رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السادس والاربعون 46 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السادس والاربعون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

بين يديّ... وخلف أسوارك
تفصلنا مسافةُ نفسٍ واحد، لكنني أشعرُ أنَّ بيننا عوالمَ من الصمت، وأسرارًا متشابكة لا أملكُ مفاتيحها. أحبّه، ويحبّني.. هذا يقينٌ لا يداخله شك، لكنَّ حبّه يشبه بحرًا هادئًا يُخفي في قاعه حطام سفنٍ لا يسمح لي برؤيتها.
لماذا يا رفيق الدرب؟
لماذا تُزيح لي أبواب قلبك، وتُغلق دوني أبواب حكاياتك؟

وبعض القصص يوجد اختلافُ في مَدارٍ واحد، قد تلتقي عند حوافِ النقيضِ ولا تتماسّ إلا لِتشتعل..ففيها من  يُمارسُ  فَنَّ الاغترابِ وهو في قمةِ الحُضور، ويستدرجُ صمتَه بضجيجٍ مُفتعل، كأنهم مَوجٌ يضربُ رصيفًا لا يملُّ الانتظار.

وآخر. 
بين الشهيقِ والزفير، مساحةٌ لا تُرى، ففيها المختبئُ خلف ستائرِ صمته، والقابعُ في أعمقِ نقطةٍ من شعوره. يؤكدُ لنا بملءِ يقينه، أن تلك البقعةَ من صدره كانت خاليةً تمامًا، حتى جاءت هي وملأتَها."

اقترب منها وحاصرها بذراعيه بينه وبين الجدار، وعيناه ثبتت على ارتجاف عينيها، ارتفع صدرها بخفقات قلبها..
رفع إصبعه ومسح دموعها برفق، وعيناه مازالت تحاصرها:
_ ممكن أعرف بتعيطي ليه؟
أبعدت كفِّه ومسحت دموعها بعجلة، غاضبة من نفسها، بل من ضعفها أمامه:
_مش بعيط، وسَّع عدِّيني عايزة أغيَّر هدومي.
لم يتحرَّك، بل اقترب أكثر، تراجعت هي حتى اصطدمت بالجدار، وقعت عيناها على الكعكة وتجهيزات عيد ميلادها..
لتقول بصوتٍ حاولت أن تجعله عاديًّا:
_شكرًا…إنَّك افتكرت عيد ميلادي.
تنفَّس بعمق، ورفع كفَّيه يزيل حجابها لتنساب خصلاتها ثم جمعه على جنبٍ، 
رفعت عينيها إليه:
_ بلال..ابعد.
هزَّ رأسه نفيًا ببطء، وخرج صوته منخفضًا، مكسورًا لكن ثابتًا:
_لمَّا تجاوبي على سؤالي.

أنزلت بصرها إلى الأرض، وصوتها خرج هامسًا، متكسِّرًا:
_ كنت مخنوقة منَّك ومن قدري.
توقَّفت لحظة، ثم أكملت باعترافٍ موجع:
_ عارفة إنِّي غبية، بس مقدرتش أستحمل كرهكم ليَّا..بابا خاصمني وقطع علاقته بيَّا.
صمتت، وكأنَّ الكلمة التالية أثقل من قدرتها:
_ وإنتَ اللي…
رفع ذقنها برفق، وثبَّت عيناه في عينيها بعمقٍ:
_ أنا إيه؟
قالها وهو يهزُّ رأسه ببطء:
_كمِّلي…
تاهت في نظراته، وهمست دون وعي، كأنَّ قلبها الذي يهمس:
_ حبِّيتها، صح؟
ابتسامة باهتة شقَّت شفتيها، موجوعة أكثر ممَّا هي ساخرة:
_ هيَّ حلوة…وإنتَ تستاهل واحدة حلوة زيَّها..بس أنا بكرهها. 
خفقات كادت أن تسحب أنفاسه، لم يحتمل..وضع إصبعه على شفتيها ليوقف سيل الألم الخارج منهما:
_ ماجاوبتينيش.
قالها بصوتًا خرج هادئًا، لكنَّه كان مثقلًا بكلِّ ما لم يُقال:
_ ليه عملتي كده يوم كتب كتابنا؟
رفعت رأسها فجأة، وعيناها اصطدمتا بعينيه كأنَّهما تصرخان: 
_علشان بتحبَّها هيَّ.
ثارت وهتفت بصوتٍ متقطع.
_ علشان نسيت رولا بسرعة!
شهقة خانتها قبل أن تكمل:
_علشان أنا غبية…وضيَّعت حبَّك.
سكتت..تتطلَّع إليه، هنا لم تعد الكلمات كافية، تابعت بألم عينيها: 
_تعبانة منَّك ومن نفسي، بكرهك وبحبَّك في نفس الوقت، لا قادرة أبعد ولا قادرة أقرَّب.
ارتفعت أنفاسه و قلبه يصرخ بعشقٍ لا يعرف كيف يُقال، عشقًا عاش صامتًا حتى كاد يقتله.

اقترب ببطء، وعيناه تحاصرانها بجنونِ ونبضه الذي أرهقه من التفكير بها، نظر إليها ونظراته لم تكن نظرات…كانت اعترافًا مؤجَّلًا.

شدَّها إليه، لم يحتضنها..احتواها
كمن يخشى أن تفلت روحه، ارتجف الجسد قبل القلب، أمال نحو ثغرها لم يقبّلها..ترك شفتيه تحومان قربها، أنفاسه تلامسها، تحرقها، تُربكها،
يشعرها بأنَّ حالته أقسى من القبلة نفسها.

انحنى اكثر نحو شفتيها…لم يخطف قبلة، بل لامس ثغرها كما يلامس المرء جرحه حتى لاينزف.
لمسة مثقلة بكلِّ ماأخفاه، بكلِّ ماخاف أن يعترف به، بكلِّ وجعٍ دفنه تحت صمته.
هنا…سكتت ولم تفعل شيىًا، سوى مراقبته على ضياعه بها، اللعنة على قلبٍ يصرخ بعجز الاقتراب، لتسقط
كلُّ استنتاجات عقلها، وتنهار دفاعاتهما معًا.
أغمضت عينيها وهمست باسمه،
ليصرخ قلبه بعشقٍ طال نفيه، حتى أوشك أن يموت عطشًا.
قرَّبها أكثر، وضع جبينه على جبينها، وأنفاسه تضرب وجهها المرتجف،  وهمس بصوتٍ مخنوق:
_حرام عليكي، إزاي تبقي غبية كده؟
ضاعت كلماته بين أنفاسه،
فسألته بهمسٍ متقطِّع، وهي تحاوطه بنظراتٍ خائفة..
تخشى الإجابة، تخشى أن يعصر قلبها ويتركه بلا نجاة.
جالت بعينيها على ملامحه، لتتجمَّد حين قال ببحَّةٍ رجوليَّة كسرت آخر حصونه:
_حسِّي بقى…شوفي ده عامل إزاي.
قالها وهو يضع كفَّها فوق نبضه..
حيث لا كذب، ولا هروب.
ابتسمت عيناها قبل شفتيها، وانكسر صوتها:
_بلال…إنتَ لسه بتحبِّني؟
قولِّي إنَّك لسه بتحبِّني، أنا آسفة سامحني..صمت ومات الصبر عندها لتقول:
_غبية…لو بتحبِّني سامحني يا حبيبي.
هنا لم تعد للكلماتِ قيمة.
ولم تعد المعاجم ولا البلاغة قادرة على وصف مايحدث.
انتفضت القلوب قبل الأجساد،
وضعت كفَّها تمرِّره على صدره، لتشعر بأنَّ نبضه صراخًا..صراخًا لا يُسمَع،
لكنَّه يُدمِّر.
رفعت عينيها، فوجدته ينظر إليها كما ينظر الغريق إلى الهواء.
كما ينظر الميِّت إلى الحياة لو عاد له حقَّ الاختيار...لم يتكلَّم...لم يحتج.
اقترب أكثر، التصق بها حتى تلاشت الحدود، حتى لم تعد تعرف أين تنتهي هي ويبدأ هو.

انحنى حتى التقَت شفتيهما…
لم يندفع، ولم يتهوَّر..
كأنَّ الخوف من ضياعها كان أقوى من الرغبة نفسها..قبلة بطيئة، مرتجفة، كأنَّ كِلَيهما يتعلَّم اللمس من جديد.
لامسها…فتصدَّع قلبه..ليس شوقًا فقط، بل وجعًا بكلِّ ماصار،
بكلِّ الأيام التي عاشها ناقصًا وهو يدَّعي الكمال.
نسي مافعلته وتذوَّق حلاوة عشقها في شفتيها، گأنَّ القبلة بابًا للحياة، رفعت ذراعيها تلفُّها حول عنقه، 
فاشتدَّت القبلة بينهما لا شغفًا…
بل انهيارًا، كانت تقبِّله وهي تبكي بصمت، لا دموع، بل رجفةٌ تسري  إلى قلبها، لهفته وجنانه بها جعلها تحسُّ
بإحساس امرأة عادت إلى وطنٍ مهدَّم..
رغم الخراب، مازالت تريد البقاء.
شدَّها إليه، حين فُقد الصبر من قاموسه، حتى شعر بأنَّ القبلة وحدها لا تكفي.
طالت القبلة رغمًا عنهما، يشعران بأنَّ انفصالها هو انفصال عن الحياة، لم تكن قبلة عادية بل قبلة..تشبه الاعتذار، تشبه الغفران،
تشبه وعدًا خائفًا بأنَّ العودة مؤلمة…

ابتعد قليلًا، بعدما شعر بانسحاب أنفاسها، فوضع جبينه على جبينها 
وأنفاسهما مختلطة، يشعران بأنَّ قبلتهما أعادت الروح بعدما كانت على  حافَّة الموت.
لمس جانب وجهها، وغرق بعينيها.. وعيناه تنطق مايعجز اللسان عن قوله.
رفعت ذراعيها وهمست وهي تلمس خاصَّته:
_"بحبَّك"
أغمض عيناه يتذوق حلاوة نطقها،   سحبها الى أحضانه، وآاااه عاشقة بلهيب الشوق.. 

_وأنا بموت فيكي…
ظلَّت ساكنة بين أحضانه، كأنَّ العالم كلِّه توقَّف عند تلك الجملة، قلبها ينتفض بسعادةٍ خائفة..علا رنين هاتفه، لكنَّه لم يهتم؛ كلُّ مايريده الآن هي، فقط هي…لكن كيف يتخطَّى ماصار؟
حرّكت أناملها موضع نبضه مرة اخرى، تلمس دقَّاته كأنَّها تتأكَّد من وجوده:
_يعني دا..ملكي؟
رفع عينيه إليها، وصوته خرج صادقًا :
_من أوَّل ماعرفت يعني إيه حب.
دفنت رأسها في صدره، فشدَّها من خصرها، وكأنَّ قربها وحده يمنحه الاتِّزان.
_اتمنِّي ونجوم السما تكون تحت رجلك.
ابتسمت بدمعةٍ متردِّدة، ورفعت كفَّها إلى صدره:
_مش عايزة غيرك…
ثم همست بلهفةٍ ممزوجةٍ بخوف:
_ودا يكون ملكي أنا وبس.
فقد صبره، فاحتضن وجهها بين كفَّيه، يحدِّق فيها كمن يخشى أن تضيع:
_مش عايزك تشكِّي في دا أبدًا.
صمتت حين تذكَّرت ماحدث.. فتراجعت خطوتين إلى الخلف،
ارتجف قلبه من فعلتها، وخشي أن تبتعد عنه للأبد، حرَّك رأسه بخفَّة:
_فيه إيه؟
استدارت توليه ظهرها، وقالت بنبرةٍ موجعةٍ كسكِّينٍ بطيء:
_يعني…لسه عايزني بعد اللي حصل؟
اختلَّ توازنه، عادت الحادثة تضربه بعنف، وتمنَّى للمرَّة الألف لو يفقد ذاكرته، لو يعود لما قبلها، صمت…وفي صمته ماتت الإجابة.
استدارت إليه بعد صمته وهزَّت رأسها بأسى:
_وصلتني الإجابة.
رفع رأسه ينظر إليها، وصوته خرج مبحوحًا:
_تقصدي إيه؟

اقتربت حتى أصبحت أمامه مباشرة، المسافة بينهما لم تعد تُقاس بخطواتٍ بل بأنفاسٍ متداخلة، وقالت بصوتٍ حاولت تثبيته:
_مش هتقدر…بتحبِّني بس هتقاوم علشان اللي حصل، صح؟ زي ماقلت قبل كدا…بتستر عليَّا علشان بابا وآسر.
هزَّ رأسه ببطء، واختنق بصمتٍ ثقيل قبل أن يقول:
_أبدًا…تأكَّدي مش علشان كدا.
اقتربت أكثر، حتى تلامست أنفاسهما، وحدَّقت في عينيه كأنَّها تبحث عن الحقيقة :
_أومال ليه قلت ليوسف إنَّك بتحبِّ كارما؟
ثم أضافت بوجعٍ صريح:
_هوَّ فيه واحد بيحبِّ واحدة ويتجوز واحدة تانية؟ إلَّا لو كان مضطَّر.
مرَّر يده على وجهه بعصبية، ثم قال بصدقٍ مؤلم:
_آه…أنا مضطَّر أتجوِّزك.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ متقطعة رغم محاولته التماسك:
_بس مش علشان بحبِّ كارما زي ماإنتِ فاكرة.
اقترب خطوة، وصوته صار أهدأ وأقسى:
_اضطَّريت علشان قلبي مايوجعنيش وأنا شايفك بتموتي كلِّ يوم، مقدرتش أتخلَّى عنِّك…حتى لو إنتِ رافضاني.
ارتجفت شفتاها:
_طيب ليه قلت ليوسف كدا؟ أنا سمعتك.
رفع كفَّيه بعنف، وكأنَّ الغضب كان حبيس صدره منذ زمن:
_لأنِّي حاولت!
علا صوته، ثم خفت فجأة:
_حاولت أقرَّب من كارما، حاولت أدوس على قلبي وأدوَّر على غيرك.
ضحكة ساخرة خرجت منه:
_وزعلت جدًّا من أبويا لمَّا عزمها…كان عندي أمل أبعد، أداوي قلبي من مرضه بيكي.
تغيَّرت نبرته فجأة وصارت مكسورة، مرتعشة:
_بس لمَّا شوفتك غرقانة في دمِّك…أنا مت.
اقترب منها، يطالعها بعينينِ زائغتين :
_حسِّيت الدنيا كلَّها بتخنقني، مقدرتش أتنفِّس وإنتِ بتنازعي الموت.
احتضن وجهها بين كفَّيه، وأجبرها على النظر إليه:
_ساعتها اتأكِّدت…بعدك عنِّي يعني موتي.
همس وهو يضغط جبينه على جبينها:
_مش هقدر حتى أفكَّر إنِّي أبعد.
ثم قال بحسمٍ موجوع:
_من الليلة دي وعدت نفسي إنِّ مهما أتألِّم من حبِّك…أهون من إنِّي أعيش من غيرك.
انسابت دموعها بلا مقاومة:
_وأنا كنت بموت من فكرة إنَّك تحبِّ واحدة تانية.
سحبها بقوَّة إلى أحضانه، كأنَّه يريد أن يحتمي بها وتحتمي به، حاوطها بذراعيه تطوِّقانها بعنفٍ عاشق:
_أنا مخبِّتش عليكي حاجة.
تنفَّس بعمق:
_ماأنكرش حاولت…بس مقدرتش.
ابتسم بأسى:
_كأن أقدارنا مربوطة ببعض؛ لا إنتِ هتقدري تبعدي، ولا أنا.
ثم أضاف بصدقٍ قاسٍ:
_ممكن نتعب بعض، وممكن نجرح بعض…بس أكيد فترة وهتعدِّي.
شدَّها أكثر:
_المهم…مانسيبش بعض.
تراجعت قليلًا، ورفعت رأسها تنظر إلى عينيه مباشرة:
_هتقدر يا بلال..هتقدر تنسى اللي حصلي؟
أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما بألمٍ واضح:
_هحاول يا رولا…بوعدك هحاول.
ثم قال بنبرةِ رجاءٍ صادق:
_بس ماتجيش عليَّا.
اقترب وهمس:
_لو بتحبِّيني زي مابتقولي، أوعي تظلمي قلب محبِّش غيرك.
قطع حديثهما رنين الهاتف فجأة…

انسابت دموعها وابتعدت عنه بخطوةٍ متردِّدة، دوى رنين الهاتف مرَّةً أخرى..
مسح وجنتيه سريعًا قبل أن يجيب:
_أيوة يا عمُّو.
_بلال هات رولا وتعال، مستنِّيكم.
قالها يزن وأغلق الهاتف.
نظر إليها بلال:
_دا باباكي…عايزنا.
توسَّعت عيناها بدهشةٍ :
_بابا..ليه؟
ثم تحرَّكت متَّجهةً للداخل:
_هغيَّر هدوم الشغل وننزل نشوفه.
دلف خلفها يراقب هدوء ردِّها، فتساءل بشيءٍ من الاستغراب:
_مش غريبة باباكي يطلب طلب زي دا وإنتِ مش مستغربة؟
توقَّفت، واستدارت إليه بابتسامةٍ مطمئنة:
_بابا جالي من كام يوم، واتكلِّمنا… وكمان وصَّاني عليك.
ثم أضافت بخفَّة:
_بيحبَّك على فكرة.
شعر بسعادةٍ خالصة لسعادتها، وضع كفَّيه في جيب بنطاله واقترب منها:
_وأنا كمان بحبُّه، بس أكيد بحبِّ بنته أكتر.
ارتبكت، وتورَّدت وجنتاها، فمدَّ يده يقرص وجنتها مبتسمًا:
_بتبقي زي الطفلة لمَّا بتتكسفي.
ثم قال وهو يبتعد خطوة:
_يلَّا غيَّري هدومك، وأنا أعمل تليفون لمَّا تخلصي.
ضيّقت عينيها بشك:
_هتكلِّم مين بقى إن شاء الله دلوقتي؟
ابتسم بخبثٍ متعمَّد:
_هشوف كارما عملت إيه في الجامعة النهاردة.
اشتعلت غيرتها فجأة، اندفعت نحوه تدفعه بعنفٍ غاضب، وكأنَّ جنونها سبق عقلها.
تعالت ضحكاته وهو يحاوط جسدها، ثم تعمَّد أن يفقد توازنه لتدفعه بقوَّة، فتهاوى على الفراش، ساحبًا إياها فوقه، ولا تزال ضحكاته تملأ المكان…
ثم صمت فجأة حين انتبه لوضعهما.
حاولت الاعتدال، لكن ذراعيه كانت كقلاعٍ حصينة..عيناه غرقتا في قرب ملامحها، حتى تلامست أنفاسهما، فارتجف جسدها بعنفٍ شعر به..ابتسم هامسًا:
_بحبِّ جنانك أوي.
_أنا مجنونة!
قالتها وهي تحاول الابتعاد.
_أوي.
ضحك، فلكمته بخفَّة:
_طب وسَّع كدا، أنا غلطانة أصلًا.
سحبها إليه بقوَّة، حتى صار وجهها ملتصقًا بوجهه:
_الأوَّل كنت بدلَّع، علشان مفيش رابط…
خفض صوته وتحوَّلت نبرته للجديَّة:
_لكن دلوقتي خدي بالك من كلِّ كلمة، علشان مش هعدِّي ولا حرف.
توتَّرت:
_بلال إنتَ عايز إيه دلوقتي، أنا جيت جنبك؟!
ابتسم ابتسامةً جانبية وقال بوقاحةٍ مقصودة:
_إنتِ فوقي…مش جنبي.
اتَّسعت عيناها بذهول، لكنَّه لم يترك لها فرصةً للاعتراض:
_علاقتنا مش للهزار.
وضع يده على صدره:
_قلبي…ثم قلبي يا رولا، إيَّاكي توجعيه.
همست بألمٍ صادق:
_أوجعه؟
قالتها، ثم اعتدلت بعدما أبعد ذراعيه:
_أنا اللي خايفة..تكسرني.
اعتدل فورًا، واختفى المزاح من ملامحه، ثم جذبها إلى أحضانه بقوَّةٍ حانية:
_إش..مجنونة علشان أكسرك؟
همس عند أذنيها:
_إنتِ ماتعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه…
أخرجت رأسها من بين أحضانه ببطء، وعيناها تتشبَّثان بعينيه، تريد أن تسمع الاعتراف للمرَّة المليون… وتتذوَّقه كأنَّه الأوَّل.
_لا…مش عارفة يا بلال، أنا بالنسبالك إيه؟
ابتسم، وقالها بهمسِ عاشقٍ يهمس سرًّا لا يُقال إلَّا لها:
_روحي…
ثم رفع ذقنها برفق، وأجبرها أن تغوص في عمق عينيه.
_إنتِ الحياة بحلوها ومرَّها لبلال…
ازداد صوته دفئًا:
_إنتِ النبض اللي مخلِّيني لسه بتنفِّس.
ابتسمت، ودقَّاتُ قلبها كادت تفرُّ من صدرها.
اقترب أكثر، وهمس همسًا قاتلًا لعاشقٍ يتلوَّى من البعد:
_إنتِ العشق…المؤلم والحلو.
ارتفعت أنفاسها تحت وطأة كلماته، ولم يترك لها فرصةً للهرب؛ اقترب واحتضن ثغرها للمرَّة الثانية، قبلة هادئة عميقة، أزالت ماتبقَّى من أوجاع قلبيهما.
بعد فترة…
كان يمسك كفَّها متَّجهين إلى منزل يزن.
توقَّف أمام المنزل، والتفت إليها بنبرةٍ عمليَّةٍ تخفي شوقه:
_الساعة اتناشر ونص…نصِّ ساعة ونرجع، باقي كام يوم وخلاص الرسالة، عايزك تساعديني.
ابتسمت مطيعة:
_حاضر.
خطا خطوتين، ثم توقَّف فجأة، التفت إليها بابتسامةٍ ماكرة:
_حاضر ياا…إيه؟
ضيَّقت عينيها باستغراب:
_مش فاهمة.
لمس وجنتيها برفق، وانحنى يهمس قرب شفتيها، حيث صارت جرعة إدمانه:
_حبيبي…
ابتسم بثقة:
_مش هتنازل عن الكلمة دي.
احتضنت ذراعه، ودفنت رأسها في كتفه بخجلٍ ذائب:
_بس بقى…هيُغمى عليَّ.
ضحك بخفَّةٍ وهو يقترب من الباب:
_اقعي…وأنا أشيل.
فُتح الباب على مصراعيه…
التفت ينظر للداخل، مع صرخاتهم باسمها مع العدد: 
1,2,3..تمتم بها الجميع في سعادةٍ بالغة..شهقت تضع كفَّيها على فمها بذهولٍ من المفاجأة؛ ثم ركضت إلى والدها الذي فتح ذراعيه لها يضمُّها بقوَّةٍ لأحضانه:
_كلِّ سنة وإنتي طيِّبة يا قلب بابا.
بكت بشهقاتٍ مرتفعة، استغربها البعض، ولكن هناك مايعلم سببها.
رفعها يدور بها، وارتفعت ضحكات يزن رغم شعوره بالمرار من بكائها، كيف ترك ابنته لثعابين سامَّة أن تتلاعب بها..
اتَّجهت لوالدتها التي ضمَّتها بحنانٍ أمومي:
_كلِّ سنة وأمُّورتي الحلوة طيِّبة وجميلة.. 

بينما آسر رفعها عن الأرض يدور بها، يصرخ ضاحكًا:
_ توينزي كبرنا سنة…الله الله الله!
شهقت وهي تضحك، وذراعيها تتشبَّثان بعنقه، فيما كان يدور بها بقوَّةٍ طفولية، حتى اقترب بلال وهو يهزُّ رأسه ساخرًا:
_ ماخلاص بقى يا متر، عرفنا إنَّك كبرت على الهبل.
انفجر الجميع ضاحكًا على تعليق بلال، فشدَّها إليه وهو يقول بمكر:
_ تعالي يا بت…إيه الأحضان اللي بتجري عليها دي؟ 
طيب أبوكي أهو مبلوعة! إنَّما الأفوكاتو يشيلك ليه؟
لكزته ضاحكة وهي تحتضن ذراع أخيها:
_ ده نصِّي التاني…أسُّور قلبي.
تصلَّب بلال للحظة بتصنُّع، ثم نظر إلى يزن وقال بمزاح :
_ يعني إيه..إنتَ مجوِّزني نصِّ واحدة؟
دفعه آسر بكتفه وهو يحاوط جسدها بحماية:
_ بقى القمر ده نصِّ واحدة؟
اقتربت آسيا بابتسامةٍ دافئة:
_ كلِّ سنة وإنتِ طيبة يا روليـتا، والسنة الجاية إن شاء الله تبقي معاكِ البيبي.
ارتجف جسدها ارتجافةً خفيَّة؛ ورفعت عينيها دون وعي نحو بلال الذي كان منشغلًا بالحديث مع يزن، يضحك غير منتبهٍ للعاصفة التي ضربت صدرها..خفضت نظرها سريعًا، وهزَّت رأسها بابتسامةٍ مرسومةٍ بعناية:
_ ميرسي يا آسيا.
قطع حديثهما صوت إيمان الحنون:
_ كلِّ سنة وإنتِ طيِّبة يا حبيبة عمِّتو.
ابتسمت بصدقٍ هذه المرَّة:
_ وحضرتِك طيبة يا عمِّتو.
سحبتها آسيا من يدها وهي تقول بحماس:
_ تعالي بقى، شوفي سدن محضَّرة إيه.
خطت بضع خطوات، لتتفاجأ بسدن تخرج بقالبِ كيك ضخم متعدِّد الأدوار.
توسَّعت عيناها بدهشة، ثم ركضت إليها:
_ حبيبتي..مرسي!
ضمَّتها سدن وهي تقول بمكر:
_ افتكري بقى…علشان هطلب مقابل.
قرصت وجنتيها وقبَّلتها ضاحكة:
_ مش مهم، كفاية إنِّك تعبتي وعملتي الكيك.
رفعت سدن حاجبها بدهشة مصطنعة:
_ أنا أعمل كيك؟! دي مامتك، أنا بس طلَّعته من المطبخ.
قاطعتها آسيا وهي تلوِّح بالشوك:
_ وأنا حطيت الشوك.
ضحكت إيمان على شقاوة الفتيات، بينما كانت هي تبتسم…
اليوم فقط عادت سعادتها، كأنَّ يوم ميلادها سيكون ميلادًا لكلِّ شيءٍ غاب، لكلِّ حلمٍ تأجَّل، ولكلِّ نبضةٍ ظنَّتها ماتت.
ذهبت بعينيها إلى بلال، كان ينظر إليها بنظرات عاشقٍ قتله الشوق، نظرات لا تخطئها القلوب..تعانقت أعينهما للحظاتٍ صامتة، حتى تمنَّى لو يتلاشى الجميع من حولهما، وتبقى هي وحدها…بين ذراعيه.
كانت رحيل تراقبهما بابتسامةٍ دافئة، تدعو الله في سرِّها أن يمنَّ عليهما بنعمة الحب، وأن يحفظ هذا الوميض. 
اقتربت من ابنتها وضمَّت رأسها إلى أحضانها بعدما أبعد بلال نظراته:
_ حبيبتي عاملة إيه؟ انشغلت الفترة اللي فاتت عنِّك.
رفعت رأسها مبتسمة:
_ أنا كويسة أوي يا مامي.
ابتسمت رحيل وهزَّت رأسها بحنان:
_ باين أوي يا حبيبتي…ربِّنا يخلِّيكم لبعض.
ابتلعت ريقها وهمست:
_ يارب يا ماما…ادعيلي.
تأمَّلتها رحيل بعين أمٍّ تشعر بخوف ابنتها قبل كلماتها:
_ بتحبِّيه يا رولا؟
_ أوي يا ماما…وخايفة يبعد في أي وقت.
احتضنت وجهها بين كفَّيها، تنظر في عينيها :
_ وإيه اللي يخلِّيه يبعد، مش يمكن لو اتكلِّمنا يقرَّب أكتر؟
هزَّت رأسها بالنفي، وعادت بنظرها إليه مرَّةً أخرى، كأنَّ قلبها لا يعرف طريقًا غيره:
_ لا…لمَّا أتأكِّد إنِّي لسه في قلبه، وإنُّه عايزني بجد.
تنهَّدت رحيل بأسى:
_ بس ده مش صح.
رفعت عينيها إليها برجاءٍ طفولي:
_ ماما…مش حضرتك وعدتيني؟
وقبل أن تجيبها، قاطعهما صوت آسيا بحماس:
_ يلَّا يا رولا علشان نطفٍّي الشمع!

بمنزل يوسف…
كانت تتمدَّد على الفراش تقرأ في أحد الكتب، لكن الملل تسلَّل إليها سريعًا. أغلقت الكتاب ونهضت؛ سحبت روبها وارتدته ثم اتَّجهت إلى الأسفل ونادت على الخادمة.
ركضت الأخيرة إليها على الفور:
_نعم يا مدام؟
_اعملي لي فنجان قهوة.
ارتبكت الخادمة وقالت بتردُّد:
_بس حضرتك الدكتور منبِّه علينا ممنوع تشربي قهوة بالليل.
ثار غضبها فجأة، فأشارت بحدَّة:
_لمَّا يبقى الدكتور موجود، اسمعي كلامه.
ثم استدارت وصعدت إلى الأعلى، تختنق بغصَّة بكاءٍ حاولت كتمها أمام الخادمة، أغلقت باب الغرفة خلفها وأسندت ظهرها إليه، تتأمَّل بضياعٍ المكان الذي أصبح باردًا منذ سفره.
وضعت كفَّيها على وجهها تمنع دموعها من السقوط، فقطع شرودها رنين هاتفها..أسرعت نحوه تظنُّ أنَّه زوجها، لكن خاب ظنَّها حين وجدت الاسم سدن.
_أيوه يا سدن.
_ضي، مجتيش ليه عيد ميلاد رولا؟
_تعبانة شوية، وبلال قالِّي هيعملوا احتفال خاص.
_ألف سلامة، لا همَّ عند خالو، ياريتك كنتي جيتي.
_آسفة حبيبتي..أنا جهزت للنوم.
أغلقت الهاتف، لتتفاجأ بطرقات الخادمة ودخولها.
_القهوة يا مدام.
_حطِّيها عندك…هيَّ زهرة لسه مارجعتش من البلد؟
_لسه يا مدام، جدِّتها ماتت، وكانت متعلَّقة بيها أوي.
اقتربت الخادمة منها بحذر:
_حضرتك كلِّمتيها؟
_مالحقتش…المهم روحي نامي، أنا هشتغل شوية.
_طيب أجيب لك حاجة تاكليها؟ ماأكلتيش طول اليوم.
_انزلي…مش عايزة كلام كتير.
مرَّت أكثر من ثلاث ساعات وهي تعمل على جهازها، حتى أغلقت اللابتوب ونهضت تنزع روبها، نظرت إلى الفراش بتأفُّف ثم تمدَّدت عليه، تقلِّب في هاتفها، تتأمَّل صورهما معًا بابتسامةٍ شاحبة.
أغمضت عينيها أخيرًا، غارقةً في نومٍ متعب، والهاتف مازال مفتوحًا على أحد الفيديوهات التي تجمعهما.
بعد قليل، فُتح الباب بهدوء..دخل بخطواتٍ حذرة، يراقبها، يخشى أن يوقظها، اشتياقه لها كان حدَّ الجنون..انحنى يقبِّل جبينها، ومرَّر يده على خصلات شعرها بحنان، فابتسمت في نومها ظنًّا منها أنَّها تحلم.
دخل الحمَّام لدقائق، ثم خرج وعيناه لا تفارقها..لفت انتباهه الهاتف، اقترب وسحبه بهدوء، ثم جلس جوارها يتأمَّل ملامحها الهادئة..انحنى وطبع قبلةً خفيفةً على شفتيها.
_وحشتيني يا حبيبي…
فتحت عينيها مبتسمة، غير مدركة تمامًا، فتمدَّد جوارها وسحبها إلى أحضانه.
_زعلانة…عارف إنِّك زعلانة، بس إنتِ بتحبِّي حبيبك وهتسامحيه، صح؟
_يوسف، تمتمت باسمه وهي مازالت بين النوم واليقظة.
مرَّر يده على وجنتها برفق وهمس:
_سامحيني…غصب عنِّي.
تنهَّدت بعمق، وكأنَّها تفرغ كلَّ مابداخلها، فشدَّها إلى صدره أكثر.
_متسيبنيش…خرجت الكلمة منها هامسة.
تجمَّدت أنامله فوق وجنتها، وارتفع نَفَسه على غير إرادته، ليتَه يقدر على البُعد…ليتَه يستطيع أن يوقف نبضها الذي ينطق باسمه وحده..مرَّر يده على خصلات شعرها واختنقت الدموع تحت جفنيه، يريد أن يصرخ لها بكلِّ مايؤلمه، بكلِّ خوفه، بكلِّ ضعفه، لكنَّه يخشى أن يبدو ناقصًا في عينيها… يخشى أن تصبح الحياة معه عبئًا، وأن تضطرَّ للبقاء رغماً عنها.
أدار رأسه واستلقى على الفراش، وعاد به التفكير إلى حديث الطبيب في رحلته بألمانيا:
_الفحص الشامل الأخير بيأكِّد إنِّ فيه إمكانية للإنجاب، لكن بعد فترة.. هناخد بعض الأدوية ونعمل تحاليل كلِّ مدَّة، ممكن تسرَّع الوقت، لكن ماتيأسش لو الموضوع طوِّل.
_يعني فيه أمل؟
_الأمل موجود، بس بنِسَب ضعيفة. إنتَ دكتور وعارف النِسَب…بس طول مافيه أمل، مفيش يأس.
خرج  يتخبَّط في مشيه، كان ينتظر أن يحمل له الطريق بارقة أمل تريح صدره، لكن بدا له أنَّ السعادة هربت من معانيها كلَّها، أفاق من شروده على دفن رأسها بين أحضانه، فشدَّها إليه ورفع وجهها حتى صارت ملامحهما متقابلة.
_أنا عاجز…ومش عارف أعمل إيه..ليه وقعنا في حبِّ بعض، ياريتني سافرت، إيه اللي خلَّاني أتراجع؟
أغمض عينيه، وقلبه يعتصر من الداخل..شعر بحركة رأسها على صدره، ثم فتحت عينيها فجأةً حين أدركت أنَّ ماتعيشه حقيقة، لا حلم.. همست باسمه، تنظر إليه باندهاش:
_يوسف!!
فتح عينيه، حاول أن يرسم ابتسامة هادئة رغم مابداخله:
_صباح الخير يا حبيبتي.
ابتعدت عنه سريعًا، وحدَّقت فيه بعينينِ ممتلئتينِ بالحزن والدهشة:
_إنتَ موجود!! يعني مش بحلم؟

ابتسم، ورفع كفَّيه يحيطان بوجهها برفق:
_إنتِ شايفة إيه؟
دفنت نفسها بأحضانه تريد أن تشبع روحها المتألِّمة من غيابه:
_اتأخَّرت ليه كدا؟ 
ضمَّها بقوَّة وقال:
_آسف حبيبتي، كان فيه كام مؤتمر طبِّي، حضرتهم ورجعت على طول. 
رفع ذقنها يسبح بعينيها:
_وحشتيني أوي. 
_وإنتَ كمان، وكنت زعلانة أوي منَّك، عمِّتو جت من عشر أيام وإنتَ مارجعتش، خوفت إنَّك ماترجعش، معرفش ليه دايمًا إحساس الخوف دا مسيطر عليَّ. 
وضع إصبعه على شفتيها، كأنَّها تشعر بما كان ينتوي عليه، نظر بعمقٍ لعينيها: 
_بقولِّك وحشتيني..المفروض إيه بقى؟ 
ابتسمت ولمعت عيناها مرَّةً أخرى بعدما فقدت بريقها منذ سفره. 

بمنزل مالك.. 
خرجت من غرفة طفلتها، توقَّفت خارج الغرفة..خرج مالك خلفها ثم سحبها لأحضانه:
_حبيبتي ممكن تبطَّلي عياط، وتذكري إنَّها أقدار ولازم نرضى بيها، والحمد لله الدكاترة طمِّنونا، وإن شاء الله مع العلاج هتخف.
حاوطت خصره تبكي بأحضانه:
_البنت لسة صغيرة أوي على الألم يا مالك، صغيرة أوي، قلبي بيتقطَّع عليها. 
رفع ذقنها واحتضن وجهها: 
_دودي فين إيمانك حبيبتي، لازم تكوني أقوى من كدا، إنتي لسة قايلة صغيرة، عايزين نخلِّيها ماتحسِّش بالألم..عارف الموضوع صعب، لكن إنتي قدَّها. 
قاطعهم صوت مايسة وهي تحمل قهوة: 
_فريدة عاملة إيه؟ 
تراجع وهو يرمقها بصمت، ثم قال:
_هنزل ساعة الشركة وهرجع، خلِّي بالك من نفسك ومن الولاد.
اقتربت مايسة تمدُّ يدها بفنجان القهوة:
_عملت لك قهوة، شوفت غادة منشغلة بفريدة فقولت أعملَّك قهوة. 
حدجها بنظرةٍ باردة: 
_مطلبتش منِّك حاجة، ولمَّا أحتاج حاجة عندنا شغَّالين في البيت، ومراتي موجودة، أتمنَّى يكون عندك كرامة شوية. 
قالها وهبط الدرج سريعًا، فالتفتت إلى غادة التي مازالت واقفة تنظر إليها: 
_معرفش ليه بيعاملني كدا؟ 
اقتربت غادة، وبلحظةٍ واحدة دفعتها على الجدار، تضع كفَّيها حول عنقها وتهمس بهسيس ٍمرعب:
_شوفتك يا حيوانة وإنتي خارجة من الأوضة من عند جوزي بقميص النوم، شكلك متعرفيش أنا مين.
سحبتها من عنقها بقوَّة: 
_اسمعيني لأنِّي مبعدش كلامي، أنا غادة السيوفي، بنت مصطفى السيوفي وفريدة السيوفي، وأخت إلياس وإسلام، اسألي بس علينا، وإنتي تعرفي مقامك مايساويش رباط جزمهم، مش هحذَّر تاني ومتفكَّريش علشان بنتي تعبانة مش واخدة بالي من قذارتك. 
وصل والد مايسة في تلك اللحظة، اقترب يصرخ بغادة: 
_ابعدي عن بنتي. 
دفعتها بقوَّة إليه، حتى سقطت على الأرضية بوصول ليال أمِّ مالك، ثم صاحت بنبرةٍ تهديد من يراها لم يقل أنَّها تلك البريئة حين قالت: 
_لمّ بنتك الحيَّة بعيد عنِّي وعن جوزي، خلِّيها تروح تشوف قذارة بعيد عنِّنا. 

_غادة..أردفت بها ليال، ولكنَّها لم تكترث، دلفت غرفة أطفالها وأغلقت الباب خلفها بقوَّة، حتى اهتزَّت الجدران. 
بكت مايسة بصوتٍ مرتفع:
_شوفت يا بابا كانت عايزة تموِّتني، ليه يا بابا، علشان بسأل على البنت، وبتهدِّدني هتطردني من البيت، شوفت. 
التفت إلى ليال:
_إيه دا يا ليال، إزاي بنتي تتهان في بيتها؟!
_اهدى يا عادل أكيد فيه سوء تفاهم، ثم اتَّجهت بنظراتها إلى مايسة:
_غادة متربية ومستحيل تئذي حد، أكيد فهمتي غلط.
هبَّت صارخة: 
_يعني أنا كذَّابة، وبتتِّهمني بقرَّب من جوزها، جوزها مين دا، بقى معجبنيش وهوَّ لسة شاب هيعجبني وهوَّ متجوِّز ومخلِّف كمان.
_مايسة التزمي حدودك، واعرفي اللي بتتكلِّمي عنُّه مالك.
قالتها ليال بغضب، ثم التفتت إلى والدها:
_لسة بنتك زي ماهيَّ، عاملة لنفسها قيمة، ياريت تعرَّفها ابني متجوِّز مين، يعني مفيش مقارنة يا عادل بيه، ولو ماحترمتش نفسها هطردها من البيت. 

بقصر الجارحي.. 
هبط الدرج سريعًا ينظر بساعته، أوقفه عمران الذي ترجَّل من سيارته ينزع نظَّارته:
_إيه رايح فين كدا؟. 
_أجيب شمس من الكلية، بقولَّك كلِّم النادي، بكرة إن شاء الله عيد ميلاد شمس، وأنا مشغول، قدَّامي ساعتين يادوب أجيبها وأرجع الشغل، وهرجع بكرة، عايزك بس تظبَّط المكان. 
_تمام متقلقش. 
تحرَّك حمزة بعض الخطوات، ولكنَّه توقَّف مستديرًا: 
_عملت إيه صحيح في الجامعة؟ 
_معيد لحدِّ ماأخلَّص الدكتوراه، بس بقى لازم الباشا يدخل بتقله، لكن للأسف رافض. 
ابتسم حمزة وهو يلوِّح:
_باي..ونصيحة متعتمدش على أبوك، أبوك يعمل حاجة واحدة بس، يقرَّب المكان، إنَّما يتدخل واسطة وتعيين ماأظنِّش.
_باي..ربِّنا يطمِّنك يا أخويا، معرفش إيه العيلة اللي بتكسر الخاطر دي، والله يا عموري إنتَ خسارة في العيلة دي. 
_بتكلِّم نفسك يلا. 
التفت لوالده: 
_أوووه...إسحاق باشا،  طالعه بتدقيق ثم غمز إليه:
_إنَّما الباشا متظبَّط ورايح فين، أيكنش ناوي تتجوِّز على دينا، بس أنا خايف على صحِّتك.
اقترب إسحاق يرمقه بغضب:
_ عيب أوي هتكون دكتور جامعي، وتقول ألفاظك السوقية دي. 
_إييييه..دخلنا في درس الأخلاق، قالها واقترب منه، رفع أنامله يعدِّل ربطة عنقه:
_بقولَّك يا باشا، هوَّ إنتَ متربِّي كام مرَّة، أصلي حاسس إنَّك مش عايش في كوكبنا.
دفع كفَّيه وهتف ساخرًا:
_إنتَ هدرَّس للطلبة إزاي يا متخلِّف، والله خايف يسمُّوك بهلوان، وفي الآخر تجيب للعيلة العار.
_يا مصيبتي..ابن سلطح ملطح هيلطَّخ شرف العيلة. 
_امشي من قدَّامي يا بني نزعت يومي. 
اقترب يقبِّله: 
_بحبَّك يا إسحاق، بموت في جوِّ العشق الممنوع بتاعنا.
دفعه بغضب:
_حلوف، قال دكتور، والله نفسي يفصلوك قبل ماتاخد الشهادة. 
ضحك بصوتٍ مرتفع:
_ويرضيك أمرمغ شرف العيلة؟ 
بمنزل طارق.. 
استيقظت هند على صوت بكاء طفلها، نهضت بكسل تجذب روبها وخرجت من الغرفة، استمعت إلى صوت المربية:
_ينفع تضرب أخوك كدا يا حازم؟
_أه مبحبُّوش.
هنا فتحت الباب وهي تتطلَّع إلى الطفل، ثم قالت للمربية:
_خديه على الجنينة في الشمس شوية. 
_مدام كنت عايزة أقولِّك.. 
أشارت إليها أن تتوقَّف عن الحديث ثم قالت:
_اسمعي الكلام ونفِّذي اللي طلبته.

أمام الحرم الجامعي، كان يقف مستندًا إلى سيارته، نظَّارته الشمسية تعلو خصلات شعره، وعيناه معلَّقتان بالباب الداخلي، يتحدَّث في الهاتف بنبرةٍ مطمئنة:
_ حاضر يا عمُّو، متقلقش…مش هنتأخَّر.
أنهى حمزة المكالمة مع إلياس، وألقى نظرة سريعة على ساعته، زافرًا بنفاد صبرٍ خفيف..وقبل أن يتحرَّك، توقَّفت أمامه إحدى الفتيات:
_ كابتن حمزة الجارحي؟
ضيَّق عينيه وهو يهزُّ رأسه بهدوء، يمعن النظر فيها، اقتربت بخطوة وعلى شفتيها ابتسامة واثقة:
_ مش فاكرني؟
_ آسف يا فندم مش واخد بالي.
_ أنا إسراء، أخت صلاح الفيومي.
اتَّسعت عيناه قليلًا، ثم ابتسم مجاملة:
_ آه…أهلًا وسهلًا.
وتابع معتذرًا:
_ سامحيني، فعلًا نسيت حضرتك.
_ ولا يهمَّك، بتعمل إيه هنا في الجامعة؟
فتح فاهه ليجيب، مع وصول شمس قطع حديثه..ألقت التحيَّة بهدوء، فاعتدل فورًا والتفَّ إليها، يقترب منها ويسحب كفَّيها بعفوية:
_ جاي آخد خطيبتي.
رفعت إسراء حاجبيها بدهشة مصطنعة:
_ آه…إنتَ خطبت؟! غريبة، صلاح مقالش حاجة.
_ عادي، يمكن نسي.
تطلَّعت إسراء إلى شمس من أعلى لأسفل بنظرةٍ فاحصة، قبل أن تسأل:
_ وإنتِ في كليِّة إيه؟
حاوط حمزة خصر شمس مبتسمًا بفخر:
_ شموس في ألسن.
_معقول؟ يبقى كده طالبة عندي.
ظلَّت شمس تراقبها بصمت، حتى قالت بنبرةٍ هادئة تحمل حدَّةً خفيَّةً:
_ يعني إيه طالبة عند حضرتك، هوَّ حضرتك مالكة الكلية؟ ماهو قال طالبة في ألسن.
رفعت إسراء حاجبها باستفزاز:
_ قصدي إنِّي دكتورة عندك في الجامعة، مالوش لزوم الردِّ الأوڤر ده.
أبعدت شمس ذراعي حمزة عنها بهدوء، ثم قالت وهي تخطو مبتعدة:
_ هنمشي، ولَّا نفضل واقفين في محاضرة الدكتورة اللي مكانها جوَّا القاعة مش برَّا، وبتقول عندي..عندك إيه؟
تنحنح حمزة في حرج، شاعِرًا بحدِّة كلمات شمس، ثم قال بلطف:
_ عن إذنك…سلِّمي لي على صلاح.
لوَّحت إسراء بكفِّها بلا مبالاة، ترمق شمس بنظرةِ استخفاف، ثم تحرَّكت للداخل.
استقلَّت شمس السيارة بصمتٍ متعمَّد، فأدار حمزة المحرِّك والتفت إليها سريعًا:
_ شمس، دي أخت زميل، وأنا فعلًا مكنتش فاكرها…متفكَّريش بحاجة وحشة.
نظرت إليه بثبات وقالت:
— إيه اللي بتقوله ده يا حمزة؟ أنا واثقة فيك طبعًا..أنا مش مضَّايقة علشان كده، بس طريقتها مغرورة شوية.
ابتسم بخفَّة:
_ أخوها كده برضه.
رفع أنامله نحو ذقنها بحنان، فابتعدت قليلًا.
_حمزة، مش إحنا اتَّفقنا على موضوع التلامس ده، وقلتلك مينفعش.
استدار بجسده نحوها، صوته خرج منخفض وصادق:
_ حقِّك عليَّ يا شمس، مش قصدي أضايقك..تصدَّقيني لو قلت غصب عنِّي؟
_خلاص ولا يهمَّك..أنا بس مش عايزة ناخد ذنوب، بابا وماما علِّموني إنِّ الراجل أجنبي عن الستّ طول ماهيَّ مش متجوِّزة.
هزَّ رأسه موافقًا، وعيناه أمام الطريق:
_ عندك حق…آسف يا شمس.
رفعت إصبعها أمام وجهه مبتسمة بخفَّة:
_ لا متبقاش زعلان، علشان مزعلش أنا كمان.
التفت إليها بعشقٍ واضح:
_ أزعل وإنتِ معايا؟ ده أنا أبقى غبي.
ضحكت بخفَّة:
_ بعد الشرِّ عليك من الغباء، يلَّا بقى نمشي، بقالنا عشر دقايق في العربية.
أدار السيارة مبتسمًا:
_ شوية شوية…هتعدِّي أنفاسي يا شموس
_حقي ولا لا ياكابتن
استدار اليها 
_مش عايز اسمع  منك كلمة .

بمنزل آدم…
توقَّفت أمام طاولة الطعام تشرف على ترتيب الإفطار، بينما هبطت فرح بمرحٍ واضح:
_صباح الخير يا مامي.
التفتت إليها مبتسمة:
_صباح النور يا حبيبة مامي، إيه اللي أخَّرك كده؟
_آسفة يا مامي، كان عندي ليسون كيمستري الساعة ستَّة الصبح، خلَّصت عشرة وبعدها نِمت شوية.
_خلاص يا حبيبتي، المهمّ نركِّز باقي الشهر على الامتحانات.
اقتربت فرح وقبَّلت وجنة أمَّها، ثم اتَّجهت إلى الطاولة مع نزول آدم.
_صباح الخير يا حبيبتي.
_صباح الخير يا آدم…إنتَ خارج؟
أومأ وهو يجلس:
_آه، رايح كمبوند الشافعي، إلياس كلِّمني وقال إنُّه محتاجني.
_خير، في حاجة؟
قاطعهم صوت رائد وهو يلقي تحيَّة الصباح:
_صباح الخير على الأسرة السعيدة.
_صباح الخير يا حبيبي، قالتها إيلين وهي تدقِّق النظر به:
_إنتَ خارج ولَّا إيه؟
_أيوه يا ماما، عندي ميتينج مهم، وقلت لحضرتك إمبارح.
فركت جبينها معتذرة:
_آسفة يا حبيبي، كان في ضغط شغل في المستشفى إمبارح ونسيت.
التفتت فرح إلى والدها بحماس:
_بابي، حضرتك وعدتني لو جبت مجموع هدخل سياسة واقتصاد.
ابتسم آدم:
_إن شاء الله يا حبيبتي، ركِّزي بس في الامتحانات.
_والله بذاكر يا بابي، بس..
قاطعتها إيلين بنبرةٍ حازمة:
_لسه مصِرَّة؟
تأفَّفت فرح:
_يوووه، رجعتي في كلامك!
_لا يا حبيبتي، بس نركِّز دلوقتي، وبعدها نشوف هندخل إيه.

باليوم التالي بفيلَّا السيوفي..

تجمَّعت العائلات مع بداية استقبال العشر الأوائل من شهر ذي الحجَّة، وامتلأ المكان بحركةٍ خفيفة وضحكاتٍ متفرِّقة
دلف يوسف ملقيًا السلام، وماإن وقع بصر شمس عليه حتى ركضت نحوه بفرحةٍ طفوليَّة:
_جو! رجعت إمتى؟
انحنى قليلًا واحتواها بذراعه:
_لسه واصل…إنتِ لسه راجعة من الجامعة ولَّا إيه؟
_آه، من خمس دقايق.
كانت ميرال تراقبه في صمت، وحديث ضي لا يزال عالقًا في ذهنها، أشارت إليه فريدة بابتسامةٍ حنونة:
_تعال يا حبيبي، واقف ليه؟
اقترب وهو مازال يحاوط جسد شمس، ثم قال بهدوء:
_عاملة ايه في الجامعة 
_الحمدلله 
جلس بجوار فريدة حيث أشارت له، ودار بعينيه في المكان بتلقائيَّة:
_فين ضي؟
أجابته غرام التي دخلت للتوّ:
_فوق مع رولا، لسه جايين، فقالوا يظبَّطوا هدومهم.
جلس يوسف وهو يطلق زفرةً خفيفة، فمدَّت ميرال يدها وربتت على كتفه بحنان:
_مالك يا حبيبي؟
_مفيش…إرهاق سفر، ومع نزول المستشفى بدري.
رفع رأسه مجدَّدًا يتفقَّد الوجوه:
_فين جدُّو؟
توقَّفت ميرال فجأة، ثم شهقت:
_نسيت! كنت عايزة أعملُّه عصير.
قالتها ونهضت مسرعة، فهتفت غرام تلاحقها:
_استنِّي يا ميرو، خديني معاكي.
أسند يوسف رأسه إلى ظهر المقعد للحظة، فربتت فريدة على كتفه بنبرةٍ دافئة:
_شايل حزن ووجع في عيونك ليه يا ابن إلياس؟
فتح عينيه واعتدل في جلسته، نظر إليها بنظرةٍ حملت ماعجز اللسان عن قوله.
_مالك يا حبيبي؟
رفع كتفه للأعلى وقال بخفَّة:
_مفيش يا تيتا، شوية إرهاق.
أشارت إلى ساقيها، فتمدَّد عليها مغمضًا عينيه، ورفعت كفَّيها تعبث بخصلات شعره بحنان:
_احكي لجدِّتك يا حبيبي، يمكن لمَّا تحكي ترتاح.
_مفيش حاجة أحكيها يا تيتا.
واصلت تمرير أناملها في شعره، ثم قالت بهدوءٍ مقصود:
_ليه رافض إنِّ مراتك تحمل؟
أغمض عينيه أكثر، وتسرَّب الألم إلى قلبه كمرضٍ خبيث، قبل أن يجيب بصوتٍ خافت:
_هيَّ اللي قالت لك؟
_مش عايزة قوالة يا ابن إلياس…وعلى العموم مامتك هيَّ اللي قالت لي.
قاطعهم دخول بلال
_أيوه ماهو مفيش حفيد غيره، وأنا ابن البطَّة السودة.
نظرت إليه فريدة مبتسمة:
_مالك يا حبيبي، مين مزعَّلك؟
وقبل أن تُكمل، سحب بلال يوسف من جوارها بقوَّة حتى سقط على الأرض، ثم تمدَّد مكانه على ساقيها:
_اعملي في شعري زي ماكنتِ بتعملي للواد ده، ولَّا علشان هوَّ دكتور قلب؟ ماأنا برضه دكتور!
صرخ يوسف وهو يُسحب:
_يا عمِّ سيبني.
ضحكت فريدة، وارتفعت أصواتهما وهما يتشاجران بمزاح، ركضت شمس إلى الداخل تصفُّق كطفلةٍ سعيدة، ثم هرولت لتقف أمام يوسف تحميه بجسدها الصغير.
_وسَّعي يا بت، خايفة عليه يا متخلِّفة!
رفع بلال نظره إلى يوسف الذي ضمَّ شمس ورفعها من خصرها.
_أومال هتخاف عليك يا متخلِّف!
في تلك اللحظة قاطعهم دخول ضي، توزَّعت نظراتها بينهم بدهشة:
_مالكُم، في إيه، إيه الصوت ده؟
_ضي حبيبة أخوها هتضرب معايا الحلوف ده.
عقدت حاجبيها:
_مين الحلوف ده؟
أشارت شمس ببراءة:
_جوزك بيتشتم يا مدام ضي، الناس هتقول عليكي مرات الحلوف مش مرات الدكتور.
رفعت رأسها إلى يوسف:
_ آسفة يا جو!.. قالتها شمس
ربت على كتفها مبتسمًا:
_ونِعم الاحترام يا أخت الحلوف.
توسَّعت عينا ضي، واتَّجهت بنظرها إلى بلال:
_إنتَ قصدك يوسف؟!
نظر لها ساخرًا:
_هتعملي فاتن حمامة في صراع في النيل؟
_لا يا متخلِّف، اسمه أبي فوق الشجرة.
_أيوه بالظبط…هوَّ ده.
لكمته ضي ضاحكة:
_هوَّ مين اللي أبي فوق الشجرة؟
_أنا مالي ومال أبوكي؟ روحي دوَّري عليه بعيد عنِّي..تمتم بها يوسف.
نظرت إلى يوسف بتحدٍّ:
_كده يا جو؟ طيب تستاهل اللي بلال يعمله فيك.
صفَّق بلال وهو يغمز له:
_الله أكبر، حتى مراتك بقت معايا… اشبع بالشبرِ ونص، ماشي يا شمس لو مسخَّنتش الكابتن عليكي.
قاطعهم دخول رولا وهي تلقي التحيَّة.
التفت إليها بلال سريعًا؛ فلقد اشتاق إليها حدَّ الجنون، خاصَّةً بعد إصرار آسر على المبيت في منزل والدها، وعودته هو وحيدًا.
لاحظت ضي شروده، فلكزت يوسف:
_هوَّ بلال ماله، مش كان بتاع كارما؟
_مش عارف…يمكن غيَّر الصنف.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، فاتَّجه إليهما بلال مستغربًا:
_بتضحكي على إيه يا بنتي؟ 
نهضت فريدة: 
_يالَّه اطلعوا غيَّروا علشان تنزلوا ونتغدَّى كلِّنا مع بعض، زمان أرسلان وإلياس على وصول. 

صعد يوسف الى غرفته، وخلفه ضي: 
_يوسف. 
التفت اليها، اقتربت منه وقالت: 
_عايزة أخرج الليلة، إيه رأيك لو نخرج بالليل؟ 
أومأ وتحرَّك، ساعدته بنزع ثيابه، ثم حمحمت: 
_يعني مش هتنزل المستشفى 
حاوط خصرها ثم قرب يدفن رأسه بعنقها
_لا... عايز اسهر مع مراتي، رفع رأسه وغمز اليها
_بس بشروط
رفعت حاجبها ساخرة
_كمان شروط يادوك
لمس عنقها وعيناه تخترق حصونها 
_اه.. بعد الغدا هقولك عايز ايه
قطبت جبينها بقلق واضح وتسائلت 
_فيه حاجة 
قبلة سريعة ثم ابتعد 
_اه.. ولو عايزة تعرفي تعالي ساعديني في الشاور، خايف اتزحلق
_شوف ازاي، وانا اللي هسندك 
_لا... انتي اللي هتحميني 
جزت على اسنانها
_بقيت قليل ادب يادوك
_شوف ازاي، روحي اشتكيني لابويا، وقولي له، لابد انك تربي ابنك ياعمو
ضحكت تبعده عنها، ولكنه داعب كنزتها 
_هي البتاعة دي مكنوش يحطوا سوستة فيها، مش عارفين فيه ناس بتزهق بسرعة
لكمته ضاحكة، سحبها خلفه وهو يقول
_ايوة اضحكي، ومتخافيش هكلم مصانع الستات كلها
_مصانع الستات... تمتم بها بغرابة
توقف يرمقها
_انتوا بتقولوا عليها ايه، مش مهم المهم عندي تصميم تحفة، القماش غلي، ولازم يوفروا للدولة، وخصوصا الناس المتجوزين، يراعو صحتهم 
دفنت رأسها بصدره تلكمه
_اهي الضربة دي خلتني افكر جديا في الموضوع، تراجعت تشهق بعدما وجدت نفسها معه داخل الحمام 
_اه يالص... يامخادع 
جذبها تحت المياه 
_مش قالو لك الخدعة في الحب والحرب
نظرت اليه باابتسامة، ثم قالت والمياه تتساقط فوقهم
_معرفش ليه حاسة اللي قدامي يوسف اللي قبل مااتجوزه 
زم شفتيها وهو يحاوط جسدها
_هو فيه يوسف اتنين 
_اه.. يوسف اللي بيحبني، ويوسف اللي بيدفن وجعه بس ايه هو المرة دي معرفش

بغرفة بلال.. 
توقَّفت على باب الغرفة تفرك بكفَّيها، بينما هو دلف ينزع حذائه متناسيًا وجودها..تحرَّك للحمَّام لكنَّه توقَّف فجأةً بعدما وجد باب الغرفة مفتوح.. ارتجف قلبه وهو يراها متوقِّفة بتلك الطريقة، كيف تناسى أمرها؟..تحرَّك إليها:
_واقفة كدا ليه؟ 
ابتلعت ريقها:
_هنقعد إزاي في أوضة واحدة؟ 
_سحبها يغلق الباب بقدمه بقوَّة، واستدار إليها: 
_يعني إيه إزاي، إنتي ناسية إنِّك مراتي؟ 
_ماهو..بس. 
وضع إصبعه على شفتيها: 
_ماهو إيه، إنتي كنتي عايزة إيه بعد كلامنا إمبارح، مش كفاية الأستاذة باتت برَّة. 
_يعني فرق معاك؟
حاوط خصرها، ولأوَّل مرَّة يدفن رأسه بعنقها يستنشق رائحتها:
_إنتي قاسية عليَّ ليه كدا يا بنت عمِّي؟ 
أغمضت عيناها مع ارتفاع صدرها وتلاشي نفسها: 
_بلال لو سمحت..إنتَ قولت كلِّ واحد منِّنا هياخد وقته، رفع رأسه ينظر إليها بصمتٍ موجع: 
_كان كلام ومفكَّر هكون قدُّه، رولا البعد بينَّا هيوجع قلوبنا.
ابتعدت بعدما فشلت في إخفاء ارتعاش جسدها بين ذراعيه: 
_ادِّيني وقتي، زي ماكنت ناوي على كدا. 
_تمام...قالها وتحرَّك للحمام، وقفت تراقبه بألمٍ ينبثق بعينيها..وضعت كفَّيها على صدرها وتراجعت للفراش:
_آسفة يا بلال، أنا كنت ناوية نكمِّل حياتنا، لكن إنتَ كنت بدأت حياتك أصلًا، يعني قدرت تنسى رولا، لازم أتأكِّد إنَّك بتحبِّني. 
عادت ذاكرتها للذهاب إلى كارما، بعد قصِّ مافعله بلال معها أثناء مرضها، ثم انقلاب حالته وعودته يعاملها بفتور. 
_أنا سمعته يا ضي وهو بيقولَّها جهِّزي الشنطة وهعدِّي عليكي الصبح. 
ربتت ضي على كتفها تقوم بتهدئتها: 
_طيب اهدي، أنا معرفش بلال بيفكَّر في إيه، بس أنا جالي اقتراح حبيبتي، إيه رايك تروحي وتفهِّميها إنِّك موجودة، بلاش تسيبي جوزك حتى لو جواز بالاتِّفاق، نظرت ضي بساعتها ثم قالت:
_يوسف هيسافر الفجر مع عمِّتو غادة، دلوقتي هوَّ مشغول بالسفر، إيه رأيك تجهزي وتروحي لها وأنا معاكي؟
_أنا لا لا..
_طيِّب خلاص ماتزعليش بقى لمَّا يتجوِّزها.
_هوَّ ممكن يعملها؟!
_وليه مايعملهاش، وحضرتك رفضتيه قبل كدا، وكمان منكِّدة عليه، إيه اللي يعرَّفه إنِّك بتحبِّيه...صمتت تنظر إليها بخوفٍ ثم همست: 
_خلاص هروح لها.
بعد فترة
أنهت ارتداء ثيابها، ثم استدارت إلى ضي:
_تفتكري هقدر أواجهها؟
نهضت ضي من مكانها واقتربت من وقوفها:
_أنا متأكدة إنِّك قوية، ومش معنى إنِّنا غلطنا مرَّة، يبقى حياتنا كلَّها غلط.
_ طيِّب هتيجي معايا؟ 
صمتت تنظر إليها بتردُّد:
_خايفة يوسف يقلب عليَّ. 
نظرت للأرض بحزن، فضمَّتها ضي تمسِّد على ظهرها:
_هاجي متزعليش، وحتى لو الدوك زعل، هعرف أراضيه.
_طيب لو قلب عليكي، مش عايزاكم تتخانقوا بسببي.
أطلقت ضحكة ناعمة: 
_مين دول إحنا؟! يابنتي دا إحنا بنتخانق أكتر مابناكل، وعلى فكرة، الدوك مخاصمني، وأهو حلو يمكن يصالحني. 
برقت عيناها غير مستوعبة حديثها، سحبتها وتحرَّكت: 
_مذهولة ليه، واحدة أخوها بلال وجوزها يوسف، هتكون عاقلة؟ 
_ماله يا برنسيسة يوسف؟
شهقت تضع كفَّيها على صدرها:
_مش تخبَّط، خضِّتني. 
_اسم الله عليكي من الخضَّة، سحب كفَّيها ونظر بساعته:
_دا النبض أبرد من فريزر التلَّاجة. 
سحبت كفَّيها بغضب، وتحرَّكت بجوار رولا.
_رايحين فين؟
_لون شعري مش عجبني، عايزة أغيَّره. 
نظر لحاجبها، وقطب جبينه:
_هتغيَّريه إزاي، هتحلقي شعرك، أهو أحسن برضو. 
جزت على أسنانها وتحركت سريعا بعد مغادرة رولا...

ضي.. توقفت وهي تواليه ظهرها:

الو راجل قربي من شعرك، وأقسم بالله هجر قهولك.

رفعت حاجبها ساخرة، وتحركت دون حدیث

ظل يتابعها بعينيه إلى أن اختفت.

وصلت بعد قليل إلى المبنى الذي تقطن به كارما، أشارت إلى رولا:

انزلي وانا هستناكي هنا، وزي ما قولت لك مش عايزة تبيني لها إنك ضعيفة.

مش هقدر

الكورت الدموع في عينيها تهز رأسها:

حقه

انزلي يا خايبة، ولا منتظرة لحد ما يجي يقولك باركي لي هيجي لي ولد.

تأففت في.. وضربت بكفيها على مقود السيارة:

انتي غبية فيه واحدة تكون مستسلمة كدا؟

نصيبي

انزلي يا رولا كفاية لون شعري اللي هروح بيه.

ابتسمت رغما عنها، ثم استدارت تفتح باب السيارة، أوقفتها ضي:

رولا... متنسيش إلك مراته، مهما كانت العلاقة بينكم بس انتي مراته، طب والله لو أنا لأجيبها

من شعرها من الدور اللي هي فيه لحذ الأرضي.

ضحكت رولا على كلماتها وقالت:

فكرتيني باللي عملتيه من يومين.

عمرت إليها:

أنا منتظرة هذا علشان أصور البنت وهن يتدحرج على السلم.

تحرکت رولا نهر رأسها لبتسم...

بينما في تنفست بعمق:

يارب ساعدها، دي غبية وهتغرق في شير مية، لا دا هتيجي معيطة وأنا كفاية عليا برود ابن

إلياس.

بالأعلى...

تجلس أمام التلفاز تشاهد أحد الأفلام الرومانسية، استمعت إلى طرق الباب توقفت متجهة إليه

تشير الخادمة بالتوقف:

رولا!!

استني انتي ممكن يكون الدكتور... فتحت الباب لتقف متجمدة تهمس:

عاملة ايه؟

أشارت إليها كارما بالدخول

طيب ادخلي هنتكلم على الباب

دلفت للداخل تتطلع بأركان الشقة، ثم التفتت إليها:

انتي عايزة ايه من بلال يا كارما؟

ارتبكت وقالت بتقطع:

قصدك ايه ؟

دنت منها رولا وغرست عيناها بعيني كارما:

أنا مبحبش الكلام الكثير، ابعدي عن جوزي بلاش شغل المطلقات دا مع جوزي تمام، أنا

معرفش حياتك ازاي، ولا يهمني، لكن تقربي من جوزي صدقيني همسح بيك الشقة بتاعتك دي

كلها.

قالتها بقوة واستدارت للخروج، بدخول كندا ابنة عم كارما، رمقتها رولا باشمئزاز ثم خرجت

بهدوء، وكأنها ليست تلك العاصفة التي صرخت بها منذ قليل.

خرجت من شرودها على خروج بلال من الحمام يجفف خصلاته نهضت من فوق الفراش ولكنه

توقف أمامها:

رولا انسي أي كلام قولته، وخدي وقتك براحتك.

هزت رأسها، وأشارت إلى الخزانة

ها خد شاور قبل ماننزل

ابتسم يفتح لها الطريق، يراقب كل تحركاتها بالغرفة وداخله يصرح بالسعادة، ما أجمل هذا

الشعور الذي يشعر به المرء حين يغلق الباب على روحين متكاملين اتجه إلى غرفة الملابس مع

خروجها اصطدمت به...

حاوط جسدها لتشهق حين وقعت عيناها على أنه لا يرتدى سوى ثياب الحمام

تراجعت سريعا تجمع ثيابها بارتباك مع ضحكات المجنونة ...

بعد فترة...

شهقت قائلة:

نسيت الهدوم ومفيش بورنس كمان أطلع إزاي دلوقتي يارب ما يكون في الأوضة... فتحت

الباب وأخرجت رأسها، وجدته يضع السجادة:

سايب البيت كله وجاي يصلي هنا .. اااه أعمل إيه دلوقتي ؟

حمحمت ولادته:

بلال .. التفت ينظر للباب المفتوح فقالت:

عندك هدوم على السرير ممكن تجبها.

رفع حاجبه

معقول اللي بتتكلم بأدب دي رولا ؟!

باله الجو برد.

خطا إلى السرير ورفع بعض الملابس.. ضحك بخيت:

أنهي هدوم؟

أخرجت ذراعيها تشير للجهة الأخرى.

رفع ما بیده

بس أنا مش لاقي غير الأحمر دا.

سبته بصراخ قائلة:

انت قليل أدب على فكرة.

خطا إليها يتلاعب بها يمكر:

ما بلاش دا انتي في أوضتي وفي حمامي من غير هدوم.

بلال مات الهدوم بقى.

تو.... لما تقولي لي كلمة حلوة.

بلال .. قالتها تضرب قدمها بالأرض.

جلس على الفراس يرفع مابيده

أغلقت الباب تسيه

كدا الواحد لازم يتوضا ثاني، باله مش مشكلة.

ماشي يا بلال جزت على شفتيها بغضب.

شهقت بعدما فتح الباب، ومد يده ده . بروب الحمام

خدي حبيبي الروب أهو مهند مهنش على تخرجي من غير الهدوم خاية خايف على نفسي من الفتنة.

شدت منه يغضب، ودفعت الباب اب تغلقه بقوة، حتى حتى ضرب رأسه.

ماشي مش هنخرجي

خرجت بعد دقائق معدودة، وجدته واقفا كأنه ينتظرها

فيه إيه ؟

رفع ما بیده

عايز اشوفه دلوق لوقتي ضربت في عقلي مراتي وأنا حر.

توسعت عيناها، واقتربت منه تحدب منه ما يخصها نسبه:

ما تربتش ولا شوقت الاحترام يادكتور

تراجع يرفع للأعلى وهي تنشبت لتننقطه ونسيت ماترندیه قفزت تخطف طف ماییده، لينفتح روب

غياب العقل وتحكم القلب جديها إليه.

حمامها أمامه وينكشف جسدها، تجمد الاثنين، وارتفعت دقاتها حينما اقترب. منها، وبلحظة

مساء بغرفة يوسف:

رفع نظره من فوق جهازه ونزع نظارته الطبية، يرفع فنجان قهوته ...

صيق عيناه بعدما وجدها مازالت واقفة

محتاجة حاجة ؟

كانت تنظر إليه تنفتن به بعينيها العاشقة.

نقر على مكتبه:

انتي يا بنتي واقفة كدا ليه محتاجة إيه ؟

أنا يحتك.

اقتربت منه وما زالت على وضعها

قالتها بدخول في وهي تتحدث بهاتفها:

حاضر يا ماما، ولكنها توقفت بعدما استمعت لتلك الكلمات...



تعليقات