رواية ثمن أخطائي الفصل الرابع بقلم الاء محمد حجازي
_ مبروك يا عروسة، قرب أكتر، صوته واطي وسام:
_ مبروك في جحيمك.
مريم كانت ساكتة.
ثواني.
باصّة له بنظرة غريبة…
مش خوف.
ولا انكسار.
قرف.
رفعت عينيها عليه أخيرًا، وصوتها طلع ثابت على غير المتوقع:
_ أنا بكرهك.
حسام ابتسم باستفزاز.
هي كملت، من غير ما تهتز:
_ إنت أكبر غلطة عملتها في حياتي.
وأوسخ قرار خدته وأنا فاكرة إني بفهم.
قربت خطوة، ونظرتها اشتدت:
_ بتمنى الزمن يرجع بس علشان ما أكررش الغلطة دي تاني.
ولا أقرب لشخص أناني زيك.
شخص ما عندوش قلب…
ولا ضمير.
ضحكت ضحكة قصيرة كلها مرارة:
_ حيوان.
حسام رفع حاجبه.
مريم كملت، صوتها بقى أعلى شوية، بس لسه ثابت:
_ وإن شاء الله اللي إنت عملته فيا ده…
هيترد فيك.
في أختك…
أو في أي حد عزيز عليك.
سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي بتحط إيدها على صدرها:
_ وربنا مش هيسيبني أنا كمان.
أنا غلطت…
وأنا عارفة إني هدفع تمن غلطي.
حسام ضحك.
ضحكة باردة، مالهاش روح.
_ هو إنتِ مفكرة الناس كلها رخيصة شبهك؟
الكلمة نزلت عليها زي صفعة، بس ما رجعتش خطوة.
هو كمل، بصوت واطي مليان احتقار:
_ أنا أختي؟
أختي عمرها ما تكون كده.
قرب منها شوية:
_ أختي محترمة.
ومتربية.
مريم عينها وسعت.
الغضب طلع فجأة، من غير تفكير.
_ متربية؟
قالتها بسخرية موجعة:
_ ما تتكلمش عن التربية وإنت واقف قدامي!
لو كانت تربيتك صح…
ما كنتش عملت كده فيا!
حسام مدّ إيده فجأة، شدّها من شعرها بعنف.
وشدّ راسها ناحيته.
القلم نزل على وشها.
وبعدين…
انفجر.
مسك إيدها بعنف، زقّها، صوته طلع غليظ:
_ إنتِ اتجننتي؟!
شدّها من دراعها جامد:
_ أنا بقى هوريك التربية اللي بجد!
قرب منها، عينه بقت سودا:
_ هوريك يعني إيه واحدة ما لهاش قيمة.
مريم حاولت تفلت، بس إيده كانت تقيلة.
قلبها كان بيدق بسرعة، بس عنادها لسه واقف.
_ اعمل اللي تعمله!
صرخت في وشه:
_ إنت مش هتقدر تكسرني أكتر ما إنت كسرتني!
ضحك بسخرية:
_ لأ…
لسه.
ساب إيدها فجأة، وبعد خطوة، قال ببرود قاتل:
_ إنتِ فاكرة نفسك اتعاقبتي؟
ده إنتِ لسه في أول الطريق.
لفّ وراها، وصوته نزل:
_ الجواز ده مش نهاية.
ده بداية.
مريم كانت واقفة مكانها، صدرها بيعلى ويهبط.
باصّة له، وقلبها بينزف…
بس عينيها فيها نار.
قالت بصوت واطي، متقطع:
_ حتى لو كسرتني…
أنا عمري ما هنسى إنك أوسخ غلطة في حياتي.
وقف.
لفّ وشه لها بنص ابتسامة:
_ وإنتِ عمرك ما هتنسَي إنك اللي جيتي لحد عندي.
سابها.
وطلع من الأوضة.
مريم وقعت على الكرسي.
إيديها بتترعش.
بس دموعها ما نزلتش.
كانت عارفة…
إن اللي جاي
مش مجرد جحيم.
ده حساب طويل.
وحساب قاسي.
--------------------------------
عدّت الأيام…
عدّت ببطء قاتل، كل يوم كان تقيل أكتر من اللي قبله.
مريم كانت لسه في المستشفى، جسمها بيتعافى بالعافية، بس روحها؟
روحها كانت بتنزف.
ولا مرة الباب اتفتح ولاقِت حد داخل يقول:
عاملة إيه؟ محتاجة حاجة؟
مفيش بابا.
مفيش يوسف.
مفيش حتى حد من بعيد.
وقتها بس فهمت.
فهمت يعني إيه كانت بنت مدللة.
يعني إيه كانت لو كحت بس، أبوها يقوم مفزوع.
يعني إيه أخوها كان بيخاف عليها أكتر من نفسه.
دلوقتي؟
السرير أبيض.
الأوضة ساقعة.
والوحدة فاضحة.
كانت بتكلم نفسها وهي باصة للسقف:
هو الغلط يعمل كده؟
هو أنا استاهل أتحرم من أهلي؟
طب ما أنا اتعاقبت… ليه لسه؟
دموعها كانت بتنزل من غير صوت.
يوم الخروج.
الممر كان زحمة، ناس داخلة وناس طالعة، كل واحد وراه حد مستنيه.
إلا هي.
قعدة على السرير، شنطتها جنبها، باصة في الفراغ.
الممر هادي، بس دماغها دوشة.
أنا هطلع أروح فين؟
بابا قافل بابه في وشي…
يوسف دفني وأنا عايشة…
وأنا أصلًا مليش بيت.
كانت لسه بتلم هدومها بإيد بتترعش، لما سمعت صوت الباب بيتفتح.
رفعت عينها ببطء.
اتجمدت.
حسام.
واقف على الباب، مفرود، مبتسم ابتسامة مالهاش علاقة بأي حاجة آدمية.
نظرة مليانة قرف… وانتصار.
قال وهو بيبص حواليه:
– إيه؟ مفيش زغروطة؟ ولا ورد؟ ولا حد مستني العروسة؟
مريم قامت بالعافية، وقفت قدامه، صوتها واطي بس ثابت:
– إنت جاي تعمل إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة مستفزة:
– جاي آخد مراتي… ولا نسيتي؟
ضغطت على سنانها:
– مراتك؟ إنت مش مكسوف وانت بتقول الكلمة دي؟
قرب خطوة، بصلها من فوق لتحت:
– لا، أتكسف ليه؟ واحدة سلمت نفسها بسهولة، وبعدين تيجي تقولّي اتكسف؟
اتنفست بعصبية، حاولت تسيطر:
– اطلع بره… أنا مش عايزة أشوف وشك.
رفع حاجبه:
– وبرضه؟ هتعملي إيه؟
هتنادي أبوكي؟ ولا أخوكي اللي قالك اختي ماتت؟
الكلمة دخلت في صدرها زي السكينة.
سكتت ثانية…
وبعدين قالت بصوت مكسور بس فيه قوة:
– أيوه… قال كده. وحقه. بس إنت عمرك ما هتبقى بني آدم.
ضحك بصوت عالي:
– بني آدم؟
وانتي تعرفي اي عن البني أدمين؟
ده انتي كنتي لعبة، وأنا لعبت.
قرب أكتر، بقى وشه قريب من وشها:
– ما تيلا يا عروسة، ولا مستنية حد يعزم عليكي؟
نزلت عينها الأرض، دموعها نزلت غصب عنها.
مسكت شنطتها، ومشيت وراه.
أول ما دخلوا الشقة، رما المفاتيح على الترابيزة.
بص حواليه وكأنه بيتفرج على ملكه.
قال بسخرية:
– اتفضلي يا واطية. ده بيتك بقى.
رفعت عينها فجأة، نظرتها كانت نار:
– مفيش حد واطي ورخيص غيرك يا حسام.
لف بسرعة، عينه شرارة:
– إيه؟ بتكلمني؟
– آه بتكلمك. و هتكلم العمر كله. إنت إنسان حقير، استغليت ضعفي، وضحكت عليا، وضيعتني.
قرب منها فجأة، ومد إيده.
قلم.
واحد ورا التاني.
– بقا أنا حقير؟ ده انتي رخيصة وسهلة!
وقعت على الكنبة، حطت إيدها على وشها.
بس قامت تاني.
– حتى لو غلطت، عمري ما أوصل لقذارتك.
مد إيده تاني، ضربها أقلام أكتر.
صوته عالي:
– أخرسي! أنا اللي أتكلم، انتي مالكيش صوت هنا.
صرخت وهي بتعيط:
– حرام عليك! كفاية!
مسكها من شعرها، قرب وشه منها:
– حرام؟ لما كنتي بتيجي برجلك وتضحكي؟ كان حرام؟
زقها، فوقعت على الأرض.
قعدت تبكي، صوتها طالع من قلبها:
– أنا بكرهك…
وهقولهالك تاني إنت أكبر غلطة عملتها في حياتي. بتمنى الزمن يرجع عشان ما أكررهاش. إنت أناني، حيوان، وما عندكش ضمير.
ضحك ببرود، وهو بيعدل هدومه:
– ضمير؟ انتي آخر واحدة تتكلم عن الضمير.
رفعت راسها، عينها حمرا من العياط:
– والله اللي عملته ده هيترد فيك. يمكن في أختك، يمكن في حد بتحبه. ربنا مش سايب حد.
وكما تدين تدان.
صحيح أنا كمان غلطت… بس ربنا أرحم منك.
اتغير وشه فجأة، مسكها من شعرها بقوة، شدها:
– إنتي جريئة قوي. فاكرة نفسك مين؟
يكلبة، يبنت الكلب.
رفعت إيدها بالعافية، ضربته بالقلم.
صوت الضربة رن في الأوضة.
سكت ثانية.
وبعدين انفجر.
نزل فيها ضرب.
إيده، صوته، شتيمته.
– أنا هربيكي من أول وجديد!
سابها بعد شوية، وهي مهدودة على الأرض.
رن تليفونه.
بص لها بإحتقار وهو بيرد:
– أيوه… آه… حاضر.
قفل، بص لها:
– ما تقلقيش، أنا ما نجدكيش مني غير التليفون. بس ملحوقة… وراجعلك يا مريم.
خرج وقفل الباب وراه.
فضلت قاعدة على الأرض.
ساكته.
دموعها بتنزل في هدوء.
وقالت بصوت واطي جدًا، كأنها بتكلم ربنا:
– يا رب… أنا غلطت. بس أنا تعبت. خلصني.
----------------------------------
كانوا قاعدين في الصالة.
الهدوء تقيل، خانق، كأنه حاطط إيده على صدر البيت كله.
الأب كان قاعد ساكت بقاله كتير، عينيه في الأرض، ضهره محني.
يوسف قاعد قدامه، إيديه متشابكة، وشه شاحب، وعينيه مليانة حاجات مش عارف يطلعها.
فجأة الأب اتنهد تنهيدة طويلة، طالعـة من جوه صدره، وقال بصوت مكسور:
– قلبي واجعني على أختك يا يوسف…
وسكت لحظة، كأن الكلمة تقيلة عليه.
– مريم فيها حاجة… بنتي مش كويسة.
أنا حاسس بده.
يوسف رفع عينه بالعافية، صوته طلع مبحوح:
– وأنا كمان والله يا أبويا…
أنا قلبي مش مطاوعني من ساعتها.
مهما حاولت أقسى… مش قادر.
سكت ثانية، وبعدين كمل بوجع:
– بس مش في إيدي حاجة أعملها لها.
هي ما سابتش لي فرصة واحدة أقرب منها.
قطعت كل الطرق… كل الأبواب.
الأب بص له:
– دي أختك يا يوسف…
مهما عملت.
يوسف ضحك ضحكة باكية:
– عارف…
بس صدقني مش قادر أبص في عينيها.
ولا حتى أبص في عين نفسي.
اللي عملته كسرني أنا قبلها.
الأب حط إيده على راسه:
– أنا مش فاهم…
أنا ربيتها غلط؟
قصرت؟
شدّيت زيادة؟
ولا سيبت زيادة؟
يوسف بسرعة:
– لا يا أبويا…
والله لا.
إنت عمرك ما قصرت.
إنت عملت كل اللي عليك وزيادة.
الغلطة غلطتها… ومحدش يشيلها غيرها.
الأب صوته واطي أكتر:
– طب ليه قلبي حاسس إنها بتغرق؟
ليه حاسس إنها لوحدها؟
يوسف بلع ريقه:
– لأنها فعلاً لوحدها.
الكلب اللي معاها ده…
سابها في عز احتياجها.
وأنا…
وأنا مش قادر أسيبها له.
رفع صوته فجأة، وهو بيضرب بإيده على رجله:
– مش قادر يا أبويا!
مش قادر أسيب أختي لواحد زي ده،
ولا قادر أرجع أضمها كأن مفيش حاجة حصلت.
الأب بص له بعينين فيها دموع:
– وأنا؟
أعمل إيه؟
أقول للناس إيه؟
أرفع راسي إزاي؟
يوسف قال بانكسار:
– مفيش كلام يتقال.
دي نتيجة غلطة…
ولا زم نستحمل.
الأب هز راسه ببطء:
– بس الغلط لما يكون من بنت…
بيوجع أكتر.
يوسف قال بصوت متكسر:
– عارف.
وبيكسر أكتر.
وأنا اتكسرت يا أبويا.
مش قدام الناس…
قدام نفسي.
سكتوا الاتنين.
الصمت كان أعلى من أي صوت.
الأب مسح دمعة نزلت غصب عنه وقال:
– ربنا يهديها…
ربنا يرحم ضعفها.
يوسف بص للسقف، صوته طالع من جوه قلبه:
– يا رب…
يا رب بس تكون لسه عايشة من جوه.
لأن اللي شوفته في عينيها يوم المستشفى…
ما كانش بني آدم.
--------------------------------
رجع حسام متأخر.
فتح الباب بعنف خلّى البيت كله يرتعش.
مريم كانت قاعدة في الركن، ضامة نفسها، وشها متورم من الضرب اللي قبل كده، وعينيها حمرا من كتر العياط.
أول ما شافها، نبرة صوته كانت نار:
– بقا بتمدّي إيدك عليا يا كلبة؟
قرب منها خطوة خطوة، وهي بتتراجع لحد ما ضهرها خبط في الحيطة.
– ده أنا لمّيتك من الشوارع بعد ما أبوكي وأخوكي رموكي!
دي جزاتي؟
إيده نزلت بالقلم.
وشها لف، بس ما صرختش.
بصّت له بثبات غريب، صوتها مبحوح لكنه واضح:
– إنت مش راجل.
ما فيش راجل يمد إيده على بنت.
ضحك ضحكة خلت الدم ينشف في عروقها:
– مش راجل؟
قرب أكتر، صوته واطي بس مرعب، و مسكها بعنف.
وفجأة ضحك ضحكة باردة خلت جسمها كله يقشعر، وقرب منها أكتر وهو بيقول بصوت مليان احتقار:
– أنا هوريكي أنا مش راجل إزاي.
مد إيده عليها بعنف.
واعتدى عليها بكل واحشية
مش كزوج.
ولا حتى كإنسان.
كانت بتحاول تبعده، صوتها مخنوق، أنفاسها متلخبطة، بس مفيش حاجة وقفته.
ولا دموعها،
ولا توسلاتها،
ولا حتى كونها على اسمه.
كان بيتعامل معاها كأنها مش مراته.
ولا ليها أي حرمة.
كأنها واحدة جايبها من الشارع.
كأنها بلا قيمة، بلا اسم، بلا روح.
كان قسوة متعمدة.
تشفي.
انتقام.
كان بيتصرف كأنه
مش بني آدم.
كان ذئب بشري
