رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثامن والاربعون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
بِسمِ اللهِ على قلبٍ أحبَّكِ حتى المَمات،
بِسمِ اللهِ على قلبٍ لم يعرفْ سِواكِ..
قُل لي يا من تَهوى الهوى:
هَلا تذوقتَ حلوَ الهوى، أم قُيِّدتَ بمرِّه؟
فيا حبيبةَ قلبي الذي حين رآكِ عادَ إليهِ نبضُه، وكأنكِ جئتِ لتكوني أنتِ "لي الحياة"..
ولكن، أخبريني.. كيف لروحٍ مثلي، أرهقها الشتاتُ طويلاً، أن تنجو من طوفانِ عينيكِ؟
يؤلمني أنني أحبُّكِ بهذا العجز، وأنّكِ صرتِ النَّفسَ الذي أخافُ أن يضيق، والنبضَ الذي أخشى توقفه؛ صرتُ أخافُ من كلِ لحظةٍ تمرُّ دُونَكِ، وكأنَّ غيابَكِ خنجرٌ يترصدُ بخاصرةِ أيامي..
فأخبريني يا قدري.. هل سيكونُ الغيابُ موتاً محتوماً، أم أنَّ رحمةَ اللهِ ستُبقيكِ "لي الحياة"؟"
قبل شهر، وتحديدًا ليلة عيد الأضحى…
لم يذق طعم النوم..بعد أن أنهى زواجه منها، بينما هي غفت بين ذراعيه كطفلةٍ احتمت بأحضان والدها..كانت هادئة، ناعمة، تنام وكأنَّها لم تعرف النوم منذ أيام.
عيناه تجولان على ملامحها كفنَّانٍ يتأمَّل لوحته الأثمن، رفع أنامله برفق يزيح خصلات شعرها عن عينيها، فوقعت عيناه على جرحٍ صغير في شفتيها، مرَّر إصبعه فوقه بحذر، فهاجمته الذكرى، ذكرى غبائه معها في بداية علاقتهما.
أغمض عينيه، وعقله كاد ينفجر.
كيف استطاعت أن تفعل به ذلك، كيف جعلته ضعيفًا إلى هذا الحد؟
ذهبت ذاكرته وتذكَّر تلك الليلة…
كان منشغلًا بعمله على جهازه بحديقة منزله، استمع إلى صوت رحيل:
_عامل إيه؟
نظر إليها بابتسامة وقال:
_أنا كويس، حضرتك عاملة إيه؟
سحبت المقعد وجلست بمقابلته:
_أنا كويسة الحمدلله، بلال أنا طالبة منَّك طلب.
قطب جبينه وقال:
_أؤمري.
_الأوَّل قولِّي انتَ بتحبِّ رولا؟
ارتبك قليلًا، ثم اتَّجه إلى جهازه وكأنَّه يهرب وقال بتقطُّع:
_رولا زيَّها زي ضي، أكيد بحبَّها وبخاف عليها.
_بس مش دا قصدي يا بلال، رولا حكت لي إنَّك كنت بتحبَّها.
_دا كان يا طنط أيَّام ماكنَّا ولاد، هيَّ كبرت وأكيد قلبها ارتبط بحدِّ تاني.
_وإنتَ؟ صمت وعجز عن الردِّ للحظات ثم قال:
_حضرتك عايزة توصلي لإيه؟
_ولا حاجة حبيبي...المهم كنت عايزة تطلب من رولا تروح للدكتور، أنا طبعًا مقدَّرة تضحيتك، بس قبل الفرح عايزاك تقنعها.
_دكتور إيه مش فاهم؟
_لا إنتَ فاهم بس خايف تصدَّق.
_مش محتاجة دكتور، طرد زفرةً حارقة وقال:
_الموضوع هيكون صعب عليها، بلاها، غير إنِّي كنت هناك وشفت يا طنط.
_شوفت بس متأكِّدتش، البنت كانت مخدَّرة، وزي ماقالت صحيت لقيت نفسها بنصِّ هدومها، أه فيه آثار لكن... هبَّ من مكانه وحاول السيطرة على عاصفة ألمه:
_رجاءً يا طنط بلاش نرجع نقلِّب في اللي حصل، هتجوِّزها وزي ماتيجي، فترة وكلِّ واحد يروح لحاله.
اقتربت رحيل من وقوفه:
_طيب حبيبي أنا معاك، افرض البنت مفيهاش حاجة واتجوِّزتها وطلَّقتها وبعد كدا اتجوِّزت تاني وكانت سليمة، صورتك هتكون إيه؟
ججظت عيناه وفقد النطق، ربتت على ذراعه:
_عمَّك يزن رافض أودِّيها لدكتور خايف على نفسيتها، بس أنا أم ومن حقِّي أطَّمن، وإنتَ الوحيد اللي تقدر تقنعها بكدا.
_مش هقدر، صدَّقيني لو أقدر كنت عملتها وقتها، صعب عليها.
نزلت دموع رحيل:
_عايزة أطَّمن عليها يا بلال، بس خايفة عليها بعد كدا، مفكَّرتش لمَّا يتقفل عليكو باب واحد هيَّ هتحسِّ بإيه؟
_مطلوب منِّي إيه؟
_تقف جنبها وتحاول تقنعها تروح تكشف.
هحاول يا طنط، بس أنا من جوَّايا رافض.
باليوم التالي..
ذهبت اليه المشفى، طرقت الباب ودلفت
رفع عينيه من فوق شاشة الجهاز:
_ رولا…خير، في إيه؟
خطت نحوه ببطء، وابتلعت ريقها بصعوبة، كأنَّ الكلمات ثقيلة على لسانها:
_ مش عايزة الفرح يا بلال، انت ليه مصر انك تعمل فرح، واحنا عارفين دا مش جواز حقيقي
شعر بقبضةٍ تعتصر قلبه، حاول أن يتمالك نفسه رغم العاصفة التي اشتعلت داخله، استدار إلى الجهاز مرَّةً أخرى، وكأنَّه يهرب من عينيها:
_ قلتلك إمبارح، ليه مصرَّة كلِّ شوية أكرَّرها؟
اقتربت أكثر، حتى صارت أمامه مباشرة، وانحنت تستند على المكتب، وقالت بصوت متقطِّع لكنَّه ثابت:
_ وأنا مش موافقة.
رفع رأسه فجأة، فاصطدمت عيناه بعينيها القريبتين…وجهها كان شاحبًا، ولونها تغيَّر هل من الخوف أم من القرار؟ لم يعرف.
لكنَّه في تلك اللحظة فقط أدرك أنَّ هذه الفتاة قادرة أن تهدمه بجملةٍ واحدة؛ كما كانت قادرة لاحقًا أن تبنيه من جديد.
في تلك اللحظة شعر لأوَّل مرَّة بالخوف الحقيقي.
ليس خوف الفقد…بل خوف أنَّه يحبُّها أكثر ممَّا ينبغي...أكثر ممَّا يحتمل.
أكثر ممَّا سيُنقذه لو بقت، أو يدمِّره لو رحلت..
تراجع مبتعدًا عن أنفاسها التي لفحت وجهه، وحاول الثبات أمامها:
_رولا..لازم تفكَّري في باباكي وأخوكي، ابعدي كلِّ حاجة دلوقتي، ابعدي شخصية رولا العنادية، وافتكري باباكي اللي كان هيموت.
جلست على المقعد المقابل له:
_بلال…مش هقدر، صدَّقني مش هقدر،كفاية أتجوِّزتك لمجرَّد إنِّي أنقذ نفسي، أنا تعبانة.
قالتها وانسابت دموعها بصمت.
صمتٌ موجع التهم روحه وهو يرى انهيارها، سحب نفسًا عميقًا وزفره، ثم مال بجسده يستند إلى المكتب، وعيناه معلَّقتان بعينيها الباكيتين اللتين تحرقان كلَّ حواسه:
_طيب عندي حل…كنت عايز أقولِّك عليه من فترة، بس…
صمت فجأة، وضع كفَّيه على وجهه يمسحه بعجز، وكأنَّ الكلمات خانته.
لحظة واحدة كانت كفيلة بإحراقه حين مدَّت كفَّيها ولمست يديه تزيحها عن وجهه:
_سكتِّ ليه؟ كمِّل.
نظر إلى يدها المتشبِّثة بكفَّيه، ثم إلى عينيها المرتجفتين، فسحب يديه ببطء وقال:
_تكشفي يا رولا…لازم تكشفي وتتأكِّدي من اللي حصل.
ارتفعت أنفاسها وهي تنظر إليه بذهول:
_تقصد إيه؟
غضب من نفسه، ومن المأزق الذي وضعها فيه، لاحظ ارتجاف جسدها، فنهض من مكانه واتَّجه إليها، ثم جلس أمامها على عقبيه، وأمسك بكفَّيها:
_عارف الموضوع صعب، بس ده الحلِّ الوحيد اللي يخلِّيني أوقف الجواز… أوعدك لو…
انهارت دموعها، تنظر إليه بتيه، وشعرت وكأنَّ الأرض تدور بها:
_أفضح نفسي؟
هزَّ رأسه سريعًا وقال:
_هنروح مستشفى محدش يعرفنا فيها، وكمان هقول إنِّك مراتي…أنا هتصرَّف، المهم أتأكِّد.
_تتأكِّد، طيب وحالتي مفكَّرتش فيها؟!
نهض من مكانه وأدار ظهره، وتمتم بصوت خرج مكسورًا :
_خلاص نكمِّل الجواز زي ماقلت لك… سنة تستحمليها، غير كده مينفعش أخذل باباكي ولا حد.
التفت إليها سريعًا وقال:
_على فكرة حتى لو أنا ماكنتش اتكلِّمت، يوسف كان هيكتب عليكي… يرضيكي توجعي ضيّ كده؟ محدِّش منِّنا ينفع يسيبك في الحالة دي، وإحنا مش عارفين إيه اللي حصل، آه حالتك وقتها كانت بتدلِّ على…
كوَّر قبضته، وعجز عن إكمال حديثه.
نهضت تمسح دموعها وقالت بصوتٍ متماسك رغم ارتجافه:
_موافقة…بس عندي شرط.
التفت إليها.
_محدِّش يعرف حتى يوسف..في كلِّ الأحوال مش عايزة حدِّ يعرف أي حاجة.
_موافق.
اقتربت خطوة، ونظرت داخل عينيه:
_ولو طلعت سليمة…مش هتكمِّل الجواز؟
نظر داخل عينيها بثباتٍ موجع:
_هعمل اللي إنتي عايزاه يا رولا، لو دا يريَّحك.
قاطعهما طرقٌ خفيف على الباب:
_مساء الخير يا دكتور.
_تعالي يا كارما.
اقتربت توزِّع نظراتها بينهما، ثم قالت
_ازيك
اومأت رولا دون حديث
فتح جهازه وأشار لكارما:
_نزِّلي كلِّ اللي اشتغلتي عليه هنا، وبكرة أشوفهم ونكلم الصيدلية
_حضرتك مش هترجع النهاردة؟
نزع البالطو الأبيض وهزَّ رأسه:
_لا.
اقترب من رولا وسحب كفَّها برفق:
_يلَّا.
كانت رولا تنظر إلى كارما بهدوءٍ غامض، ثم تحرَّكت معه..استقلَّت السيارة بجواره، ومع ارتفاع رنين هاتفها:
_أيوه يا ماما.
_حبيبتي إنتي فين؟ أوعي تكوني كلِّمتي بلال في حاجة…بلال كويس يا بنتي، بلاش عندك يضيَّعك.
_ماما لازم أقفل.
صاحت رحيل بقلق:
_رولا هزعل منِّك لو عملتي اللي في بالك، صدَّقيني هتندمي.
أغلقت الهاتف ونظرت إليه:
_هنروح فين؟
صمت، ولم يرد.
هتفت بضجرٍ ممزوجٍ بالخوف:
_ممكن أعرف مابتردِّش ليه؟
_لدكتورة نسا…هنروح مركز، بلاش مستشفى.
_لا، مستشفى أحسن وأضمن، وفيها دكاترة كتير، يعني لو ماعجبناش واحد ممكن نشوف التاني.
_هنروح لدكتورة، مش دكتور.
بعد فترة توقفت السيارة، قبضت على ردائها، وارتعشت يدها، نظرت إلى اللافتة الكبيرة التي كُتب عليها:
أستاذة النساء والتوليد.
استدار إليها، يتألَّم قلبه على حالتها:
_رولا…بصِّيلي
رفَّت أهدابها وقالت بصوتٍ مرتعش:
_أنا خايفة…ماما طلبت منِّي قبل كده بس ماقدرتش، يلَّا نروح، مش عايزة، أنا موافقة…
قالتها وجسدها كلُّه يرتجف.
_تمام، اهدي…خلاص انسي، هنرجع.
انفجرت في البكاء بنشيجٍ مكتوم:
_أنا ليه بيحصل معايا كده..ليه؟!
قالتها بانهيار وهي تضرب وجهها بكفَّيها، فسحبها سريعًا إلى أحضانه:
_أنا آسف…سامحيني، خلاص انسي، انسي.
ظلَّ يهدهدها كطفلٍ صغير، بصوته الحاني وكلماته الدافئة، حتى هدأت تمامًا.
خرجت من بين ذراعيه تمسح دموعها، فرفع زجاجة المياه نحوها:
_اشربي.
هزَّت رأسها بالرفض، ثم رفعت عينيها إليه تنظر في عينيه الحانيتين، وكأنَّها تبحث فيهما عن أمانٍ ضائع.
_لأ…هكشف.
قالتها فجأة، ثم ترجَّلت من السيارة دون أن تنتظر ردَّه.
فتح باب سيارته بعدها بثوانٍ، ونزل يجرُّ قدميه بصعوبة، كأنَّ كلَّ خطوة تقرِّبه من حكمٍ مؤجَّل، لا يعرف إن كان خلاصه أم إعدامه.
كان يسير خلفها، يراقب ظهرها المرتجف، ويدعو في سريرته بصوتٍ لا يسمعه سواه:
_يارب متوجعش قلبي أكتر من كده… حتى لو مش هتجوِّزها، المهم ماأشوفش كسرتها.
دخلت المصعد دون أن تنظر إليه.
لحق بها، وقف إلى جوارها، يختلس النظر لملامحها المنهكة، شفتيها المضغوطتين، ويديها المتشابكتين بقوَّة كأنَّها تمسك نفسها من الانهيار.
صعد المصعد ببطءٍ قاتل.
لا صوت إلَّا دقَّات قلبه.
دلفا إلى العيادة بعد دقائق.
جلست أمام الطبيبة، جسدها يرتعش رغم محاولتها التماسك، عيناها معلَّقتان به كأنَّها تستمدُّ منه شجاعةً لا تملكها.
قال أخيرًا بصوتٍ خرج كالنَّار من صدره:
_متجوِّزين بقالنا فترة وعايز…
قاطعته رولا سريعًا، كأنَّها تخشى أن ينطق بما لا تتحمَّله:
_عايزة أعرف الحمل اتأخَّر ليه.
ابتسمت الطبيبة ابتسامةً عملية معتادة:
_بقالكم قدِّ إيه؟
_خمس شهور.
_تمام…خلِّينا نطمِّن الأوَّل بالسونار.
استلقت رولا على السرير، وضعت الطبيبة السائل وبدأت تحرِّك الجهاز ببطء.
كانت عيناها على الشاشة، بينما جسد رولا متيبِّس، أنفاسها غير منتظمة، وقلبها يدقُّ بعنفٍ كأنَّه يطرق بابًا مغلقًا...مرَّت ثوانٍ ثقيلة.. ثم قالت الطبيبة بهدوء:
_الرحم طبيعي والمبايض كويسة… ومفيش أي علامات لحمل.
همست رولا بصوتٍ متحشرج:
_يعني إيه؟
نظرت لها الطبيبة نظرة متفحِّصة، ثم قالت بحذرٍ مهني:
_مبدئيًا كدا دا مش تأخُّر ولا حاجة، ولو تأخُّر زي ماإنتي واهمة نفسك فتأخُّر الحمل له أسباب كتير…بس في حالتك محتاجين كشف سريري بسيط علشان نطمِّن أكتر.
تبادلت رولا النظرات معه.
الخوف في عينيها كان واضحًا حدَّ الألم..أومأ لها وعيناه ترسل إليها الطمأنينة، نظرت للطبيبة وأومأت بصمت..
نهض من مكانه سريعًا، وقال:
_هستنَّاكي برَّة لمَّا تخلصي..قالها وخرج وهو لا يكاد يشعر بقدميه.
جلس على المقعد، رأسه بين كفَّيه، وقلبه يخبط صدره كأنَّه يريد الهرب... يشعر بنيرانٍ تكوي أحشائه، داخل الغرفة سكونٌ ثقيل...أنفاس رولا وحدها تُسمع.
مرَّت دقائق..إلى أن سألت الطبيبة رولا:
_أنا محتاجة أسألك سؤال مباشر…
إنتوا متجوِّزين بقالكم خمس شهور؟
_أيوه..قالتها رولا سريعًا، ابتلعت الطبيبة ريقها وقالت بوضوحٍ قاطع:
_لأن بالكشف…غشاء البكارة سليم،
مفيش أي دليل طبِّي على حدوث علاقة زوجية كاملة.
شهقت رولا، ثم…ضحكة أفلتت منها دون وعي.
ضحكة هستيريَّة مختلطة بالدموع.
رفعت رأسها فجأة، ونظرت إلى الطبيبة برجاء:
_ممكن…ماتقوليش قدَّامه؟
طالعتها الطبيبة بريبة:
_ليه؟
_الموضوع ده حياة أو موت.
قالت بسرعة، كأنَّها تخشى أن تتراجع:
_قولي أي حاجة عن تأخير الحمل… المهمِّ ماتقوليش حاجة عن إنِّي فيرجين.
_هوَّ جوزك تعبان وإنتي بتحاولي تساعديه؟
ضحكت رولا ضحكة خفيفة، أنارت قلبها قبل وجهها:
_لا…بس أسرار عائليَّة.
تنهَّدت الطبيبة:
_ضميري المهني.
قاطعتها برجاءٍ مكسور:
_حضرتك مش هتكذبي، قولي بس مفيش موانع للحمل وخلاص.
صمتت الطبيبة لحظات تتأمَّل ارتجاف يديها، ثم نهضت ببطء وخرجت.
عدَّلت رولا ثيابها وهي تهمس لنفسها كمن يطمئن قلبه:
_أنا سليمة…أنا سليمة…
خرجت وجلست أمام الطبيبة، نظراتها معلَّقة بوجهها..ثم فُتح الباب.
دخل بعدما استدعته الطبيبة، وقف أمام الطبيبة، جسده مشدود، ينتظر الحكم وكأنَّه أمام قاضٍ.
رفعت الطبيبة عينيها إليه، وصوتها هذه المرَّة لم يكن آليًّا، بل مشوبًا بدهشةٍ حقيقية.
قالت الطبيبة بصوتٍ مهني متَّزن:
_اللي قدَّامي مفيش موانع واضحة للحمل، ممكن سفرك وبُعدكم عن بعض هوَّ اللي مأخَّر الموضوع.
أخرجت ورقة ودوَّنت رقمًا:
_وده طبيب ذكورة شاطر…الأفضل تكشف عنده.
_طبيب ذكورة؟
تمتم بها باستغراب، ونقل بصره ببطء إلى رولا التي تصنَّعت الحزن وخفضت عينيها..كانت حالته لا تستدعيه أن يركِّز بكلماتها.
لم يسأل..أومأ لها وخرج، خرجت خلفه.
كان يتحرَّك بجوارها كمن سُلبت روحه.
وصلا إلى السيارة..رفع نظره إليها أخيرًا:
_نرجع البيت…ولَّا؟
قالت بهدوءٍ ناعم:
_ممكن تاخدني على النيل شوية؟
استقلَّ السيارة دون تعليق، وهو يلقي الورقة بدرج السيارة، وقام بتشغيل المحرِّك.
سحبت رولا الورقة من درج السيارة دون أن يلاحظ، ثم فتحت النافذة
وتركتها تطير في الهواء..
كأنَّها تتخلَّص من الحقيقة نفسها.. استدار برأسه إليها، كانت تضع رأسها على زجاج النافذة تنظر للخارجِ بهدوء، حمحم وقال:
_رولا.
التفتت إليه ونظرت لعينيه الحزينة، تصنَّعت الحزن وقالت:
_أتمنّّى مانتكلِّمش في حاجة، أنا أستاهل اللي حصل، لازم أدفع تمن أخطائي.
أومأ دون حديث.
عودة للحاضر..
_عارفة لو كنتي قولتي الحقيقة من الأوِّل، مكنتش دي حياتنا.
_كنت خايفة تسبني، خوفت أوي أخسرك، حبِّيتك يا بلال، ولمَّا سمعتك بتقول ليوسف كده اتمنِّيت أموت.
جذب رأسها إلى حضنه سريعًا:
_بعد الشرِّ عليكي، أنا اللي مت وقت ماحسِّيت إنِّك انتحرتي علشان نتجوِّز.
رفعت رأسها تنظر إليه:
_لأنَّك غبي يا حبيبي، ومحسِّتش بقلبي يوم كتب كتابنا.
احتضن وجهها وطاف بعينيه على ملامحها:
_غبي ومتخلِّف كمان، أنا آسف.
لمست جانب وجهه، وهمست بخفوت:
_أنا بحبَّك أوي.
أغمض عينيه يتذوَّق حلاوة نطقها؛ من يخبرنا أنَّ اعتراف الحبيب لحبيبه هو عودة الروح للجسد؟
مرَّرت أناملها على وجهه بسعادة، ففتح عينيه يغوص في عالمه الخاص معها، عالمٌ لا يملُّ ولا يكلُّ مهما ارتوى.
مرَّت دقائق ناعمة شعرا بها كأنَّها ثوانٍ قليلة، دفنت رأسها في صدره تستمع إلى أجمل معزوفة..دقَّات قلبه التي تصرخ بعشقها مع ارتفاع وانخفاض صدره.
حاوط جسدها بذراعيه ومرَّر يده على خصلاتها:
_الليلة أجمل ليلة في حياتي كلَّها… أوَّل مرَّة أحسِّ بالسعادة دي، حاسس إنِّي ماسك النجوم كلَّها.
رفعت رأسها إليه، وعيناها تنطقان بالفرح:
_وأنا كمان، سعيدة أوي.
أمال بجسده يداعب أنفه بأنفها:
_إنتي تسكتي خالص دلوقتي، بقى تفضحيني عند الدكتورة كده..طيب دلوقتي لو اتقابلنا مثلًا تقول علينا إيه؟
قهقهت بصوتٍ مرتفع، وضعت كفَّيها على وجهه:
_أنا مكنتش أعرف إنَّها هتقول كده أصلًا!
_لا والله! أومال كنتي مستنية منها إيه؟ يالهوي على فضيحتك يا بلال، آخرك دكتور ذكورة! ودِّتيني يا بت لدكتورة ذكورة! دي إنتي جبروت، وحياة رحمة أبويا اللي نايم تحت ده لأعرَّفك يعني إيه دكتور ذكورة لو ماهديتش حيلك!
لكزته وهي تدفن رأسها بذراعه:
_بس بقى…بتكسف.
_شوف إزاي! أيوة طبعًا بتتكسف، وأنا المفروض أصدَّق؟
نطَّت جالسة:
_نعم، عايز إيه؟ ماقولتلك مكنتش أعرف الموضوع هيقلب كده.
نظر لشعرها اللذي انساب على وجهها بعشوائية، ولجسدها اللي ظهر بعضه أمام عينيه؛ كانت كلوحةً فنيةً عمره ماملَّ يتأمَّلها.
رفعت أصابعها أمام عينيه:
_روحت فين؟
_لدكتور الذكورة يا أختي!
ارتفعت ضحكاتها:
_دول وحشين وكذَّابين يا حبيبي!
_يا بت مش عايز أسمع صوتك…أنا هنزل أصلِّي العيد، وإنتي نامي واشبعي نوم، بالليل هنهرب من مصر كلَّها.
شهقت واعتدلت تسحب الغطاء:
_هنروح فين؟ إنت ناسي الدكتوراه بعد تلات أيام!
_مش مهم، المهمِّ عايز ألفِّ الدنيا معاكي.
_ياسلام! والدنيا هتلفَّها في يومين؟ لا يا حبيبي، خلَّص رسالتك وبعد كده نلفِّ براحتنا.
قرص وجنتيها وابتسم:
_برضه نامي واشبعي نوم.
وضعت رأسها في أحضانه:
_تمام…لسه ساعة على الصلاة، خلِّيك شوية لمَّا أنام.
قرَّبها لصدره، وسحب الغطاء يدثِّرها كويس، وقلبه يعزف بالسعادة..خلَّل أنامله في شعرها، ثم انحنى يدفن وجهه فيه مغمض العينين:
_أجمل ريحة…طول عمري بدعي ربِّنا أنام وأصحى عليها.
_اعمل حسابك هغيَّرها…لازم أغيَّر كلِّ حاجة.
قالتها وهي في أحضانه، فابتسم وداعب وجنتيها:
_لا يا حبيبي…بحبِّ كلِّ حاجة فيكي كده.
نظرت له بجديَّة خفيفة:
_بلال، أنا عايزة حياة جديدة من كلُّه.
_تؤ…حبِّي مش جديد علشان أغيَّر حاجة..أنا حبِّيتك كده وعايزك كده.
أغمضت عينيها وغابت في النوم، ظلَّ يراقب ملامحها الهادية يعشقها حدَّ الجنون، حدَّ الهوس..نظر لشفتيها وتمنَّى تختفي الدنيا كلَّها من حواليه ومايفضلش غيرها.
استمع لتكبيرات العيد، وضع رأسها بهدوءٍ حذر، ثم انسحب من جوارها في صمت.
دخل الحمَّام دقائق، وخرج مرتديًا زيَّه: ترنج أبيض رياضي، صفَّف خصلاته، وضع عطره المميَّز، وخرج من الغرفة بهدوء.
استنشقت رائحته، ابتسمت وهي تجذب وسادته تحتضنها، تهمس بين النوم واليقظة:
_بحبَّك…
بمكتب إلياس..
أنهى اتِّصاله ثم نقر على مكتبه:
_وبعدين بقى، كان ناقصني بنت عيشة، زمَّ شفتيه ينظر بشرود وتذكَّر ماحدث منذ يومين:
_إيه اللي عملتيه دا؟.اتجنِّنتي تضربي الشغَّالة!
_أه وأموِّتها كمان، دي بنت محتاجة تتربَّى، كنت منتظر منٍّي إيه وهيَّ عمَّال تتحسِّس بجوزي وتقوله بحبَّك.
جحظت أعين الياس يرمق يوسف، الذي يدور بالغرفة يمسح على وجهه:
_دي عيِّلة يا ضي، وأنا كنت هتعامل معاها.
_مش هردِّ عليك، علشان لو ردِّيت هزعَّلك، التفتت إلى إلياس:
_البنت دي لو قعدت دقيقة واحدة في البيت هموِّتها.
_أكيد اتجنِّنتي!
رمقته بغضب وصاحت:
_أه، إيه كان عجبك تلزيقها.
_ضي احترمي نفسك.
اقتربت منه وعيناها نيرانًا تريد إحراقه:
_أنا محترمة يا دكتور، لو حضرتك شايف اللي حصل عادي فهو غير مقبول عندي؛ إنتَ جوزي مش صاحبي علشان أشوف بنت قذرة تتحرَّش بجوزي وأسكت، لا وكمان زعلان.
_ضي اطلعي أوضتك وأنا هتصرَّف.
_مفيش تصرُّف يا عمُّو، فيه قرار واحد البنت تخرج برَّة.
_مش بقول اتجنِّنتي، عايزة تقطعي عيش الست؟!
_أنا ماقولتش كدا، عمُّو هيتصرَّف، المهمِّ يبعد البنت دي من هنا لو خايفين عليها.
قالتها وتحرَّكت تدفعه بذراعها الى أن صعدت للأعلى..خرج يوسف خلفها. بعد قليل دلفت عيشة والدة زهرة، تنظر إلى الأرض بخجل، أشار إليها إلياس بعدما أطفأ سيجارته:
_تعالي يا عيشة.
_نعم يا باشا، قالتها واقتربت منه.
نهض من مكانه ووقف أمامها في اللحظة التي دخلت فيها زهرة..دلفت للداخل وتوقَّفت، بينما عينا إلياس تخترقان وقفتها:
_أنا مش هقولِّك غلطِّي، لأنِّك إنتِ الغلط نفسه، واحمدي ربِّنا إنِّك لسه صغيرة.
فركت كفَّيها وجسدها ينتفض، هزَّت رأسها بخوف:
_مكنش قصدي اللي مدام ضي فهمته…أنا قصدي إنِّي بحبُّه زي أخويا.
زمَّ شفتيه وأشار إلى والدتها بحدَّة:
_حجزت لها في بيت الطالبات، بنتك مبقاش ليها مكان في بيتي.
ركضت نحوه تسحب كفَّيه، تحاول أن تقبِّلهم، فرفع يديه بغضب:
_خدي البنت دي من قدَّامي، واحمدي ربِّنا إنِّي دخلت في الوقت المناسب.
_شكرًا يا باشا، وياريت تفهِّم الدكتور إنَّها لسه صغيرة وطايشة.
_الدكتور نسي الموضوع يا عيشة، بدليل إنِّي سامحتها..تروح تعتذر لمدام ضي، وبعد كده مش عايز ألمحها في الكمبوند كلُّه.
أومأت برأسها بطاعة، وخرجت تسحب ابنتها التي ارتفع بكاءها.
دخلت ميرال:
_أتمنَّى ضي ماتخربش الدنيا.
_ميرال، إنتِ آخر واحدة تقولي كده.
تنهَّدت بخفَّة:
_عارفة، بس يوسف مالوش ذنب.
تهكَّم على كلماتها:
_طول عمرك عاقلة يا أمِّ يوسف.
_بتتريق يا إلياس؟
نظر لها بجديَّة مفاجئة:
_لو مكانها، كنتِ هتعملي إيه؟
جزَّت على شفتيها وهي ترمقه:
_كنت زماني أخدت إعدام يا حبيبي..
أفلت ضحكة يسحبها الى أن جلست بجواره وحاوطها بذراعيه يجذبها إليه:
_من زمان مشفتش جنانك.
رفعت رأسها تنظر إلى قربه:
_مين اللي جنِّن مين يا حضرة الظابط؟
أمال برأسه منها وقال بخفوت:
_أنا اللي جنِّنتك يا ميرو.
ابتسمت ووضعت رأسها على كتفه:
_الأيام بقت تعدِّي فينا يا إلياس وبتجري.
ضمَّها إليه بحنان:
_الحياة أقدار يا أستاذة الإعلام.
تهكَّمت وهي تحتضن كفَّيه:
_إعلام إيه بس، دا أنا نسيت إزاي الواحد يقول حوار.
اعتدل ينظر إليها:
_أه صحيح فكَّرتيني، النهاردة شايف الملحق بتاع يوسف بيجهز، إنتي ناوية تعملي حاجة فيه ولَّا إيه؟
قطبت جبينها متسائلة:
_ملحق يوسف، وأنا هستخدمه في ايه؟!
_مش كنتي بتقولي عايزة تعملي مكتبة هناك وتجمَّعي المقالات؟
هزَّت رأسها بالنفي وقالت:
_في بيتنا مش عند يوسف.
شرد الياس وتساءل:
_غريبة، أومال ليه المسؤول قال المدام اللي طلبت.
_مايمكن ضي.
_ضي! تمتم بها باستغراب ثم قال:
_وضي هتعمل إيه بالملحق، ضي شغَّالة، دا تجهيزات لمكتب..زفر وهو يمسح على وجهه:
_خلاص هسأل يوسف، يمكن هوَّ اللي بيحضَّر حاجة.
نهضت ومدَّت يدها:
_طيب ياله هتفضل قاعد، الوقت اتأخَّر، وهتقوم بدري للصلاة.
أومأ يعانق كفَّها ثم صعدا للأعلى.
بغرفة يوسف قبل ساعات..
ظلّ جالسًا في شرفة غرفته على أملٍ واهن أن تأتي؛ فمنذ ماحصل وهي اتَّخذت غرفتها القديمة ملجأً بعيدًا عنه، كأنَّها تعاقبه بصمتها بعد غضبه ممَّا فعلته بزهرة، شعر لأوَّل مرَّة أنَّ صوته العالي كان أقسى من قلبه.
سحب علبة سجائره، أشعل واحدة تلو الأخرى، لا ليستمتع، بل ليخنق ذلك الفراغ الذي تركه غيابها بجواره.
نفث دخانها باضطِّراب، وفي كلِّ نفسٍ كان يشعر بتوقُّف نبضه.
توقَّف قلبه عند فكرة أنَّه يعاقبها بتلك الطريقة، بالبعد.
كيف لرجلٍ يحبُّ امرأة حدَّ الجنون أن يختار الهروب بدل الاحتواء؟
أمال جسده على ظهر المقعد، يحدِّق في السماء المكتظَّة بالنجوم، وكأنَّ كلَّ نجمةٍ تذكِّره بها..بضحكتها، بغيرتها، بطريقة نظرها له حين تخاف أن تخسره.
اجتاحته الذكريات كطوفان..جنونهما معًا، تعلُّقها المرَضي به، وتعلُّقه الجنوني غير المتوقَّع بها، صفع القلبُ العقل.
نهض فجأة، اتَّجه إلى غرفتها.
وجدها جالسة على فراشها، ذقنها فوق ركبتيها، صغيرة..منكسرة..ليست تلك القوية التي تتظاهر بها دائمًا.
وحين دخل، اعتدلت سريعًا وتصنَّعت الانشغال بهاتفها، لكن أصابعها المرتعشة فضحتها، وعيناها كانتا غارقتينِ في حزنٍ لا يليق بها.
اقترب منها دون كلمة، وانحنى يحملها بين ذراعيه..اعترضت وهي تدفعه بكفَّيها بضعف:
_ ابعد…مش أنا مجنونة، ابعد عن المجنونة!
لكنَّه حادثها بصوتٍ أهدأ من غضبها، فقط ضمَّها الى قلبه، وهو يهمس لها:
_اسمعي قلبي يا ضي.
لحظات قليلة كانت كفيلة بأن تنهار كلُّ مقاومتها، وتدفن رأسها في صدره، تبكي بلا صوت، كطفلةٍ وجدت ملجأها.
تحرَّك بها إلى غرفتهما، وضعها على الفراش بحذر، كأنَّها شيءٌ ثمين يخاف أن ينكسر، وجلس أمامها يحاصر عينيها بنظراته:
_ تباتي برَّة الأوضة يا ضي؟ حصَّلت تعملي كده وفي يوم زي ده؟
نطقت بصوتٍ مكسور:
_ مش إنتَ اللي عايز كده؟..ورغم اللي حصل ولا اهتمِّيت.
مرَّر أنامله على وجهها، يمسح دموعها:
_ متعمليهاش تاني علشان مزعلش منِّك بجد…صدَّقيني لو زعلت منِّك مش هيكون كويس لينا إحنا الاتنين.
ابتلعت غصَّتها، وقالت بصوتٍ مختنق:
_ زعلانة منَّك يا يوسف…
كلمة بسيطة، لكنَّها حملت كلَّ خوفها:
_زعلانة أوي وموجوعة.
تنهَّد، اقترب منها أكثر:
_ طيِّب ممكن ننام ونتكلِّم بعدين…لو يوسف يهمِّك فعلًا.
رفعت عينيها المتورِّمتين إليه، وفيهما خليطًا من الغيرة والحب:
_ يوسف…البنت لمستك قدَّامي، كنت مستنِّي منِّي إيه؟
عارفة إنِّي غلطت واتسرَّعت، بس أنا اتجنِّنت من فكرة إنَّها تقرَّب منَّك كده…
ضمَّ رأسها إلى صدره بقوَّة هذه المرَّة، ليس ليهدِّئها فقط، بل ليطمئن نفسه أنَّه يخاف أن يضيع منها.
نظر إليها بحنان، نظرات عاشقٍ حدَّ الوجع.
وفي تلك اللحظة، لم يكونا متخاصمين…كانا فقط عاشقينِ يخافان الخسارة أكثر ممَّا يحتمل القلب..مرَّر أنامله على وجنتيها:
_أنا اتفاجئت صدَّقيني، بس إحنا أكبر من اللي إنتِ عملتيه…مينفعش تنزلي للمستوى ده، تتخانقي مع الشغَّالة!!للدرجة دي شايفاني منحط كده؟
رفعت رأسها ببطء، تنظر إليه وقلبها يصرخ بوجع، هزَّت رأسها نفيًا، ولمعت عيناها بدموعٍ متردِّدة:
_ غِرت…آه غِرت، عارفة إنِّي غلطت، بس أعمل إيه؟
إنتَ السبب يا يوسف، دايمًا بحسِّ إنِّ سعادتي ناقصة، جوَّايا وجع ومش عارفة له سبب، دايمًا حاسَّة إنِّ في حاجة مش حلوة هتحصل…كأنِّ انفصالنا جايز.
ضمَّها إلى صدره بقوَّة، لا ليواسيها فقط، بل ليحتمي بها من نفسه، شعر بانهياره يسبق دموعها، فذلك الإحساس الغامض الذي يسكنها كان يسكنه هو أيضًا، لكنَّه أكثر دراية بحدَّته وخطورته.
حاول أن يسيطر على ارتجافةِ صوته، وقال:
_ ضي…إنتِ نبض يوسف، حافظي عليه، بلاش تفكَّري في حاجة توجعنا، لأنِّي ضعيف قدَّامك أكتر ماتتخيَّلي.
أخرجت رأسها من حضنه، ونظرت إليه بعينينِ غارقتينِ في خوفٍ طفولي:
_ وإنتَ حياتي وروحي، مش بس نبضي، بس معرفش ليه دايمًا بحس إنِّ سعادتي مسروقة، كأنِّي مش مسموحلي أفرح وأنا جوَّا حضنك.
أسند جبينه على جبينها، وأنفاسه خرجت متقطِّعة كأنَّها اعتراف:
_ طيب مش هنَّام…وحشتيني أوي، من أوَّل الليل وإنتِ زعلانة وبعيدة عنِّي، وعايز أصالحك.
ابتسمت رغم دموعها، تمرِّر أناملها على خدَّيه:
_ هتعرف تصالحني؟ أنا واخدة على خاطري أوي منَّك.
ابتسم بعشقٍ موجوع:
_ أؤمري…حتى لو طلبتي روحي.
سكتت لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ كأنَّه حلم:
_ توافق بقى يكون عندنا بيبي يا يوسف؟
في تلك اللحظة، شعر وكأنَّ قلبه سقط من مكانه..لم ينكسر فقط، بل تهشَّم داخليًا، جمرة حارقة اعتصرت صدره، وذكريات موجعة مرَّت في رأسه كالسكاكين.
هزَّ رأسه ببطء:
_ مش بإيدي حاجة…
خرجت الكلمة منه كأنَّها نزيف، لكنَّها لم تصل إليها، كلُّ مارأته في عينيه كان حزنًا، ففسَّرته رفضًا.
_ ليه يا يوسف، ليه الحاجة اللي هتسعدنا رافضها؟
اقترب منها أكثر، وقال بصوتٍ منكسر:
_ ضي حبيبتي…وقت ماربِّنا يريد هيرزقنا، والله مافي حاجة نفسي فيها أكتر من طفل منِّك.
_ يعني إنتَ موافق؟
_ موافق…أيوه موافق.
قالها، وكلُّ حرفٍ منها كان يحرقه من الداخل، كأنَّ الحقيقة تلتهمه ببطء وهو يختار أن يكذب لينقذ فرحتها.
نهضت فجأة، وابتسامة طفوليَّة شقَّت وجهها:
_ هغيَّر هدومي، أكيد مش هنام بالبيجاما!
أومأ لها بصمت، وعيناه وحدها كانت تنطق بالألم الذي يعجز لسانه عن قوله.
مرَّت دقائق وخرجت بثيابها التي تخطف القلب قبل العقل، راقب خطواتها واقترابها بدلال، فألقى سيجارته ونهض من مكانه.
شمَّت الرائحة وحدقته بامتعاض:
_ مش قولنا هنبطلَّها..ليه رجعت لها تاني؟ وأنا بقول الريحة دي إيه.
ابتسم ابتسامة مكسورة، وسحبها إلى صدره:
_ إشش…سجاير إيه بس اللي هنتكلِّم فيها دلوقتي.
وغاص بها في عالمه الخاص، عالمُ رجلٍ يعشق امرأة لدرجة أنَّه يفضِّل أن يعيش بالألم سرًّا، على أن يراها لحظة واحدة منكسرة بالحقيقة.
بعد عدَّة ساعات..
فتح عيناه على رنين المنبِّه، سحبه وأغلقه بتكاسل، ثم استدار للقابعة بين أحضانه..أزاح خصلات شعرها عن وجهها برفق، ورفع رأسها فوق الوسادة كأنَّها أغلى مايملك.
تململت بنومها تهمس اسمه بصوتٍ واهن، فمال عليها وقبَّل وجنتيها قبلةً دافئة:
_ نامي يا روحي، أنا هقوم أجهز لصلاة العيد.
سحبت كفَّيه من على وجنتيها ووضعت رأسها فوق صدره، كأنَّها ترفض أن يبتعد حتى وهو مستيقظ.
_ لسه بدري، خلِّيك شوية.
ابتسم وهو يداعب خصلاتها بأصابعه بحنانٍ بالغ، صوته خرج منخفضًا مشبعًا بالحب:
_ باقي نصِّ ساعة يا حبيبتي، يادوب… نامي براحتك.
فتحت عيناها ببطء، تتلفَّت حولها وكأنَّها تستعيد وعيها بالعالم من جديد:
_ هوَّ الفجر أذَّن؟
نزل من فوق الفراش وهو يضحك بخفَّة، يلتفت لها بمزاحٍ لطيف:
_ لا لسه…أنا رايح أصلِّي العيد، وبعدين الفجر.
اعتدلت تجلس، تجمع خصلاتها بإهمال:
_ بتتريق.
_ أومال إيه؟ بقولك رايح أصلِّي العيد… ماحسِّتيش بيَّا لمَّا قومت للفجر؟
هزَّت رأسها بنفيٍ ناعم:
_ نمت، كنت تعبانة..وبعدين إحنا نايمين متأخَّر.
اقترب منها من جديد، وقال بصوتٍ هادئ:
_ طيب مادام صحيتي، قومي صلِّي وبعدين نامي.
نزلت من السرير واتَّجهت نحوه بخطواتٍ بطيئة، وقفت أمامه مباشرة:
_ لا، هاجي أصلِّي معاك، نرجَّع أيام زمان، من زمان ماصلِّيناش العيد مع بعض.
ضمَّها إلى صدره تلقائيًا، كأنَّه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا:
_ كنت خايف أصحِّيكي تقولي عايزة تنامي.
حاوطت خصره بذراعيها، وأمالت رأسها على صدره:
_ أيام زمان وحشتني أوي يا جو…
ابتسم بحنينٍ واضح، ومسح على ظهرها بحركةٍ دافئة:
_ إيه رأيك نهرب النهاردة؟ نروح أي مكان.
رفعت رأسها، ومازالت تحيط خصره، وعيناها تلمعان:
_ ماشي…موافقة.
بعد فترة، خرجت تنتظره خارج المسجد، خرج يبحث عنها مع رنين هاتفه، وماإن لمحها حتى اتَّجه إليها. وصل إليها فاحتضنت ذراعه وتحرَّكت بجواره:
_ تيجي نتمشَّى شوية على الكورنيش؟ الجوِّ حلو وهتلاقي الدنيا هادية.
حاوط خصرها وقال مبتسمًا:
_ إنتِ تؤمري يا روحي.
رفعت عينيها ترمقه:
_ بتصالحني يعني؟
نظر أمامه وهو يخطو بجوارها:
_ أنا مقدَّر غيرتك، بس اللي عملتيه مش صح، وكمان تزعلِي وتنامي بعيد عنِّي..اتفاجأت، أوَّل مرَّة تبعدي عنِّي علشان حاجة تافهة كدا.
توقَّفت ونظرت إليه بحدَّة خفيفة:
_ إنتَ شايف اللي حصل ده تافه؟ يوسف، البنت كانت بتتفرَّج علينا!
توقَّف هو الآخر، يرمقها بصمتٍ للحظات، ثم قال بهدوء:
_ الغلط هنا غلطنا إحنا، دي عيِّلة، وإنتي بتقولي كانت بتراقبنا…ممكن رسمت أوهام في دماغها، إحنا نتكلِّم بعقل، مش نهجم ونضرب زي قطَّاعين الطرق.
تنفَّست بغيظ:
_ تعرف، أنا كنت هطردها من أوَّل ماعرفت إنَّها بتراقبنا، بس جدِّتها ماتت، وعشان كدا ماشفتهاش غير وهيَّ بتقولَّك كدا..اتجنِّنت الصراحة، لا وكمان الحيوانة بتلمسك! ده كويس إنِّي ماقطعتش إيدها.
لكزته في صدره بغضبٍ مكتوم:
_ وإنتَ يا حبيبي إزاي تسيبها تلمسك؟ والله كان نفسي أولَّع فيك إنتَ كمان.
أطلق ضحكةً رجولية، وتوقَّف يغمز لها:
_ طيب ماإنتي مولَّعة في قلبي يا ضيايا.
ابتسمت بدهشةٍ دافئة:
_ ياااه…من زمان ماقلتش دي.
حاوط كتفها وهو يضحك:
_ ماكنتش أعرف إنَّها هتثبت كدا.
نظرت له بمكر:
_ ومالك بتقولها كأنَّك زعلان يا ابن عمِّي؟
توقَّف أمام النيل، حملها بخفَّة ووضعها على أحد الجدران الحجرية، ثم لفَّ ذراعيه حولها:
_ ماكنتش أعرف إنِّك هتخطفِي قلبي كدا يا بنت عمِّي.
حاوطت عنقه، ولمعت عيناها بالسعادة:
_ نصيبنا يا روحي.
بعد فترة عاد الجميع من صلاة العيد…
_ صباح الخير، كلِّ سنة وإنتوا طيِّبين…
نطقها يوسف وهو يبحث بعينيه عن بلال.
_وإنتَ طيِّب يا حبيبي.
قالتها فريدة وهي تبتسم له بمحبَّة، ثم ألقت نظرة سريعة حولها تتفقَّد المكان:
_ أومال فين مراتك؟
_ نازلة، هوَّ بلال لسه نايم؟
رفع أرسلان هاتفه وهو ينظر إلى شاشته:
_ معرفش، بس هوَّ صلَّى العيد معانا.
قال إلياس وهو يدخل عليهم:
_ فريدة هانم، عيد مبارك.
ابتسمت فريدة بدفء:
_ عليكوا كلُّكوا يا حبيبي يارب.
رمقه إلياس بنظرةٍ مستغربة فجأة:
_ هوَّ إنتَ بجد جايب عجل هنا؟
ضحك أرسلان وهو يضع الهاتف على أذنه:
_ آه…عايزين ندبحه هنا قدَّام الولاد، علشان يتعوِّدوا.
شهق يوسف وهو يفتح عينيه بدهشة:
_ عجل؟!
_قصدك عجل اللي هوَّ بقرة حقيقية بتمشي على رجليها؟
قاطعه بلال:
_ لا…بتمشي على بطنها.
قالها بلال بسخرية، فوقف يوسف وضمَّه ضمَّة أخوية:
_ كنت فين يا عم؟ مشفتكش في الصلاة.
حكَّ بلال مؤخِّرة رأسه بإحراج:
_ صحيت متأخَّر شوية…
قاطعه أرسلان بحماس:
_ يلَّا بقى، علشان تمسكوا العجل.
تبادل يوسف وبلال النظرات في اللحظة نفسها، ساد صمتٌ لثانية، ثم انفجرا ضاحكين بصوت عالٍ.
قال يوسف وهو يضحك:
_ عجل إيه يا حج؟ صلِّي على النبي، أنا آخري أشوف قطَّة في الشارع!
لكزه بلال في كتفه:
_ ماتيجي نجرَّب، دي الحاجة الوحيدة اللي لسه مجربنهاش.
_ هوَّ سجارة علشان تتجرَّب؟ ده حاجة ضخمة كده وبيقول موو!
تعالت ضحكات أرسلان أكثر:
_ هوَّ إيه اللي بيقول موو يلا؟!
_ العجل…مش بيقول كده؟
_ لا يا حيلة أبوك، بيقول نو!
نظر إليه يوسف بذهول:
_ نو! ده عجل مستورد ولَّا إيه؟
رمقهم إلياس بمللٍ واضح:
_ ماتتلمُّوا أنتوا الاتنين.
ثم توجَّه إلى أرسلان مباشرة:
_ وإنتَ كمان اتجنِّنت؟ جايب عجل هنا!
رفع أرسلان حاجبه بثقةٍ مستفزَّة:
_ وإنتَ اللي هتدبحه، وابنك هوَّ اللي هيقطَّعه.
ساد صمتٌ لنصف ثانية…
ثم انفجر يوسف وبلال ضاحكينِ من جديد.
قُضيَ نهار يوم العيد بين المزاح وبين التجمُّعات العائلية، بقصر الجارحي
توقَّف أمام المرآة يصفِّف خصلات شعره، دلف إليه عمران يطلق صفيرًا:
_أوووه حمزة باشا، ياترى على فين الهروب؟
رفع عطره ونثره وهو يرد:
_خارج مع شمس، هنروح سينما، وبعد كدا هنتفسَّح.
_أممم..اقترب منه واستند على الجدار:
_فيه واحدة قابلتني من يومين بالجامعة، مش فاكر اسمها بالظبط.. أسماء إسراء سارة..
حاجة زي كدا.
استدار إليه يطالعه بتساؤل:
_مالها يعني؟
_بتقول أخت زميلك، معرفش إيه سبب تعارفها، إنَّما دخلتها معجبتنيش.
ارتدى ساعته وقال:
_دي إسراء أخت صلاح الفيومي.
_الواد دا من الفيوم يعني؟
ضحك حمزة وهو يربت على كتفه:
_لا يا سيدي، لقب العيلة، دا أبوه كان لوا بس متقاعد، واد شايف نفسه، بس على مين.
غمز عمران:
_هوّّ أهبل ولَّا إيه، ميعرفش إنِّنا تقال أوي.
رمقه حمزة باستخفاف، ثم ارتدى نظَّارته وتحرَّك للخارج، قابله إسحاق:
_رايح لخطيبتك؟
_أه إن شاء الله، وهتأخر.
_اعمل حسابك هنسافر بكرة لعمَّك وبنت عمَّك.
_حاضر، محتاج حاجة؟
_لا حبيبي، خلِّي بالك من نفسك.
غادر حمزة وعينا إسحاق تراقب تحرُّكه، رفع هاتفه:
_حمزة باشا مش يغيب عن عيونكم، وزي ماقولت أي مشتبه فيه ماترحمهوش.
_تحت أمرك يا إسحاق باشا.
_إسحاق..تمتمت بها دينا التي استمعت إلى حديثه، اقتربت منه:
_ماله حمزة، فيه إيه اللي بيحصل؟
_مفيش حبيبتي أمان مش أكتر، إنتي ناسية مركزه الحسَّاس؟
دقَّقت النظر إليه:
_إنتَ مخبِّي عليَّ حاجة؟
ضمَّ رأسها إليه:
_مفيش حاجة، لو فيه هكون هادي كدا؟
قبَّل جبينها، ثم حاوط جسدها وتحرَّك للخارج.
وصل حمزة بعد قليل الى فيلَّا السيوفي، دلف الى الحديقة بعدما وجد إلياس وأرسلان ومصطفى، ألقى تحيِّة المساء:
_مساء الخير...كلِّ سنة وأنتم طيِّبين.
ابتسم مصطفى:
_وإنتَ طيِّب حبيبي.
_جدُّو أخبار صحِّتك إيه؟
_أنا كويس حبيبي، إنتَ عامل إيه..وباباك عامل إيه؟
_الحمد لله، التفت إلى إلياس، وأمال بجسده:
_مفيش كلِّ سنة وإنتَ طيب لجوز بنتك؟
ضحك أرسلان وقال:
_هنبدأ بقى المناوشة، لكن قاطعه إلياس:
_عامل إيه؟ اتاخَّرت يعني، كنت بقول هتيجي من الفجر.
ذُهل من حديثه، فاعتدل قائلًا:
_كنت منتظر شموسة تصحى براحتها، هوَّ أنا جايلك علشان آجي بدري.
_شوف الولا...ضحك مصطفى وأشار إليه:
_تعال اقعد، وقولِّي إيه أخبار الشغل معاك؟
نظر بساعته وقال:
_لا..شغل إيه، أنا حمايا بيعدِّ أنفاسي لحدِّ ماربِّنا يأذن، أهو قالِّي بعد العيد نكتب الكتاب.
التفت مصطفى لإلياس:
_هتكتب كتاب شمس الأيام دي؟
أومأ إلياس وهو يرمق حمزة:
_شهر كدا ولَّا حاجة، مش دلوقتي.
_هوَّ حضرتك مش قولت بعد العيد يا عمُّو، ليه بعَّدته لرمضان؟
_ماتتهدِّ يلا، هوَّ رمضان بعد العيد الكبير، ولَّا تخلِّيني أحلف عليك نكتبه في رمضان.
نظر إلى أرسلان:
_هوَّ رمضان بعيد أوي كدا، أيوة مدام بيقولها بفرحة، لسة قدَّامه بدري.
ارتفعت ضحكات أرسلان ومصطفى على كلماته، حدجه إلياس باستخفاف:
_مش عارف شهر رمضان إمتى؟ لا مؤمن يا خويا.
تنهَّد مبتعدًا عنه بعدما رأى نزول شمس:
_حصِّة الدين دي نخصِّص لها وقت يا عمُّو، شمسي ظهرت.
جزَّ على أسنانه، يرمقه بغضب:
_بلاش هيصة بدل ماأغيَّر رأيي وماتخرجش.
نزل يوسف وضي، وخلفه بلال ورولا، فقاطعه مصطفى:
_روحوا حبيبي استمتعوا بوقتكم.
مضت الأيام سريعًا، إلى أن أتى يوم مناقشة رسالة الدكتوراه لدى بلال.
استيقظت بحماس، ونهضت بهدوء من جواره متَّجهةً إلى المطبخ، أعدَّت وجبة إفطارهما بعدما شاهدت الكثير من فيديوهات الطهي..لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، جهَّزت طاولة الطعام، ثم دلفت إليه.
وجدته مايزال نائمًا، فأمالت بجسدها وقبَّلته على وجنتيه:
_ صباح الخير حبيبي، قوم الساعة تمانية.
فتح عينيه بإرهاق، ثم ابتسم بحنان وجذبها إلى أحضانه:
_ صباح الخير يا روحي.
دفنت نفسها بين ذراعيه، لقد اشتاقت إليه حدَّ الجحيم، ثلاثة أيام وهو منهمك في عمله ورسالته، ورغم حزنها من البعد، لم تُظهر له شيئًا لانشغاله، ضمَّها بقوَّة وهو يتنهَّد:
_ ياااه…حاسس إنِّي بقالي كتير مشوفتكيش.
_ خلاص النهاردة وترتاح، يلَّا جهَّزت الفطار..قوم نفطر علشان تجهز، باباك وعمُّو إلياس اتَّصلوا، بس أنا عملت التليفون سايلنت علشان تنام كويس… حسِّيت بيك سهران طول الليل.
داعب خصلاتها بحنان، ثم رفع رأسها لينظر إليها:
_ وحشتيني أوي…أوي.
اقتربت تطبع قبلة بجوار شفتيه وهمست:
_ وإنتَ أوي…بس خلاص بقى، هكون مرات حضرة الدكتور رسمي نظمي فهمي.
ضحك واعتدل، يسحبها فوق ساقيه:
_ طيب قوليلي أعمل فيكي إيه على الصبح؟
أشارت إلى خدِّها:
_ تبوسني، وبعد كده تفطر، وبعد كده تقولِّي تسلم إيدك يا روحي، وبعد كدا..
بترت حديثها حين احتضن شفتيها في قبلةٍ شغوفة سرق أنفاسها بها، ثم أسند جبينه إلى جبينها:
_ كده كتير على قلب حبيبك على فكرة.
_ طيب يلَّا يا حبيبي علشان متتأخَّرش.
نهض من فوق الفراش وهو يحملها بين ذراعيه وسط ضحكاتها المرتفعة، واتَّجه بها إلى طاولة الطعام:
_ بلال، ادخل الحمَّام!
وضعها على المقعد وأشار إليها:
_ أدوق عمايل مراتي الأوَّل، وبعدين ناخد شاور، مش فطرنا مع بعض يبقى المفروض ناخد شاور مع بعض.
_ بلال! قالتها بضجر وهي تشير إلى طبقه:
_ اقعد افطر وقوم اجهز، قال شاور مع بعض! ده مابقاش فيه أدب خالص.
جحظت عيناه وهو ينظر إليها بذهول:
_ بتقولي إيه يا بت؟
وضعت وجنتيها على كفَّيها بدلال:
_ بلال حبيبي، هتتأخَّر.
تذوَّق الطعام، فطالعته تنتظر رأيه:
_ إيه مش عاجبك؟
أومأ دون حديث، فالطعام كان مالحًا، ورغم ذلك ابتسم:
_ تسلم إيدك حبيبتي.
بدأت تأكل، ثم توقَّفت فجأة وسحبت الطبق:
_ إنتَ إزاي بتاكل ده؟ ده مالح أوي!
قالتها بحزن.
سحب كفَّيها وأجلسها فوق ساقيه:
_ كفاية إنِّك حاولتي يا روحي…هاخد شاور لمَّا تحضَّري القهوة.
قالها وهو يقبِّل وجنتيها.
أيَّام أخرى هادئة على الجميع الى أن جاء الصباح الذي زلزل السعادة عند اليعض..
بمنزل كارما..
كانت تقف بالمطبخ تعدُّ وجبة طعامها، استمعت إلى رنين جرس الباب، اتَّجهت إليه، فتحته:
_إنتَ..جاي وعايز إيه؟!
_مش هتقولي لي اتفضل، دا حتى كان بينَّا عيش وملح.
_لا مينفعش تدخل، أنا لوحدي.
_إيه خايفة من الدكتور؟
_أسامة امشي من هنا لو سمحت.
دفع الباب وأغلقه بقدمه، واتَّجه إليها:
_كنتي بتخونيني معاه مش كدا، كنتي بتخونيني يا كلبة معاه؟
هزَّت رأسها بذهول:
_إنتَ أكيد مجنون، امشي اطلع برَّة بدل ماأصوَّت وألمِّ عليك العمارة.
_مش قبل ماآخد حقِّي منِّك.
ارتجف قلبها بفزع، وهرولت من أمامه تصرخ لعلَّ أحدًا ينجدها من ذاك الوحش، أغلقت الباب وهي تصرخ وتبكي بنفس الوقت، هدر بعنف:
_هقولُّهم إنِّك اللي اتَّصلتي بيَّا، وإنِّك شمال بدليل متجوزة الدكتور في السرّ.
طرقات قوية على الباب، ثم دفعه بقوَّة، ليدلف أحد رجال أمن إلياس يسحبه بعنف.
صرخ به أسامة:
_إنتَ اتجنِّنت يلا، مش عارف أنا مين؟!
_هنعرف دلوقتي يا أخويا إنتَ مين.
قالها أحد الرجال وهو يسحبه، مع انهيارها بالداخل بالبكاء، ركضت إلى هاتفها وقامت الاتِّصال على ابنة عمَّها، ولكنَّها لم ترد، اتَّجهت إلى بلال وقامت بمهاتفته، كان قد أنهى رسالته للتوّ، مع فرحة عارمة بالعائلة، لم ينتبه لهاتفه لمباركته على النجاح، ضمَّته غرام بسعادة وفخر:
_ألف مبروك يا حبيبي، عقبال لمَّا أشيل عوضك.
قبَّل كفَّيها، ثم رأسها وابتسم بسعادة:
_الله يبارك فيكي يا ماما، اتَّجه إلى أرسلان الذي تلقَّاه بين أحضانه ولمعت الدموع بعينيه:
_فرحتي بيك النهاردة ماتتوصفش، ربِّنا ينجَّحك أكتر وأكتر يا حبيبي.
_حبيبي يا بابا، الفضل بعد ربِّنا لحضرتك.
قالها واتَّجه إلى إلياس:
_عمُّو إلياس.
_حبيب عمَّك، كلِّنا فخورين بيك، ربِّنا يوفقك وتحقَّق كلِّ اللي تتمنَّاه.
بحث عنها بقلبه قبل عينيه، إلى أن وقعت عيناه عليها بجوار يوسف وضي، انسحب من بين الجميع واتَّجه إليها، توقَّف أوَّلًا أمام يوسف:
_بقيت دكتور.
قالها بفرحة عارمة، رمقه يوسف باستخفاف:
_إيه مكنتش عايز تبقى دكتور، هوَّ إنتَ قليل يا بني ولَّا إيه، أحلى دكتور أعصاب.
ضمَّه وهو يرفعه بسعادة، فانسابت دموع الفرح الصادقة من عينيه، دموعًا لا تعرف حقدًا ولا تحمل ضغينة، كأنَّهما قلبٌ واحدٌ بجسدين.
في تلك اللحظة أدركت ياصديقي…ما أجمل الصداقة حين تُبنى على الصدق، وحين لا تشوبها النفوس المريضة، ولا تفسدها الحسابات الخفيَّة.
فاعلم يا صديقي أنَّ من أعظم مكاسب الدنيا صديقٌ يهوِّن متاعب الحياة.. فالصداقة امتحانٌ طويل للنيَّة، من نجح بقي كأنَّه لم يعرف الرحيل يومًا،
ومن فشل خرج بصمت، لا يترك وراءه إلَّا فراغًا يشبه الخذلان..ولا يغرنَّك القول المعسول، فليس كلُّ من اقترب صديقًا،
ولا كلُّ من ابتسم كان وفيًا
فالصديق الحقيقيّ هو من لا يتغيَّر حين تتغيَّر الظروف، ولا ينسحب حين تتكاثر الأسباب، ولا يخذلك أبدًا.
ماأجمل الصداقة التي لا تحتاج تبريرًا،
ولا تقوم على الشك، ولا تخاف من الغدر.
صداقة لا تُقاس بعددِ الأيام،
بل بعددِ المرَّات التي سقطَّ فيها… فوجدتَ من يمدُّ لك يده.
ولا تنسى عزيزي أنّّنا في زمن المصالح،
حين يصبح البشر أوراقًا مؤقَّتة في حياة بعضهم، يبقى الصديق الوفي استثناءً نادرًا،
نعمة لا تُشبه أحدًا،
وهدية من الله لا تُعوَّض…تستحق أن تحمُدَ عليها كلُّ العمر.
تحرَّك نحو رولا التي وقفت تنظر إليه بصمت، كأنَّ العالم توقَّف عند ملامحه وحدها..اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تلتهمان تفاصيلها بدقَّات قلبه المتسارعة، حتى وقف أمامها تمامًا، ولم يكن في عينيه سوى اعترافٍ صريحٍ بالعشق.
_ مبروك…همست بها، وكأنَّها تخشى أن يسمع صوتها أحدٌ سواه.
دنا منها أكثر، حتى امتزجت أنفاسهما، فشعرت باختناقها من قربه لا خوفًا… بل ارتباكًا.
_ عارفة عايز أعمل إيه دلوقتي؟ قالها بصوتٍ منخفض، محمَّلًا بما لم يُقال.
ارتعش قلبها قبل جسدها، وتراجعت نصف خطوة:
_ بلال…الكلِّ بيبصِّ علينا، لو سمحت بلاش تحرجني كده.
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
ضمَّته غرام بسعادة وفخر:
_ألف مبروك يا حبيبي، عقبال لمَّا أشيل عوضك.
قبَّل كفَّيها، ثم رأسها وابتسم بسعادة:
_الله يبارك فيكي يا ماما، اتَّجه إلى أرسلان الذي تلقَّاه بين أحضانه ولمعت الدموع بعينيه:
_فرحتي بيك النهاردة ماتتوصفش، ربِّنا ينجَّحك أكتر وأكتر يا حبيبي.
_حبيبي يا بابا، الفضل بعد ربِّنا لحضرتك.
قالها واتَّجه إلى إلياس:
_عمُّو إلياس.
_حبيب عمَّك، كلِّنا فخورين بيك، ربِّنا يوفقك وتحقَّق كلِّ اللي تتمنَّاه.
بحث عنها بقلبه قبل عينيه، إلى أن وقعت عيناه عليها بجوار يوسف وضي، انسحب من بين الجميع واتَّجه إليها، توقَّف أوَّلًا أمام يوسف:
_بقيت دكتور.
قالها بفرحة عارمة، رمقه يوسف باستخفاف:
_إيه مكنتش عايز تبقى دكتور، هوَّ إنتَ قليل يا بني ولَّا إيه، أحلى دكتور أعصاب.
ضمَّه وهو يرفعه بسعادة، فانسابت دموع الفرح الصادقة من عينيه، دموعًا لا تعرف حقدًا ولا تحمل ضغينة، كأنَّهما قلبٌ واحدٌ بجسدين.
في تلك اللحظة أدركت ياصديقي…ما أجمل الصداقة حين تُبنى على الصدق، وحين لا تشوبها النفوس المريضة، ولا تفسدها الحسابات الخفيَّة.
فاعلم يا صديقي أنَّ من أعظم مكاسب الدنيا صديقٌ يهوِّن متاعب الحياة.. فالصداقة امتحانٌ طويل للنيَّة، من نجح بقي كأنَّه لم يعرف الرحيل يومًا،
ومن فشل خرج بصمت، لا يترك وراءه إلَّا فراغًا يشبه الخذلان..ولا يغرنَّك القول المعسول، فليس كلُّ من اقترب صديقًا،
ولا كلُّ من ابتسم كان وفيًا
فالصديق الحقيقيّ هو من لا يتغيَّر حين تتغيَّر الظروف، ولا ينسحب حين تتكاثر الأسباب، ولا يخذلك أبدًا.
ماأجمل الصداقة التي لا تحتاج تبريرًا،
ولا تقوم على الشك، ولا تخاف من الغدر.
صداقة لا تُقاس بعددِ الأيام،
بل بعددِ المرَّات التي سقطَّ فيها… فوجدتَ من يمدُّ لك يده.
ولا تنسى عزيزي أنّّنا في زمن المصالح،
حين يصبح البشر أوراقًا مؤقَّتة في حياة بعضهم، يبقى الصديق الوفي استثناءً نادرًا،
نعمة لا تُشبه أحدًا،
وهدية من الله لا تُعوَّض…تستحق أن تحمُدَ عليها كلُّ العمر.
تحرَّك نحو رولا التي وقفت تنظر إليه بصمت، كأنَّ العالم توقَّف عند ملامحه وحدها..اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تلتهمان تفاصيلها بدقَّات قلبه المتسارعة، حتى وقف أمامها تمامًا، ولم يكن في عينيه سوى اعترافٍ صريحٍ بالعشق.
_ مبروك…همست بها، وكأنَّها تخشى أن يسمع صوتها أحدٌ سواه.
دنا منها أكثر، حتى امتزجت أنفاسهما، فشعرت باختناقها من قربه لا خوفًا… بل ارتباكًا.
_ عارفة عايز أعمل إيه دلوقتي؟ قالها بصوتٍ منخفض، محمَّلًا بما لم يُقال.
ارتعش قلبها قبل جسدها، وتراجعت نصف خطوة:
_ بلال…الكلِّ بيبصِّ علينا، لو سمحت بلاش تحرجني كده.
حمحم بخفَّة وتراجع خطوة، بعدما لمح الارتجافة التي فضحتها، توقَّف يراقبهما من بعيد، فاتَّجه نحوه:
_ مبروك يا بلال.
استدار إليه بابتسامةٍ حاول أن تبدو طبيعية:
_ الله يبارك فيك يا عمُّو، وعقبال آسر إن شاء الله.
ربت على كتفه بحنانٍ أبوي:
_ حبيبي…ثم أدار نظره إلى ابنته:
_ مبروك يا حبيبتي لجوزك.
هزَّت رأسها بصمت، تفرك كفَّيها بتوتُّر، كأنَّ الكلمات أثقل من أن تُقال، تحرَّك بلال مع يزن بضع خطواتٍ بعيدًا عنها..
_ دلوقتي كلُّه خلص، وزي ماوعدتك أهو.
_ كنت عارف إنَّك قدِّ الثقة…عملت إيه مع البنت؟
فرك جبينه، وكأنَّ السؤال أعاده لواقع لم يرغب في تذكُّره:
_ هتسافر الأسبوع الجاي، عمُّو إلياس قالِّي الموضوع انتهى، ولمَّا أرجع من السفر هروح لها وأطلَّقها.
توقَّف لحظة، ينظر إليه بتمعُّن:
_ هتقعد كتير؟
_ يومين بس…عندي حاجات مهمَّة. هنرجع على البيت دلوقتي، تيتا فريدة مستنيَّانا، وجدُّو مصطفى بيقول زي ماعملت ليوسف هعملَّك.
ابتسم يزن ابتسامة هادئة:
_ ربِّنا يسعدك يا حبيبي، خلِّي بالك من رولا.
رفع بلال عينيه بثقة عاشق:
_ في قلبي قبل عينيَّا.
حدَّق فيه طويلًا، ثم قال بنبرةٍ لا تخلو من اختبار:
_ متأكِّد من كده؟
بعد عدَّة ساعاتٍ من احتفال مصطفى وفريدة بنجاحه، دلف إلى غرفته بمنزل السيوفي، وجدها انتهت من زينتها، استدارت بعد دخوله:
_ماقولتش رايحين فين، البسي وخلاص.
اقترب منها وعيناه على شفتيها المطليَّة بالأحمر:
_مش قولنا بلاش الروج.
رفعت حاجبها، وأشارت عليه:
_لو قرَّبت هصرخ بقولَّك أهو، مبخرجش غير بيه، ولو مش عاجبك بلاها.
_لا يا روحي عجبني طبعًا، يالَّه بينا.
التفتت تحمل حقبيتها، لم تنتبه لنظراته، لحظة واحدة وهي تلتفت، يلفُّ ذراعيه حول جسدها، يحتضن ثغرها في لحظةٍ خاطفة، لحظات معدودة، يتراجع للخلف، ثم سحبها من كفَّها:
_قال لو مش عجبك، شكلك عايزة تتربِّي تاني يا روليتا.
حاولت الافلات من كفِّه، ولكنَّه توقَّف فجأة:
_كلمة واحدة، هنزلُّهم تحت وأقولُّهم باركوا للعروسة اللي ضحكت على جوزها.
ساعات مضت إلى أن وصلا إلى جزيرة في المالديف، هبطت من الطائرة تنظر حولها تستكشف المكان:
_إحنا فين؟
حاوط جسدها متَّجهًا إلى السيارة التي تنتظرهم بالقرب من المطار:
_إحنا في يومين عسل يا روحي.
توقَّفت فجأة:
_يالهوي يا بلال، دي مش شرم؟!
_شرم إيه يا غبية، إنتي في المالديف، قال شرم، فرصة جاتلي ببلاش على حساب الواد جو.
شهقت تنظر إليه بذهول:
_يوسف عارف إنِّ إحنا..
_هتسكتي ولَّا أسكِّتك بطريقتي؟
دلف إلى المكتب بخطواتٍ سريعة..
_ فيه إيه؟ قولت عايزني ضروري.
رفع إلياس رأسه بحدَّة، وعيناه تقدحان شررًا:
_ بلال فين؟ بتِّصل بيه ومش بيرد.
_ أكيد في بيته، إنتَ عارف الفترة اللي فاتت كان مضغوط، ويمكن راح نام.
هزَّ إلياس رأسه نفيًا بعصبية:
_ مش في البيت…وتليفونه هناك، ابنك في مكان مش عايزني أعرفه.
تجمَّد أرسلان مكانه:
_ يعني إيه؟
اقترب إلياس منه خطوة، وهتف بغضب:
_ البنت اللي متجوِّزها…طليقها الغبي هجم عليها وحاول يغتصبها..لولا إنِّي مراقب بيتها كان زمانه عمل مصيبة.
جحظت عينا أرسلان وكأنَّ الأرض سُحبت من تحت قدميه:
_ إيه، إنتَ بتقول إيه؟!
_ لازم يطلَّقها فورًا، قبل ماالحيوان ده يلبِّس البنت تهمة إنَّها اللي اتَّصلت بيه.
_ مايمكن يا إلياس…
قاطعه بعنف:
_ إنتَ اتجنِّنت يا أرسلان، البنت مالهاش ذنب في حاجة! هوَّ اللي مجنون، ومعاه حصانة علشان عضو مجلس شعب.
ابتلع أرسلان ريقه بصعوبة:
_ تمام…هتصرَّف.
قالها وخرج متَّجهًا إلى منزل يوسف.
بمنزل يوسف..
دلف إلى الداخل، كان يوسف يجلس بالخارج يتحدَّث في الهاتف:
_ تمام، رحلة سعيدة، هقفل أبوك جاي عليَّا.
وصل أرسلان إليه وتساءل:
"بلال فين يا يوسف؟"
_ معرفش، مشفتوش من وقت الفطار.
حاول أرسلان الاتِّصال ببلال مرَّةً أخرى، ثم التفت إلى ضي:
_ كلِّميه، يمكن يردِّ عليكي.
_ حاضر…قالتها ورفعت هاتفها بقلق.
جلس يوسف ووضع ساقيه فوق المنضدة، يتابع هاتفه ببرودٍ مستفز.
_ إنتَ يا بارد، نزِّل رجلك وشوف لي الحيوان ده فين، ده لو ماكنتش تعرف.
اعتدل يوسف ينظر إليه بسخرية:
_ هوَّ أنا مراته؟ ماتروحوا تسألوا مراته.
اقترب منه أرسلان بسرعة، وكاد يصفعه، لكنَّه أمسكه من ملابسه بعنف:
_ إنتَ مخبِّي عليَّا إيه؟!
_هوَّ أنا بطلَّع صدقة علشان أخبِّي عليك؟
ياريت ابنك ينفع نتصدَّق بيه، ده راس العجل ليها فايدة عنُّه.
_ مابيردِّش…قالتها ضي بقلق.
نهض يوسف وتنهَّد بصوتٍ مسموع:
_ شوف إلياس، ده معاه خريطة العيلة، وهتلاقيه عارف لون هدومه الداخلية كمان.
_ ضي، خلِّيه يمشي من قدَّامي..قالها أرسلان وهو يحاول أن يتمالك أعصابه.
_ هوَّ أنا قدَّامك أصلًا؟ كبرت ومبقتش تشوف، أنا جنبك على فكرة، مش قدَّامك.
سبَّه أرسلان بغضب وغادر المكان. التفتت ضي إلى يوسف بعينينِ مليئتينِ بالشك:
_ إنتَ تعرف مكانه؟
سحبها يوسف إلى أحضانه وجلس، قال :
_ في المالديف…عايز يحتفل مع رولا، وكمان هيعمل حفلة مخصوص علشان يفرَّحها.
اعتدلت ضي فجأة، عيناها لمعتا بسعادةٍ صافية:
_ يعني بلال تمِّم جوازه منها؟
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة:
_ ماقالِّيش بالظبط، بس شكله كده.
_ ماتيجي إحنا كمان نغطس معاهم؟
_ تقصدي إيه..نسافر؟
ضحكت وهي تميل نحوه:
_ وليه لأ يا يوسف؟
تنهَّد وهو يضمُّها أقرب:
_ إحنا الاتنين صعب يا ضي…لمَّا يرجع نبقى نسافر، ده حتى ماأخدش تليفونه علشان إلياس وأرسلان مايوصلوش ليه.
مطَّت شفتيها بطفولة:
_ أووف…كان نفسي نسافر معاهم.
ربت على يدها بحنان:
_ أوعدك…أوَّل مايرجع هنسافر
عند حمزة..
في الجوّ وبعضًا من جنود فرقته بتدريباته.
اصطفَّت الطائرات واحدة تلوَ الأخرى في السماء، داخل قمرة القيادة كان يتابع الشاشات بدقَّة:
_ حافظوا على الارتفاع والمسافة.
جاءه الرد سريعًا:
_ تمام يا كابتن، وقال الآخر:
_ ثابتين.
مالت طائرته قليلًا، وبدأت المناورة.
_ يمين حاد…استعدوا للالتفاف… محدِّش يكسر التشكيل.
تسارعت دقَّات قلب أحد الطيَّارين:
_ يا كابتن، المسافة بتقلّ!
هتف بصوتٍ ثابتٍ كالصخر:
_ ثبِّت السرعة، ومتراقبش اللي جنبك، راقبني أنا.
نفَّذ الأمر، وعادت الطائرة إلى موقعها.
_ كويس…دلوقتي محاكاة فقد اتِّصال. طيارة ثلاثة، إنتَ خارج الشبكة.
ساد الصمت ثانيتين.
_ استخدم الإجراءات البديلة، وارجع للتشكيل من اليمين.
بعد لحظاتٍ عاد الصوت:
_ رجعت يا فندم.
ابتسم حمزة بثقة:
_ كده تمام…التدريب مش علشان نطلع أبطال، علشان نرجع سالمين.
ثم أضاف بهدوء:
_ نرجع القاعدة..شغل محترم، برافو يا رجَّالة..
هبط من طائرته وتحرَّك لداخل وحدته، وهناك أعين حقودة تراقبه، اقترب أحد القادة:
_مش خلَّصت قهوة يا صلاح؟
_خلَّصت يا فندم.
اتَّجه إليه أحدهم وجلس:
_عرفت لك خبر إنَّما إيه.
التفت اليه وتساءل:
_الباشا بتاعنا، خاطب بنت جدَّها كان تبع الإرهابيين، ومات بحكم الإعدام، وجدِّتها كمان، وخد التقيلة، خالة البنت هتتعدم بعد أسبوعين، لأنَّها قتلت مرات أبوها في السحن.
ذُهل ممَّا استمع إليه، ثم أطلق ضحكاتٍ مرتفعة:
_والباشا ظابط في الجيش، يا حلاوة ياولاد.
لكزه وقال:
_لا اتقل وخد الضاربة القاضية، أبوه زوَّر ورق للبنت دي وقال إيه متعرفش جدَّها، وكلُّه كوم وإنِّ البنت دي أبوها كان ظابط أمن دولة وانطرد من شغله علشان طلع مزوَّر شخصية ابن ظابط، علشان يحمي عمُّه.
_لا لا...إنتَ تشرب القهوة وتحكي لي بالتفصيل، دا إنتَ يلا ليك نصِّ مالي.
بعد يومين عاد بلال...وصل إلى يوسف الذي انتظره بالمطار:
_معرفش إيه اللي حصل، بس شكل فيه حاجة حصلت عند كارما.
_كارما...إيه اللي حصل؟
_معرفش، بابا كلِّ شوية يسأل عليك، وحاسس الموضوع مش سهل.
_خلاص هوصَّل رولا البيت وأشوفها.
_شوف عمِّي الأوَّل، وبعد كدا اتصرَّف.
_تمام...اتَّجه إلى رولا:
_حبيبتي هوصلِّك البيت، لازم أروح المستشفى حالًا، بقالي يومين غايب.
_مفيش مشكلة أنا هعدِّي على ماما وبابا.
وصل إلى كمبوند الشافعي، ترجَّل من السيارة ودلف إلى منزل والده بعدما أوصلها لمنزل يزن، دلف لمكتب والده:
_بابا..انتفض من مكانه:
_كنت فين، وإزاي ماتعرَّفنيش؟
_فيه إيه؟ أكيد كنت بتفسَّح أنا ومراتي.
_مراتك...وياترى يا حبيبي أنهي مراتك فيهم؟
_هوَّ إيه اللي حضرتك بتقوله دا، هوَّ أنا متجوِّز كام واحدة.
_إنتَ بتقول إيه، نسيت إنَّك متجوِّز البنت التانية.
_دا مش جواز يا بابا.
_تروح للبنت دي فورًا وتنهي كلِّ حاجة، إيَّاك أسمع اسمها في البيت دا تاني.
_ممكن أعرف إيه اللي حصل؟
_الواد طليقها يا باشا هجم عليها، ولمَّا مسكناه قال هيَّ اللي اتَّصلت بيه، وهيَّ طبعًا لازم تقول إنَّها متجوِّزة حضرتك علشان تخلص من مصيبتها.
_طيِّب ممكن تهدى وأنا هتصرَّف.
_تطلَّقها، تسافر ولَّا متسافرش ماليش دعوة.
بمنزل كارما..
رفعت كندا فنجانها:
_هوَّ الدكتور ماكلِّمكيش؟
هزَّت رأسها متنهِّدة بألم:
_وهوَّ هيكلِّمني ليه بس، كندا الدكتور مجرَّد واحد مدِّ إيده بالمساعدة.
_والله إنِّك عبيطة، فيه ست تسيب راجل زي دا؟
تهكَّمت على كلمات ابنة عمَّها:
_إنتي هبلة، إنتي ناسية إنُّه متجوز؟
_لا مش ناسية...وكمان عارفة إنِّ الراجل له الحق يتجوِّز كذا واحدة.
_كندا بطَّلي رغي، دا واحد ساعدنا، وأنا مستحيل أعتبره غير كدا.
_كارما هوَّ إنتي بجد عايزة تطلَّقي منُّه، يا بنتي فيه حد يلاقي راجل زي دا ويسيبه، طب ياريت ربِّنا يرزقني بربعه حتى.
_كندا، قومي شوفي وراكي إيه، أنا مصدَّعة.
رمقتها بغضب وقالت:
_خلِّيكي لحدِّ مايجي أشباه أسامة دول يعملوا اللي عملوه، ودلوقتي هتسافري إزاي بعد مالحيوان عملِّك قضية؟
مسحت على وجهها بغضب:
_كندا كفاية بقى، سبيني في حالي.
بعد فترة وصل إليها بلال..
فتحت الباب..توقَّف أمام الباب للحظات:
_عاملة إيه؟
لمعت عيناها بالدموع، فهزَّت رأسها تهمس بخفوت:
_الحمدلله...حمد الله على السلامة،
_إيه هنتكلِّم على الباب.
تمتم بها بلال وهو يدلف للداخل.
ابتعدت تفسح له المكان، دلف يتجوَّل بالمنزل..
جلس وجلست بمقابلته بصمتٍ موجع:
_أوَّل مرَّة أدخل بيتك، مش هتشرَّبيني حاجة؟
_أعملَّك قهوة.
_تمام..دلفت للداخل لدقائق، ارتفع رنين هاتفه، وجدها رولا..وضع الهاتف وهو ينقر على الطاولة، ارتفع رنين الهاتف مرَّةً أخرى:
_أيوة يا متر.
_كلُّه تمام يا دكتور، ورقة الطلاق جاهزة، هتعدِّي عليَّ تمضيها بس.
_تمام، عشر دقايق وأكون عندك.
وصلت إليه بالقهوة، وضعتها..أشار إليها بالجلوس، فجلست منتظرة حديثه:
_عمُّو هيتصرَّف وهيسفَّرك خلال الأسبوع دا، كدا كدا السنة خلصت، وإنتي بتقولي ليكي عمّ برَّة، قعدتك هنا مبقتش تنفع.
_بس أسامة عملِّي قضية تشهير.
_سيبك منُّه، هنتصرَّف فيها، المهمِّ جهِّزي نفسك على آخر الأسبوع دا، وكمان هعدِّي على المحامي والطلاق هيتم، إنتي كويسة وذكية حاولي تبني حياة بعيدة عن طليقك دا، ويمكن ربِّنا يرزقك بابنِ الحلال.
_متشكِّرة أوي يا دكتور، مهما أشكرك..
_تشكريني على إيه، المهمِّ خلَّصي دراستك وحطِّي لنفسك طموح توصلي له.
ارتفع رنين جرس الباب، رنينٌ حاد، بسبب ثقل أصابعها عليه.
اتَّجهت الخادمة لفتحه:
_ مين حضرتك؟
_ عايزة أقابل مدام كارما.
_ أقولَّها مين؟
ابتلعت غصَّتها..وقلبها يطرق في صدرها بعنف، كأنَّه يريد الهرب قبلها.
تتذكَّر سيارته أسفل المبنى، ليتجمَّد الدم في عروقها، لكن قدميها تحرَّكتا رغمًا عنها.
دفعت الخادمة جانبًا وهمست بصوتٍ مرتعش:
_ أنا هعرَّفها بنفسي.
دلفت إلى الداخل..
عيناها تجوبان المكان بجنون، تبحث عنه، وتدعو ربَّها في سريرتها أن يعميها قبل أن تراه.
كانت متيقِّنة من وجوده…
لكنَّها، بغباء العاشقين كانت تتمنَّى أن تكون مخطئة..آهٍ من قلبها الغبي…
الذي مازال يمنحه الأعذار حتى وهو يذبحه بيديه.
كان يجلس بهدوءٍ قاتل، يرفع فنجان قهوته:
_ بابا هيأمِّن لك كل اللي محتاجاه…
قطع صوته فجأةً صوت الخادمة خلفها:
_ لو سمحتي يا أستاذة، مينفعش كده…
التفت..وليته لم يلتفت لتقع عيناه عليها…
هنا انهار كلُّ شيء داخله دفعةً واحدة.
تجمَّد جسده حتى شعر بانسحاب الهواء من رئتيه..ليشعر بدوران الأرض، كأنَّها تميد به، حتى تمنَّى لو تنشقَّ وتبتلعه الآن…
وقفت أمامه..
شاحبة، منهكة، عيناها تلمعان بدموعٍ محبوسة.
لحظةُ صمتٍ طويلة مؤلمة، نظر إليها، ولم يجد كلمة واحدة تنقذه.
أمَّا هي، فكانت تنظر إليه كمن يرى قبره مفتوحًا أمامه..
هنا انسحبت قوَّتها بالكامل، ورغم ذلك..
لم تبكِ..لم تصرخ..لم تعاتبه.
فقط نظرت إليه…
نظرة واحدة كانت كفيلة تقول:
أنا متّ هنا..خرج صوتها أخيرًا…
مكسورًا…مهزومًا…كأنَّ كلَّ حرفٍ يُنتزع من صدرها انتزاعًا:
_ مبروك…يا ابن عمِّي.
كلمات ماهي سوى كلمات ولكنَّها حملت كلَّ الضياع بها، انكسر قلبان، واحد لأنَّه خان، كما زعمت، والثاني لأنَّه أحبَّ أكثر ممَّا يجب.
