رواية عشقه عذاب (أحببته فخذلني) الفصل الرابع 4 بقلم شهد الشوري


 رواية عشقه عذاب (أحببته فخذلني) الفصل الرابع 

في المساء بمنزل أهل غرام

كانت غرام وورد تساعدان والدتها في إعداد الأطعمة لاستقبال الضيوف المنتظرين، بينما بالخارج، جلس أيمن والد ورد وحسام والد غرام يلعبان الطاولة، مستغرقين في جو من التحدي والمرح، في حين لم يكن عز قد عاد من عمله بعد.

بعد مرور بعض الوقت انتهين من تجهيز الطعام، وتعطير المنزل، وترتيب السفرة، ثم ذهبن إلى غرفهن لتبديل ملابسهن بملابس أنيقة ونظيفة، وجلست ناهد في انتظار الضيوف بينما مازلت غرام في غرفتها مع ورد.

داخل الغرفة وددت الغرام بضيق :

كان المفروض تحكي لعز عن اللي حصل في التدريب.

ردت عليها ورد بهدوء :

مش مستاهلة نضايقه ونقلقه على حاجة عدت احنا كرامتنا رجعت وانتي رديتي على اللي اسمه لیت دو بالكلمتين اللي يستحالهم، وخرجنا مرفوعين الرأس قدام الكل

ثم تابعت بشرود :

بس بصراحة اللي اسمه مراد شكله مختلف خالص عنه، محترم وذوق وطيب

تنهدت غرام ثم قالت بنایید :

عندك حق

استمر الحديث بينهما حتى قاطع صوت جرس الباب صمتهما، معلنا وصول الضيوف. أسرعت ناهد لفتح الباب، وبمجرد أن وقعت عيناها على نورا، لم تستطع منع دموعها من الانهمار.

فاحتضنتها بحرارة، وقالت بلهفة:

وحشتيني اوي يا نورا

بادلتها نورا العناق بمشاعر مختلطة وهي تقول :

انتي وحشتيني أكثر يا ناهد ..... أخيرا اتقابلنا من ثاني

تراجعت نورا خطوة الخلف، ودموعها تلمع وهي تشير نحو رهف وليت، قائلة بصوت مرتجف :

شوفتي السنين عدت ازاي دول ليت ورهف ولادي

ساد الصمت لحظة، بينما كانت رهف تحدق بالمشهد بذهول، عاجزة عن استيعاب المفاجأة، وفي نفس اللحظة، خرجت غرام وورد من الغرفة، وما إن التقت أعينهم بالضيوف، حتى خدمت

الفتيات، ورددن باندهاش في وقت واحد :

!!!!!!...إنتوا

دخل الجميع إلى المنزل، وأغلقت ناهد الباب، بينما تساءلت نورا بصدمة بعد أن لاحظت نظرات مراد ورهف المركزة على الفنيات :

التوا تعرفوا بعض ؟

مراد بهدوء واحترافية :

الانسة ورد وغرام، زميلات رهف في الجامعة، وكانوا المفروض يتدربوا عندنا في الشركة.

نظرت نورا إلى غرام بحنان تم امست وجنتها بابتسامة دافئة وقالت :

القمورة دي بنتك مش كده يا ناهد؟

ردت عليها ناهد بابتسامة :

أيوه، دي غرام بنتي الصغيرة

نورا يتأثر :

سبحان الله، شبهك أوي كأني شايفاكي قدامي

غرام بتهذيب وابتسامة الخجولة :

أنا غرام، وأكيد حضرتك تبقى طنط نورا، ماما كانت بتحكي عنك دايما، وأنا فرحانة جدا إني شوفتك

احتضنتها نورا بحنان وقالت بحب :

حبيبتي محدش مبسوط قدي وأنا شايفاكي قدامي انتي ومامتك ...... مامتك غالية عندي اوي

وانتي بنت الغالية

ابتسمت لها غرام برقة، بينما تدخلت رهف بمرح :

يعني طلع في بينا معرفة سابقة ياست غرام، لولا الظروف كان زماننا اصحاب من بدري.

في تلك اللحظة انفتح باب المنزل، ودخل عن متفاجئا بالمشهد أمامه، فهتف بدهشة :

متجمعين عند النبي إن شاء الله.....!!!!

ردد الجميع بخفوت :

عليه أفضل الصلاة والسلام.

ضحك الجميع، بينما جذبتهم ناهد إلى غرفة الصالون، ليتحدث مراد بابتسامة ومرح :

مش متعر فيدا بقی با خالتو

تنهدت ناهد بعينين دامعتين تم نظرت إليه وقالت:

انت مراد مراد این ريم الله يرحمها

رددت نورا بحزن :

الله يرحمها.

أوما مراد بابتسامة صغيرة، يخفي بها تأثره العميق، بينما ريتت ناهد على وجنته بحنان وقالت

بحلين :

كان نفسي أشوفك من زمان يا ابن الغالية

امسکت نورا بيد ناهد بحب، وتابعت بصوت مليء بالذكريات:

أنا وريم - الله يرحمها - وناهد كنا أصحاب من زمان، وكنا جيران كمان .... كبرنا سوا، وما كناش

بتفترق أبدا، لحد ما ناهد اتجوزت وسافرت مع حسام بسبب شغله، وبعدها ريم الجوزت، وأنا

اتجوزت وسافرت مع أحمد واتلهينا في الدنيا، وبعدنا عن بعض، حاولت أتواصل مع ريم، بس

مقدرتش ....

ناهد بحزن :

بعدنا لدرجة إلي ما عرفتش بوفاتها إلا لما نورا كلمتني

الجميع يخفوت :

- الله يرحمها

راقبت ورد تعابير وجه مراد لتجده يبتسم ابتسامة نصفية، لكنها لم تصل إلى عينيه، التي لمع

فيها حزن دفين، لم تستطع أن تمنع نفسها من الشعور بالألم لحزنه، فقررت أن تغير الجو قائلة

يمرح :

كفاية كاية بقى يا جماعة .... أنا دمعتي قريبة

ضحك الجميع، وبدأ التعارف الرسمي حيث قالت نورا بابتسامة جميلة :

ده ليت ابني الكبير، ودي رهف الصغيرة

اوما ليت برأسه باقتضاب، بينما أسرعت رهف لاحتضان ناهد يحب، قبل أن تقول بمرح :

مبسوطة أوي إنك تعرفي ماما من زمان يا خالتو ناهد

تدخل أحمد قائلاً بابتسامة وهدوء :

أنا أحمد، يا مدام ناهد اتشرفت بمعرفتك التي والاستاذ حسام

ناهد وحسام في وقت واحد :

أهلا بيك، الشرف لينا

وضعت ناهد يدها على كتف عز بفخر وقالت :

ده الدكتور عز..... ابني الكبير

رددت نورا بحنان :

ما شاء الله ربنا يحفظه ويحيمه

رد عليها عز بهدوء وتهذيب :

أهلا بحضرتك.

نورا يعتاب :

قولی با خالتو

ضحك عز يخفوت لم قال:

حاضر با خالتو

اشارت ناهد نحو أيمن، قائلة :

وده الأستاذ أيمن، جارنا وصاحب حسام ودي بنته ورد، هي وغرام أصحاب من زمان

نورا وأحمد بابتسامة :

اتشرفنا بيكم

ردد ایمن بود :

الشرق ليدا، أهلا بيكم

بعد دقائق من الأحاديث المتبادلة، نظرت ناهد نحو غرام وقالت :

غرام، يلا حضري السفرة انتي وورد

رددت نورا بعودة :

مفيش داعي يا حبيبتي ارتاحي متتعبيش نفسك

غرام بابتسامة هادئة :

تعبك راحة، الأكل هيكون جاهز في ثواني.

نظرت نورا نحو ناهد بحنين وقالت :

خلاص خليكي انتي، أنا وناهد منجهز السفرة، بقالي كثير مدخلتش المطبخ معاها زي زمان

قالتها ثم وقفت و جدیت ناهد معها، فرددت غرام بحماس :

طب إحتا وورد هنساعدكم، يلا يا ورد

جذبت ورد معها، بينما لحقت بهم رهف بحماس :

استنا..... خدوني معاكم

في هذا الأثناء، جلس الرجال يتبادلون الحديث، حيث شعر عز بألفة تجاه مراد، بينما لم يستطع

أن يرتاح لليت، الذي كان يرد باقتضاب، وتظهر على وجهه علامات الضيق والتأقف !!

في الداخل، كانت الفتيات منشغلات بإعداد الطعام وترتيب السفرة امتلأت الأجواء بدقم

الذكريات حينما ابتسمت نور بحنين قائلة :

وحشتني الأيام دي أوي..... لما كنا بنقعد أنا وانتي تطبخ سوا، ومعانا ريم، الله يرحمها

ساد صمت قصیر، تخلله ترحم الجميع على ريم، قبل أن تردف رهف بسعادة واضحة اذا تحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصل ... بس تعرفوا؟ أنا مبسوطة أوي أوي

ابتسمت غرام وورد، ووافقتاها الشعور قائلتين بفرحة :

احنا كمان مبسوطين.

طلبت ناهد من الفتيات نقل الطعام إلى المائدة، فانشغلن للحظات بترتيب الأطباق وتنظيم السفرة مرت دقائق قليلة قبل أن تخرج ورد من المطبخ، تمسح يديها بمنديل وهي تقول

لتهذيب :

اتفضلوا، الغدا جاهز

لكنها لاحظت غياب مراد عن الجلسة، فتساءلت باستغراب وهي تتفحص المكان بعينيها:

فين الاستاذ مراد؟

أجابها أحمد بهدوء، دون أن يرفع راسه

في البلكونة، بيتكلم في التليفون

اومات ورد بتفهم، ثم قالت بهدوء :

تمام اتفضلوا أنتم ...... أنا هقوله

بعد لحظات، وقفت ورد في الشرفة، تنأمل مراد الذي بدا غارقا في أفكاره، عيناه مثبتتان على السماء كأنما يبحث عن إجابة بين النجوم الباهتة، كان مراد شاردا تماما، لا يشعر بوجودها خلفه

حتى حمحمت بحرج، قائلة بصوت خافت:

احم ..... أستاذ مراد؟

انتفض قليلا من شروده، ثم زفر تنهيدة طويلة قبل أن يلتفت إليها قائلا بنبرة هادئة متعبة: في حاجة، يا أنسة ورد؟

اجابت بهدوء ظاهري، بينما الفضول كان ينهشها من الداخل، لماذا كل هذا الحزن في عينيه؟ لماذا يبدو وكأن العالم قد أثقل كاهله ؟ لكن بدلا من طرح أسئلتها، قالت بجملة مختصرة:

الغداء جاهز

أوما لها بابتسامة باهتة وهو يجيب:

حاضر، جاي

استدار ليتجه نحو الداخل، لكنها لمحت من طرف عينها حركة في الشرفة المقابلة، ولم تمض

لحظة حتى صدح صوت نسائي عال، يحمل مزاحًا تقبلا:

بت یا ورد مین الواد الحليوة اللي واقف معاكي ؟ أوعى تكوني اتخطبتي ومقولتيش ليا؟!

شعرت ورد بحرارة الإخراج تتصاعد إلى وجنتيها، وجزت على أسنانها بحرج، فقد عرفت فورا

صاحبة الصوت قبل أن يسأل مراد بدهشة واضحة

مين دي ؟!

تنهدت ورد، ثم أشارت نحو الشرفة المقابلة حيث وقفت امرأة سبعينية ذات نظرة فضولية

متقدة وقالت بصوت خافت:

دي خالتي أم رجب ..... جارتنا من زمان هي كده يتحب الهزار دايما

لكن أم رجب لم تكتف، بل واصلت كلامها، موجهة حديثها إلى مراد بأسف مصطنع:

لسانها الطويل، التي عايز قصه، اسألني أنا، ربنا يكون في عونك

يعني يا بني، من بين كل البنات ملقتش غير ورد عشان تتجوزها ؟ عيني عليك، مش هتسلم من

شهقت ورد بغيظ، ووضعت يديها على وجهها محاولة كتم إحراجها، قبل أن ترد بحدة

جرا ايه يا خالتي اهدي على نفسك مش عايزة تشرديني أكثر من كده ده مش خطيبي وبعدين

مجیب خطيبي في شقة غرام ليه ...... ينتفسح مثلاً !!!

لكن أم رجب بدت وكأنها تذكرت أمرا آخر، فقطبت حاجبيها قائلة: اه صح، دي شقة البت غرام، طب أومال مين الجدع ده ؟ بيقربلكم ايه ؟!

نظرت ورد إلى مراد المذهول، ثم تنهدت بعمق قبل أن تقول ساخرة

ده جورك يا خالتي !!!

ضحك مراد بخفوت، بينما كانت ورد تضمهم بغيظ وهي نتجه نحو الداخل : أعوذ بالله منها

بعد لحظات جلس مراد بجانب ليت على طاولة الطعام، قائلاً باعتذار :

أسف كنت بعمل تليفون مهم.

تناول الجميع الطعام في هدوء، حتى رن هاتف عن فاستأذن ليغادر لدقائق. لكن وسط هذا الهدوء، انزلقت كأس العصير من يد مراد وسقطت على الطاولة، متناثرة قطراتها على مفرش

المائدة الأبيض.

نظر مراد إلى ليت سريعا وقال باعتذار صادق معلش يا ليت والله من غير قصد.

زفر ليت بضيق، لكنه لم يعلق فقط تمتم بداخله بحنق: الله يسامحك يا ماما، إمتى نمشي من هنا يقى

ثم تابع بصوت مسموع، محاولا رسم ابتسامة زائفة على وجهه:

حصل خير... الحمام فين من فضلكم ؟

كانت عز مشغولا بمكالمته، فطليت ناهد من غرام أن تربه الطريق، نهضت غرام على مضض. متجهة معه بصمت، والاثنان يكنان لبعضهما مشاعر تفور واضحة، أشارت إلى باب الحمام

بصمت، تم استدارت لتعود دون كلمة إضافية

قبل رحيل الجميع، طلب أحمد أن يتحدث مع غرام وورد بمفردهما في الشرفة، ما إن أصبحوا وحدهم حتى قال بجدية:

أنا عارف إن ليكم حق ترفضوا التدريب في الشركة بعد اللي حصل من ليت، وأنا احترمت

موقفكم جذا.

توقف للحظة، ثم تنهد متابعا بنبرة صادقة:

بس لو هترفضوا المفروض يكون رفضكم لو اللي وجه ليكم الإهانة هو صاحب الشركة، مش مجرد موظف فيها. أنا المالك، وليت مجرد موظف زيكم مفيش خطوه بياخدها من غير إذني.

وأنا اللي قدامكم دلوقتي، وبطلب منكم تتدربوا في شركتي.

نظرت ورد إلى غرام بتردد، وكادت إحداهما أن تعترض، لكنه قاطع حديثهما سريعا، قائلاً. بابتسامة هادئة:

الشركة بتقبل أولاد الناس المحترمين قبل أي حاجة وجودي هنا مش عشان طلعنا معرفة ، لا..... ربنا يعلم انني كنت ناوي أجي لكم بنفسي وأعرض عليكم التدريب.

تنهدت غرام بحرج، قائلة بصوت متردد:

بس احنا مش هتقدر ترجع ... أولا، بسبب الإهانة اللي اتوجهت لينا، وثانيا، الناس هيقولوا إيه ؟ ترفض امبارح وتقبل النهاردة، ده يبقى .....

قاطعها أحمد بابتسامة مطمئنة:

ليت اعتذر قصاد الكل، وهو وشاهي، وزي ما قلت أنا اللي يحدد عين يبقى في الشركة ومين لا.

تدخلت ورد بحنق، مقاطعة الحديث

العقرية اللي اسمها شاهي دي هتفضل تضايقنا كل شوية وترمي بالكلام وأنا مش بعرف أسكت عن حقي هجيبها من شعرها قدام الكل لو عملت حاجة !

ضحك احمد بخفوت، قبل أن يرد بنيرة غامضة:

متركبيش نفسك الغلط، لو غلطت فيكم تعالوا لي وأنا هجيب لكم حقكم. صدقيني، هي مستحيل تغلط، لأنها محتاجة التدريب ده أكثر منكم، وهتتجنب أي مشكلة عشان متتحرمش منه.

تبادلت غرام وورد النظرات بين التردد والاقتناع، فايتسم أحمد وسأل مرة أخرى: ها، قررتوا إيه 

في صباح هادي استيقظت غرام من نومها، لكن عقلها لم يكن قد نام أصلا، طوال الليل، كانت الفكرة لتردد في ذهنها كأمواج متلاطمة ..... هل أخطأت حين قبلت عرض "أحمد الراوي " بالعودة إلى التدريب؟ هل كان القرار في غير محله ؟ أم أن القدر يخبئ لها شيئا لا تدركه بعد؟ كل

ما كانت تتمناه ألا تندم.

حسمت أفكارها مؤقتا، نهضت من فراشها، توضأت وأدت فرضها بخشوع، وكأنها تبحث عن يقين وسط حبرتها. بعد أن تناولت الإفطار مع عائلتها، غادرت المنزل متجهة إلى منزل صديقتها ورد.

عندما طرقت الباب، فتح لها "أيمن"، والد ورد بابتسامة دافئة ونظرة أبوية حانية وهو يقول:

صباح الخير يا بنتي، عاملة إيه؟

با دلته الابتسامة، ودخلت بينما ترد باحترام

صباح النور الحمد لله يا عمو بخير...

الفت نظرة سريعة حولها قبل أن تسأل باندهاش

أمال فين ورد؟ لسه نايمة ؟

تنهد أيمن بيأس، مشيرا إلى غرفتها:

بقالي ساعة بصحى فيها ومش راضية تقوم ادخليلها انتي يمكن تسمع كلامك.

اومات له بابتسامة خفيفة، قائلة:

ماشي، عن اذنك يا عمو.

ما إن دخلت غرفة ورد حتى وجدتها بالكاد قد استيافظت شعرها مبعثر، وعيونها نصف مغلقة

من أثر النوم، زفرت غرام بضيق، وقالت ينبرة توبيخ خفيفة:

انتي لسه نايمة يا وردة الناس يقولوا علينا إيه ؟ هنستغل قرابة مراته لماما وتتأخر ؟!

نمطت ورد بتكاسل، متجاهلة تماما حديثها، قبل أن ترد بصوت ناعس: صباح الخير

اطلقت غرام تنهيدة أخرى وردت بتحية سريعة، قبل أن تفاجتها ورد بقولها بضيق وحيرة: بصي يا غرام من الآخر كده، أنا مش مقتنعة إننا ترجع تتدرب في الشركة دي امبارح الحرجت

من الحاج أبوه علينا فوافقت، لكن أنا مش مرتاحة للفكرة.

رمشت غرام للحظات قبل أن ترد، وكأنها تعيد التفكير في الأمر:

انا كمان زبك بس يصي، تكمل شهر هناك وبعد بن تقول إننا مشغولين في الدراسة ومش قادرين

توازن بين التدريب والمذاكرة ..... ومش لازم تستمر لو مش مرتاحين

نظرت إليها ورد بعدم اقتناع، لكنها في النهاية أومات بصمت لاحظت غرام التردد في عينيها. فريت على يدها بلطف وقالت بهدوء

يلا قومي اجهزي بسرعة، متنأ خريش أكثر من كده.

بعد بعض الوقت، خرجت ورد من غرفتها، وقد ارتدت ملابسها العملية والتقطت حقيبتها، قبل أن تقول:

خلاص، خلينا نمشي

ودعنا أيمن الذي دعا لهما بالتوفيق، ثم غادرنا معا إلى الشركة، غير مدركتين أن هذه الخطوة

ستغير حياة إحداهما...... بينما ستكسر قلب الأخرى

على الجانب الآخر كانت "شاهي " تقف أمام مراتها، تتأمل انعكاسها بفخر تمرر يدها ببطء على منحنيات جسدها، متفحصة تفاصيل الفستان الأسود العملي الذي ارتدته، رغم بساطته، إلا أنه كان يبرز أنوثتها بطريقة دقيقة، تماما كما أرادت.

قطع تأملها دخول والدتها، "سميرة"، التي ابتسمت لها بمكر قبل أن تقول:

قمر يا حبيبة مامي

تم اضافت بصوت خافت يحمل حبنا :

ركزي كويس الفترة دي يا شاهي... لازم ليث يبقى بتاعك انت عارفة هو هيورت قد ايه؟ ده لقب تحلم بيه بنات مصر كلهم..... مدام ليث الراوي

لمعت عينا شاهي بالطمع، قبل أن ترد بحماس:

عندك حق يا مامي ... لازم يكون ليا أنا وبس ...... بس قوليلي، أعمل ايه بالضبط، أنا حاسة إنه ميال ليا، بس عايزة أتأكد واضمن إنه مش بيفكر في أي واحدة غيري

ابتسمت سميرة بدهاء، واقتربت منها لتهمس وكأنها تخبرها بسر خطير

قربي منه أكثر خليه يحس إنك سيدة مجتمع راقية، واحدة تليق باسمه وعيلته، خليه يعرف إنك الاختيار الصح، وإن أي حد غيرك هيكون أقل منه بكثير

اومات شاهي بطاعة، وابتسامة صغيرة تتسلل إلى وجهها. لقد كانت تفكر في نفس الأمر... لكنها الآن صارت أكثر إصرارًا على أن تجعله يقع في حبها، بأي ثمن.

ثم التقطت حقيبتها، وخرجت متجهة إلى مقر شركة "الراوي"، حيث كانت تخطط لكتابة اسمها داخل حياة ليت... إلى الأبد

في منزل صغير متواضع وسط أحد الأحياء الشعبية، حيث الجدران المتاكلة تحكي حكايات السنين، وأصوات الباعة الجائلين تمتزج مع صحيح الحياة، كانت حور غارقة في نومها على أرضية المطبخ الباردة، متكومة على نفسها كأنها تحاول أن تحتضن دقنا مفقودا.

لكن هذا الهدوء لم يدم طويلا، إذ اجتاحته موجة صقيع مباغتة انتفضت فجأة، شهقت بفزع عندما داهم وجهها الماء المثلج، قادمة من يد زوجة خالها "نوال"، التي وقفت فوقها بملامحساخرة، عيناها تضيقان بحدة وهي تقول بلهجة مستفزة :

ايه يا برنسيسة حور، مش كفاية نوم فزي قومي حضري القطار الخالك، واعملي بلقمتك لتكوني فاكرة نفسك في فندق خمس نجوم

جففت حور وجهها بكفها المرتعش من البرد، قبل أن ترفع عينيها الغاضبتين نحو نوال، ثم صاحت بنبرة معتدة :

في حد يصحي حد كده يا ولية التي !!!

ابتسمت نوال ابتسامة مشبعة بالتحدي، وطوت ذراعيها امام صدرها وهي ترد بلا مبالاة اه يا عين أمك، أنا كده، ولو مش عاجبك، اخبطي راسك في الحيط وحطي في عينك حصوة ملح، احمدي ربنا إني مخلياكي عايشة في بيتي وبيت جوزي

زادت حدة الغضب في ملامح حور، وجسدها النحيل انتفض بثورة مكبوتة، قبل أن ترد بلهجة لا تخلو من السخرية اللاذعة:

لا مش بيتك يا ولية يا بومة ده بيت خالي، وأمي كمان ليها نصيب فيه، يعني أنا مش ضيفة، أنا في بيتي والفطار ده تحضريه لنفسك وتجوزك ولا يكون على رجل نقش الحنا

ثم ضيقت عينيها يتحد، قبل أن تتابع بلهجة تنضح بالاحتقار:

وبعدين، لو كنت بدام في المطبخ، فده عشان ما فيش غير أوضتين صغيرين، وعشان خاطر بنتك اللي في الثانوية العامة، وإلا كنت طلعتها منها وأخدتها أنا

حدقت بها نوال بغيظ مكبوت، ولم تتمكن من الرد لكن عضيها المشتعل لم يمنحها فرصة الاستيعاب ما حدث في اللحظة التالية حيث وجدت الماء البارد ينهال عليها فجأة شهقت بصدمة، السعت عبداها وهي تحدق بحور التي أمسكت الدلو الفارغ وابتسمت ابتسامة شمالة قاسية، قبل أن تقول بنبرة ماكرة

نسبت أردلك الصباح ..... يا مرات خالي !!!

ثم استدارت بلا اكترات تاركة نوال تتلوى من الفيظ، وذهبت إلى الحمام، وبعد دقائق، خرجت وقد ارتدت ملابسها البسيطة، ربطت شعرها القصير في ذيل حصان، ثم أعدت شطيرة على عجل والتهمتها سريعا قبل أن تغادر مررت بعينيها الباردتين على حالها وزوجته وابنتهما هدى، نظرة احتقار لم تستمر سوى لحظة، لكنها قالت كل شيء.

ثم خرجت من المنزل، تاركة خلفها جدرانا ضاقت بها متوجهة إلى المطعم حيث تعمل نادلة باحثة عن يوم آخر يمكن أن يحمل لها بعض الإنصاف، أو على الأقل، فرصة للنجاة.

انها حور خطاب...... في الثانية والعشرين من عمرها، فتاة حملت الدنيا فوق كتفيها منذ الطفولة. توفي والدها حين كانت في العاشرة، ثم لحقت به والدتها منذ عام، تتجد نفسها وحيدة في هذا العالم القاسي، جميلة بطريقة لا تحتاج إلى زينة بشرتها بيضاء كالحليب، عيناها بنية داكنة تلمع بعناد، وشعرها الأسود اللامع يصل إلى ما بعد رقبتها بقليل عنيدة، متهورة، وحيدة بلا أصدقاء تخرجت من المعهد منذ عام لكن الحياة لم تمنحها رفاهية البحث عن أحلام مؤجلة

كانت تعرف أن العالم لا ينحني الضعفاء، ولذلك لم تسمح لنفسها بالسقوط !!




تعليقات