأضافت بهدوء أخطر من الصراخ:
"ساعتها قدامك اختبارات... وهتبقى حر تختار اللي يريحك.
غیر کده یا بیبی ... مالکش عندي حاجة، أوكي؟"
كانت كلماتها سهاما مغروسة في كبريائه.
قال من بين أسنانه، ونظراته تشتعل
"شكلنا هنتعب مع بعض أوي يا حبيبتي "
ابتسمت ابتسامة ناعمة ... مسمومة:
بس أنا مش ناوية أتعبك يا غيث.
صدقني ... كل حاجة هعملها، أنت اللي تحددها بتصرفاتك"
تثاءبت بتصلع، وقالت ببرود لاذع
نهضت بتكاسل متعمد خطواتها واثقة أنو تنها مستعرضة بلا خوف.
" أنا تعبانة ... اليوم كان طويل.
تصبح على خير يا بيبي... أشوفك الصبح."
ثم أرسلت قبلة في الهواء، لا تحمل وذا، بل إعلان تمزد صريح، واستدارت نحو الفراش
ظل "غيث" جالشا يحدق في أثرها.
نار تغلي في صدره، ومشاعر متضاربة تمزقه:
غيرة؟
رغية ؟
جرح كرامة ؟
أدرك أن شغفه بها لم يكن برينا، لكنه الآن أمام اختبار قاسي:
إن خضع ... خسر نفسه.
وإن واجه... دخل حربا لا يعرف نهايتها.
ألقى برأسه للخلف، وصورة "رائد " تومض في ذهنه، وصدى صوته يتردد كجرس إنذار.
عض على شفتيه وهمس في داخله:
يا نيرفانا... إنت فتحتي باب... وأنا مش عارف هعرف أقفله ازاي"
قلب السلطة بقلمي مروه البطراوى .
كان الليل قد تمدد فوق الصحراء كستار كثيف يبتلع الطريق ويترك القمر وحيدا، شاحبا، كعين
تراقب ولا تتدخل...
البيت لم يكن مخيفا بقدر ما كان فارغا. فراغ تقيل، خالق، كأنه يحمل أنفاضا قديمة لم تدفن.
الغبار يكسو كل شيء، والأثاث متروك كذكريات فقدت معناها.
قادهم إلى الغرفة الداخلية.
كانت أوسع، أنقل ... وفي قلبها سرير قديم، تتدلى من قوائمه سلاسل صدئة، لا توحي بعنف
مباشر بقدر ما توحي باحتجاز، بعزلة، بسر مخفي...
توقفت يقين مكانها.
شعرت بأنفاسها تضيق، لا يسبب ما ترى... بل بسبب ما تفهمه.
تناثرت على الأرض بقايا أشياء
وشاح نسائی کتاب مدرسي، زجاجة ماء فارغة.
أشياء عادية ... لكنها في غير موضعها.
نظرت إلى رائد فارتجفت.
ملامحه كانت جامدة، لكن عينيه كانتا تقليان. لم يكن غضبا أعمى ... بل غضب رجل يعرف.
نادي بصوت منخفض، لكنه نافذ - دياب .
ظهر الحارس فورا.
تحت أمرك يا باشا.
نظر إليه رائد طويلا، ثم قال: - خليك برا محدش يدخل... مهما حصل
تردد زیان لحظة تمام.
خرج، وأغلق الباب.
ساد صمت خالق
تجمد شامل
قال رائد يهدوء أخطر من الصراخ - كنت فاكر إن السكوت هينسيني ؟
فاكر إن قربك من أختي هيغطي على اللي عملته؟
شهقت يقين - عمل ايه ؟!
رفع رائد يده
تحالف مع غريمي ضد بنتي
تراجع شامل خطوة صوته مبحوح - أنا ... أنا كنت بحاول أحميها.
ضحك راند. ضحكة قصيرة قاسية: - تحميها مني ؟
ولا من الحقيقة؟
أخرج من جيبه شريحة ذاكرة، لكنه لم يلوح بها طويلا كسرها بين أصابعه بهدوء. - مش
محتاج دليل
أنا محتاج اعتراف.
اقترب خطوة من شامل: - بنتي اختفت....
وانت الوحيد اللي كان قريب.
واللي حصل بعدها ... كان اختياراتك.
انهارت یقین دموعها تنهمر - شامل ... قولي إن ده مش حقيقي
لم ينظر إليها.
أخرج رائد سلاحه، لم يرقعه فقط تركه ظاهرا - الليلة دي....
يا الحقيقة تطلع
يا كل اللي مستخبي يدفن نفسه هنا.
تردد الصدى في الغرفة
وكانت يقين أول من أدرك:
هذا لبس تهديدا ....
بل نهاية طريق.
قلب السلطة بقلمي .
اتسعت عينا "شامل" وانقبضت عضلات وجهه في محاولة يائسة لثبات زائف، بينما كانت فوهة
المسدس تلمع تحت الضوء الخافت كعين شیطان تترصد انفاسه
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى شهقات "يقين" التي انهارت قواها، فتركت ذراع شقيقها
وتها لكت على الأرض، تغطي وجهها بيديها وهي تمتم بكلمات غير مفهومة، كأنها تحاول
استحضار واقع آخر غير هذا الجحيم.
دنا "رائد" من "شامل " خطوة واحدة، وصوته أصبح الآن فحيحاً مخيفاً: - "سكت ليه يا شامل ؟
مش كنت عامل فيها "السبع " اللي كسر شوكة رائد بيه ؟ مش كنت فاكر إنك لما تسلم بنتي لادم .
و تخليه يصورها وهي مذلولة، إنك كده لويت دراعي ؟ "
ارتجف صوت "شامل " أخيراً، وخرج أجشا مكسوراً: "أنا ما سلمتهاش يا رائد.. إنت عارف إن
ادم هو اللي كان
قاطعه "رائد" بصرخة هزت جدران الغرفة - "ادم كان الأداة.. لكن انت كنت العقل إنت اللي
خططت، وانت اللي بعث لي الصور في ظرف أسود
ثم ضغط "رائد" فوهة السلاح بقوة على جبهة "شامل"، حتى غاص المعدن البارد في جلده
وتابع بابتسامة مرعبة : - "تفتكر أنا جوزتها لغيت ليه ؟ عشان بحبه ؟ ولا عشان هو الوحيد اللي
نيرفانا محتاجة حمايته عشان ترجع "نيرفانا" بتاعة زمان؟ على فكرة أنا رميت مهاب حليفك
الغيت زي القطعة الأسد جريح.. وهو هيقوم بالواجب "
ارتعدت "يقين" ورفعت رأسها بذهول، وهي تنظر لـ "رائد" كأنها تراه لأول مرة: - "إنت مجنون يا رائد؟ انت بعث بنتك و هينكشف أمرها و غيث هينتقم منها و منك و منتفصح
التفت إليها "رائد " ينظرة خاطفة، ثم عاد بتركيزه لـ "شامل " : - " بنتي من ضعيفة يا يقين... بنتي "بنت راند". أما شامل.. قده بقى حسابي أنا عارف السلاسل دي يا شامل؟"
أشار رائد يعينه نحو القيود الحديدية المتدلية من السرير - السلاسل دي وحشاها ريحة.
صاحب فكرة الاعتداء على بنتي "."
في تلك اللحظة، دخل دياب فجأة، وقال بصوت جامد - "باشا... غيث بعث رسالة. بيقول إن كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا."
لمعت عين "رائد" ببريق النصر، وخفف ضغط السلاح قليلاً عن جبهة شامل، لكنه لم يبعده.
همس في أذنه ببرود لاذع - سمعت؟ غيث "اتفق" معايا.. يخلص من مهاب و انت هتكون المتهم الاول والاخير .. إنت فاهم إنك "هربت" مني. الكل بيلعب... بس أنا الوحيد اللي عارف
قواعد اللعبة."
ثم أشار لـ "دياب" ": - كتفه يا دياب.. وعلقه في السلاسل دي. مش عايز دمه يتوسخ بيه المكان دلوقتي، أنا عايز يقين تتفرج على بطلها" وهو بينذل علشان تحرم تخلي عليا حاجه تخص بنتي
اندفع "دياب" وحراسه نحو "شامل " الذي حاول المقاومة في يأس. لكن ضرية واحدة بمؤخرة السلاح على رأسه جعلته يترنح ليسقط تحت أقدام "رائد".
وقف "رائد" شامخاً، ينظر إلى "يقين" المنهارة، وقال بهدوء مخيف - "قومی یا یقین.. امسحي دموعك. السهرة لسه في أولها .. واحنا لسه مصفيناش حساب "ادم " اللي واقف برا ومستني يطمن إن شامل خلص المهمة !"
على فكرة أنا عرفت أن آدم حمدى هو حازم اللي وصلتواة ليا معلومة غلط أنه ابني بطريقه غير
شرعيه والله صعبانين عليا و انتم مفكرين نفسكم ناصحين و انا مغفل
قلب السلطة بقلمي .
بعد خمس أشهر، نقد رائد فخه وقتل آدم حمدي عن طريق شامل، أبلغ الشرطة وتورط رائد نفسه ببعض الأمور فحكم عليه بالسجن 15 سنة، بينما أصدر حكم بالإعدام على شامل. أما
غیبت، فقد قتل شقيق ليلى مهاب وأخفى جثته.
انفرجت شفتاها بابتسامة واهنة، شقت طريقها بصعوبة بين الإنهاك والألم، وخرج صوتها
متقطعا، رقيقا كأنه يستخرج من قاع بئر سحيق
ماما.
اهتر قلب تيفين قبل قدميها، فأسرعت نحو السرير بجزء ولهفة، جئت إلى جوارها، ضفت يدها المرتعشة بين كفيها، وراحت تطبع عليها قبلات متلاحقة، كانها تحاول أن تعيدها إلى الحياة
بالحب وحده.
حبيبة قلبي ... ألف حمد لله على سلامتك يا روحي.
تتنفس بارتعاش)
قلبي كان هيقف من الخوف عليكي ... الحمد لله إنك رجعتيلي.
ابتسمت ليلى ابتسامة عريضة على غير عادتها، ابتسامة من يحاول أن يقنع نفسه قبل غيره أنه انتصر أخيرا.
لمعت عيناها ببريق غريب أقرب للهوس منه للفرح، وهمست بصوت يقطر شغفا :
النهارده... أسعد يوم في حياتي..
(تبتلع ريقها)
أخيرا ابني جه... العوض اللي كنت بستناه بقالي شهور.
ربنا كريم أوي يا ماما ... ابني بقى ليا لوحدي.
توقفت لحظة، كأنها تجمع شتات فكرة، ثم أضافت بنبرة حاسمة، تحمل بقايا رعب قديم:
خلاص ...
ما عادش في رائد الذهبي.
ماعادش في خطر.
محدش يقدر ياخده مني.
الشيطان... السجن خلاص.
ارتعشت يد نيفين بين أصابع ابنتها.
تبادلت الكلمات في حلقها قبل أن تنطق، لكنها أومأت برأسها محاولة تثبيت ابتسامة واهنة:
ايوه يا بنتي ... كرم ربنا كبير.
الحمد لله اللي خلصك من كل اللي فات.
عمرك ما تشكي في لطف ربنا.
رفعت ليلى يدها ببطء مسحت دمعة لم تشعر بها، ثم أغمضت عينيها قليلا، كأنها ترى شيئا لا يراه غيرها، و همست بتعب عميق :
ونعم بالله ... الحمد لله يا رب.
(تتنفس بعمق)
بس... أنا نفسي أشوفه.
نفسي أخده في حضني.
لو سمحتي يا ماما ... خلي اللي جابتي هناة يدخل عليا بيه
تجمدت نيفين.
هه...؟
تقصدي مين يا ليلي ؟
ونعم بالله ... الحمد لله يا رب.
التنفس بعمق)
بس... أنا نفسي أشوفه.
نفسي أخده في حضني.
لو سمحتي يا ماما ... خلي اللي جابني هناة يدخل عليا بيه
تجمدت نيفين.
هه .... ؟
تقصدي مین یا لیلی؟
فتحت ليلى عينيها بدهشة طفولية، عقدت حاجبيها ببراءة مشوية بالاستغراب:
قصدي ابني و اخويا طبعا.
غسان ... مهاب
اپنی و اخويا
خلي مهاب يجيبهولي.
عضت نيفين شفتها السفلى بقوة، حتى كادت تنزف.
لم يعد الكذب ممكنا... ولا الرحمة قادرة على تأجيل الحقيقة أن مهاب قتل بوشاية من رائد
