رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الخامس
"وكأن النار كان ينقصها بعض الوقود لتزيد اشتعالاً!"
اقترابه منها ونبرته المخيفة وقبضته العنيفة على ذراعها جعلوها تدرك جيدًا أنها اخطئت, ولكن فات أوان العودة.
-خليه يعلى, وخليني مترددش وانا بقصلك لسانك, فوقي انتِ نسيتِ مين هو شاهين المنشاوي ولا إيه؟
و تعبير "اقصلك لسانك" إن خرج من فاه العقرب فهو ليس مجازي قط, بل هو تهديد قابل جدًا للتنفيذ, ولأنها تعلم هذا جيدًا, فانسحبت من ساحة المعركة وهي تقول بصوت منخفض:
-لا منستش, انا بس اعصابي تعبت من الوضع ده, وانتَ مش مديني فرصة اقرب منك!
-واحنا علاقتنا كده من الأول ومش هتتغير, إيه قولك؟
دمدم بها في قسوةٍ كرهتها, لكن ليس باليد حيلة, تعلم إن أبدت اعتراضها ستكن النهاية بينهما, لذا تنهدت تقول:
-مليش قول يا شاهين, وانا قابلة وجودي معاك على أي وضع.
-ف؟
قالها بنبرة جامدة وأعين محذرة, وأخرى مكانها لِمَ كانت أدركت مغزي الحرف الذي نطقه, لكنها عاشرته لسبعة أعوام أليسوا كفيلين بأن تعرفه أكثر من أصابع يدها؟
-فانا أسفه, مش هتتكرر تاني.
أرضاه ردها الذي انتظره, وترك ذراعها الذي تخدر من قبضته وقال بحدة:
-قوليلي يا ميرنا احنا متجوزين بقالنا قد إيه؟
اجابت وقد احتلت غصة مريرة حلقها:
-من سبع سنين و4 شهور.
حرك رأسه بحركة رتيبة وعاد يقر بما تعرفه:
-ومن قبل ما نتجوز قولتلك حدود علاقتنا, وقولتلك غرض جوازي منك وشكل العلاقة دي هتمشي ازاي, وبرضو قولتلك في أي وقت هتحبي تاخدي حريتك مني هديهالك, حصل؟
حركت رأسها في قهر وهي ترفع عيناها الممتلئة بالدموع وقالت:
-حصل, وفاكره يا شاهين, ده كلام عمره ما يتنسي.
ابتعد عنها يتجه لكرسيه مرة أخرى وهو يقول:
-يبقى بلاش تنكدي على نفسك...
جلس على كرسيه بهيبته المعهودة, واستند على المكتب بذراعيهِ يقول في هيمنة كاملة:
-وتأذيها بكلام فاضي, كلام ممكن يخليني في أي وقت أأذيكِ وانتِ عرفاني..
أكملت جملته التي حفظتها عن ظهر قلب من كثرة ترديده لها:
-ملكش عزيز.
قالتها بإقرار ليهز رأسه لها في رضا إنها باتت تعرفه! وعاود استكمال عمله وهي تقف أمامه تنظر له بحسرة وغضب, ليتها يمكنها التحرر, ليتها لم تقع في حبه لكانت تحررت منه من أعوام مضت, كيف أحبته؟ هو القاسي, المتجبر, ذو القلب الصلد, والملامح الجامدة كأنه تمثال منحوت! الخطر خطورة كفيلة تبعد الجميع عنه لتجنب شره, وعاد عقلها يتساءل وكيف لا تحبه؟ وهو الوسيم, الأنيق, ذو الهيبة والطلة البهية, وقوته المُسيطرة على كل من حوله, نبرته حين تكون هادئة كفيلة أن توقعها فيه أكثر, وحمايته التي تناقض خطورته حين تخبره بخوفها من شيء ما فيجيبها أنه معها لا يمكن لشيء أن يمسها بسوء, وعلاقتهما الخاصة التي يكون فيها بشخصية تناقض تمامًا شخصيته, هادئة ورزينة, ومتفهمة وحنونة! رغم أنها كل مرة تستيقظ وتجده قد غادر, فهكذا هو شاهين بعد كل مذاق حُلو يعقبه آخر مُر كالعلقم...
----------------------------
منذُ عاد هو يعاملها كأن الخِصام قد شُيد بينهما وانتهى الأمر, كأنه اتخذ قرار بأنه لن يمرر شجارهما هذه المرة دون أن يتخذ موقف, ورغم أنها نوت انهاء المشكلة والحديث معه حين يعود, لكن موقفه العدائي حال دون ذلك, فكرت أن تفعل مثله وتتخذ الصمت والهجر حلاً, لكنها تذكرت حديث والدها حين حذرها في أول زواجها بأن تدع الخِصام والهجر يدخل بينهما, وأخبرها أنه إن اعتادا مرة ستكن المرة عشرة والعشرة ألف, لذا قررت العمل بنصيحته, فأعدت العشاء ودلفت له بينما يجلس هو على الفراش ممسكًا بهاتفه يدعي الانشغال معه, تنحنحت قبل أن تقول في هدوء:
-جهزتلك العشا.
رد بجمود توقعته:
-مطلبتش تجهزيه.
-يعني لا هيبقى غدا ولا عشا؟
نظر لها بنظرة عاتبة كأنه يسألها ومن السبب؟
اقتربت تجاوره في جلسته وقالت بعد تنهيدة:
-هنفضل كده لامتى؟
-اسألي نفسك.
ردود جافة, ونبرة جامدة, جعلتها تضغط على نفسها وهي تعقب:
-بسألك, عشان احنا الاتنين لينا يد في اللي احنا فيه.
نظر لها يسألها بنفاذ صبر:
-عايزه إيه يا مستكة؟ عايزه نروح لدكتور عشان الحمل, ماشي هنروح, مطلوب مني حاجة تانية؟!
نظرت له بصمت, فليس هذا ما تريده, بل أن ما تريده أعمق, وأهم, وأصعب!
لم تشعر بنفسها وهي تردد بحزن جم:
-عاوزاك تحبني.
نظر لها وكأنه يسألها "هل عدنا لنفس النقطة مرة أخرى؟" وهز رأسه يائسًا وقال:
-يا بنت الناس انا بقدرك وبحترمك, ويشهد عليا ربنا ما بصيت لغيرك من يوم ما اتخطبنا, وانتِ مراتي وشريكة حياتي, عاوزه إيه تاني؟ ولا هو غاوية وجع قلب!
نزلت دموعها وهي تغمغم في انكسار واضح:
-عاوزه لما تسرح تسرح فيا, لما تسيب نفسك لخيالك أكون انا اللي فيه, لما قلبك ده يدق يكون بيفتكرني انا, كتير عليا!
نظر لها بأعين معاتبة وقال قبل أن ينهض ويترك لها الغرفة ويضع نقطة نهاية الحديث:
-انا لا بسرح في غيرك, ولا خيالي فيه حد, لكن قلبي مقدرش اجبره يدق لأمل, انتِ كنتِ خايفة من إيه قبل جوازنا؟ من إني اندم! من إني احن لفيروز لما رجعت؟ من إني اعاملك وحش وانفر منك؟ جاوبي على نفسك كل الأسئلة دي وشوفي اللي كنتِ خايفة منه حصل ولا لأ؟ انا مش راجل خاين عشان اسيب نفسي لخيالاتي وشيطاني يوسوس ليا بخراب بيتي, ولا انا راجل قليل الأصل عشان اعمل كده في بنت الناس اللي ابوها أمني عليها, لو كنت عارف إني هعمل كده مكنتش اتجوزتك أصلا.
سندت رأسها على ظهر السرير بعد خروجه, ودموعها زادت, وحديثه يتردد في أذنيها كأنه شريط مُسجل تُعيد سماعه, وفي الأخير كانت تهمس لنفسها:
-طماعة يا أمل, وطمعك ده هيخرب بيتك, الراجل بيعاملك بما يرضي الله عايزه إيه تاني بس! هتموتي من غير الحب! محدش بيموت من غير حب بس بيموتوا من قلة القيمة.
ويبدو أنها قررت غلق كل الصفحات التي فتحتها منذُ زواجها وبدء صفحة جديدة, بل كتابًا جديدًا... وأول قواعده "لا مجال للحب".
----------------------
"فل يا بيه؟ خدلك قعد هادي بيه حبيب أو حتى حطه في العربية الاُبهة دي يخلي ريحتها فواحه"
-يعني عقد هيخلي عربيتي ريحتها فواحة؟
اعتدلت في وقفتها بحماس وهي تقول:
-اه طبعًا, طب خد وجرب, ولو مستقل بالعقد خدلك عقدين يخلوها جنة.
امتعضت ملامحها حين قال بملامح خبيثه ونظرة لعوبة:
-كل ده لو عقد الفُل دخل عربيتي اومال لو صاحبة العقد دخلتها هيحصل إيه؟ ينفع اجرب؟
جعدت ملامحها باشمئزاز وهي تقول بقوة وحدة:
-طب إيه رأيك افتحلك راسك وتاخد كام غرزة تجرب شكلهم عليك!
قالتها وهي تُظهر مطواة مُغلقة من جيبها, فانطلق مسرعًا بسيارته وقد علم أنها لا تخيفه بل هي بالفعل تمتلك سلاح أبيض!
-يتكوا الهم هي الناس في إيه وانتوا في إيه! عالم عِرة.
أدخلت مطواتها وهي تغمغم بكلماتها الناقضة لأفعال هؤلاء المختلين كما تسميهم هي, تلك المطواة التي تعتبر درع حامي لها, لم تتخلى عنها ابدًا في عملها, فهي تعلم جيدَا أن الكثير ممن تقابلهم بنفوس دنيئة لا أمان لهم, ورغم أن الأمر لم يصل بها لدرجة استخدامها لكنها كانت عامل تهديد ممتاز.
-خلصتِ برطمة؟
التفت على صوته الذي صدحَ خلفها, فنظرت له بحاجبيها المعقودين:
-مش ملاحظ رجلك خدت على هنا كتير.
رفع حاجبه ساخطًا وقال:
-تصدقي انا غلطان! دي جزائي إني جاي اقولك إن اللي اسمه دوكش ده مش هيرازيكِ تاني.
انحلت العقدة, وابتهج وجهها مع ابتسام ثغرها تسأله بلهفة:
-احلف! بجد؟
ابتسم هو الآخر لفرحتها وقال بغرور ضاحك:
-اومال يا بنتي! مش قولتلك سبيلي الموضوع! اهو مش هيشوف الأسفلت تاني.
انقشعت ابتسامتها وهي تقول بتردد:
-إيه ده؟ انتَ عملت في إيه؟ لا مش للدرجادي انا مش عاوزه حد يتأذي بسببي.
التفت حوله وقال مقترحًا:
-تعالي نقعد على الكافية اللي هناك ده, مش هنتكلم في وسط الشارع.
سارت معه حتى جلسا على أحد الطاولات المطلة على الشارع مباشرةً, وقد كان المكان مفتوح بتصميمه, ومُحاط بسور قصير مُزين بورود, طلب لها مشروب وله كذلك واستفاض في الشرح عما لما بذلك المسمى بالدوكش.
-بس يا ستي, رزقه بقى لما العساكر راحت تجيبه قفشوه بكام حِرز حشيش, فلِبس قضية وعرفنا إنه كان تاجر حشيش اصلاً.
هزت رأسها تقول براحة:
-ربنا نجدني منه, مكنتش هتحمل رزالته اكتر.
-انتِ اللي غلطانه مش قايلك انا أي حد يضايقك أو أي حاجه تحصلك بلغيني! مبلغتنيش من وقتها ليه؟
قالها بنزق يكمن بين طياته العِتاب, فردت بتبرير:
-انا بس قولت بلاش اعمل مشاكل, وإني قادره ابعده برزالته عني زيه زي غيره, لكن لما ساق فيها كلمتك, ده كان هيحرمني ابيع في المنطقة.
اماء برأسه:
-اه مانا عرفت إن نزواته كتير, مش عاتق لا كبير ولا صغير, وسمعته زفت اصلاً, غير انه متجوز 3 ومخلف ييجي 4 عيال, لكن الرمامة لها ناسها.
-الحمد لله خِلصت منه, شكرًا يا مازن بجد, انا مش عارفه لولاك كنت عملت إيه.
قالتها بامتنان حقيقي, ف "مازن" منذُ عادت لمنزلها وهو يتابعها دومًا, ويساعدها في أي شيء تحتاجه, أو يشعر أنها تحتاجه حتى وإن لم تقل, هز رأسه بضيق يقول:
-ما نتِ لو ربنا يهديكِ وتخليني اشوفلك شغل كويس مكانش ده حالك, عاجبك المرمطة دي؟
تنهدت بسأم من فتح هذا الموضوع والنتيجة واحدة, فهي مازالت عند رأيها وقرارها:
-هتشغلني وتأجرلنا شقة, وتنقلنا من هنا, ليه؟ انتَ مش مُلزم تعمل كل ده! كتر خيرك على اللي بتعمله لكن اكتر من كده لأ.
-يا ستي انا هبقى مرتاح كده!
-وانا مش هبقى مرتاحة, ولا امي, وانتَ عرفت رأيها زي رأيي.
نقر على الطاولة بأصابعه بتفكير ثم قال:
-طيب, خلاص اشوفلك شغل كويس قريب من هنا, وسيبك من موضوع الشقة, قولتِ إيه؟
ابتسمت له مجيبة:
-قولت موافقة.
-يا ساتر دماغك حجر صوان.
قالها لتندثر ابتسامتها وتقول بحزن لمع بعينيها:
-بابا كان دايمًا يقولي كده.
-الله يرحمه.
غمغم بها في هدوء, لتردد خلفه, ومن ثم قالت:
-انا حاسه إن ربنا عوضني بيك, عوضني عن الأب اللي فارقني بدري, والأخ اللي عمري ما عرفت وجوده.
قاطع حديثهما رنين هاتفه, ليجيب فور رؤية اسم المتصل فيسمعه يقول
"شاهين باشا هنا, واقف بيراقب سعادتك من بعيد"
ابتسم "مازن" في خبث, وقد شعر للدهشة لوجوده, والراحة لتأكده أن "فيروز" لم تكن ضيقة شرف في حياة ذلك القاسي, عاد ينظر لها يكمل حديثه بثقة:
-انا معاكِ أخ ليكِ دايمًا في أي وقت هتلاقيني في ضهرك.
مسحت بأصابعها تلك الدموع البسيطة التي ترقرقت في عينيها أثر حديثها وحديثه وذِكر والدها, فابتسم في مكر وقد طرأت لرأسه فكرة لا تُفوت.
---------------------
على الجانب الآخر كان قد أتى بعدما انهى عمله, قرر المرور من الطريق الذي أخبره رجله أنها تعمل في أحد إشاراته, في هذا الوقت تحديدًا, فخرج من عمله باكرًا جدًا على غير المعتاد ليلحقها, ولكنه صُدم بوجود الأحمق هذا, أكان رجله مُحق حين أخبره أنه يأتيها كثيرًا؟ لِمَ؟ أيعيد الوِصال؟ جحظت عيناه وهو يرى المشهد أمامه واشتدت قبضته على المقود يغمغم:
-بيحسس على إيه الحلوف ده!
قالها من بين بركان غضبه الثائر بداخله وهو يرى الأخير يضع كفه رابطًا على كتفها لسبب لم يستطيع معرفته من موضعه البعيد, لكن الفعل أحرقه, وهي تلك المتساهلة كيف سمحت له؟ كيف لم تبعد يده وتصفعه صفعة يسمعها كل الجالسين في المكان؟ أم أنها أحبت فعلته!
ليته يستطيع أن يذهب لهما ويقوم هو بما لم تفعله, وبالطبع صفعته ستكسر أسنانه التي ظهرت الآن من ابتسامته السِمجة, وهذا هو المطلوب تحديدًا بدلاً من احتراقه هُنا.
وعودة للجهة الأخرى..
-إيه ده؟
قالتها "فيروز" باستغراب جم وهي تطالع كفه المرتاح فوق كتفها, فابعده بخفه يقول مبتسمًا:
-كنت بواسيكي, عمومًا الانسان لما بيفتكر أي ذكرى وحشة بيحتاج حد جنبه يطبطب عليه.
-يطبطب!
قالتها مستنكرة, وأكملت بقوتها وحدتها المعهودة:
-لا مطبطبش شكرًا, بعدين انتَ اللي قلبت عليا المواجع.
-آسف يا ستي, مش هقلب عليكِ المواجع تاني.
قالها بنفس متسامحة, فابتسمت له بهدوء, ليردد بداخله بمكر وطرف عيناه يذهب بعيدًا
"اثبتِ التهمة عليكي بابتسامتك دي, ربنا يرحمك كنتِ طيبة.."
ويبدو أنه الخبيث, الماكر, بينهم!
-انا اه اعتبرتك اخويا, بس كله له حدود.
قالتها مُحذرة, ليومئ برأسه مؤكدًا على حديثها:
-طبعًا..
نظر لها لثواني بتردد ليجدها قررت النهوض, فأوقفها يقول:
-رايحة فين؟
-همشي مش خلصنا كلامنا؟
-اقعدي عاوزك في كلمتين.
جلست مرة أخرى أمامه تنظر له في انتظار, قطعه يقول:
-كنتِ بتقوليلي مش مضطر تجيب شقة ولا شغل, ولا تساعدنا أساسًا, وقولتلك إني كده هرتاح.. عارفة هرتاح ليه؟ عشان ضميري يرتاح ولو شوية, لأني السبب في كل اللغبطة اللي....
قاطعته بنفس متسامحة:
-مش السبب, بطل تلوم نفسك, بشوفها في عينك اكتر ما بتقولها, مش السبب يا مازن, انا من الأول قبلت وطمعت, وبعدها الفلوس اتسرقت مني فوقعت معاك في مشكلة معرفتش اخرج منها.
زفر أنفاسه يقول بندم:
-مانا السبب اهو.
نفت برأسها بإصرار:
-لا مش السبب, هو انتَ اللي طمعت ووافقت وخدت الفلوس؟ طب انتَ اللي سرقتها؟ انتَ بس لما رفضت ومرجعتش فلوسك حبيت تاخد حقك, ما يمكن كنت نصابة والفلوس متسرقتش وملعوب مني, اكيد مكنتش هتسمح تحس بإني استغفلتك.
ولقد ضغطت على وجع ضميره دون قصد, ليقول بحذر:
-لو قولتلك حاجة توعديني متاخديش مني موقف؟
-حاجة إيه؟
-توعديني يا فُلة؟
قالها مُصرًا على قطعها للوعد, ولكن إصرارها هي على عدم الفعل كان أقوى حين قالت:
-مبوعدش على حاجه معرفهاش, قول واقرر اخد موقف ولا لأ.
ردد بداخله أنه لا مفر من الحقيقة, يريد أن يزيل ذلك الثقل الجاثم فوق كهليهِ, يريد أن يخلص نفسه من ذنب ارتكبه في حقها, فليعترف لها ويُريح ضميره.
نظر لها بقلق وهو يُلقي قنبلته المدوية:
-انا اللي بعت الناس اللي سرقت الفلوس عشان اضغط عليكِ لما قولتِ هتتراجعي ومش هتقبلي المهمة.
شهقة قوية خرجت منها وقد اتسعت عيناها بصدمة, لا تُصدق ما تسمعه! هل فعل بها هذا؟ ولا يتردد في أذنيها الآن سوى حديثه وقت أن أخبرته بسرقة الأموال وتهديده لها بالحبس وتلفيق التُهم, وعجزها حينها... شعور عادت تحسه وكأنها مازالت في الموقف ذاته..
-فُله انا والله....
نهضت تنهي الحديث وهي تنطلق خارجة من المكان, هائمة على وجهها كي لا يلحق بها, فإن فعل تقسم أنها ستجعل خلق الله يشهدون كرامته تُهدر تحت قدميها, اخرج محفظته واخرج النقود منها يضعها فوق الطاولة كي يلحق بها.
وعلى الجهة الأخرى...
رأى تقلب ملامحها, صدمة, وجوم, غضب, وانتفاضتها ناهضة, وخروجها بهذا الشكل, لم يُفكر سوى بشيء واحد, مازن عرض عليها الزواج وهي غضبت ورفضت... هل كان الزواج أو نفس الغرض دون زواج لتنفعل هكذا؟
لحق بها "مازن" يحاول إيقافها لتدفعه بذراعها وترفع إصبعها في وجهه بتحذير عنيف:
-لو مبعدتش عني هفرج عليك خلق الله... ابعد.
وانطلقت في طريقها كرصاصة مشحونة بطاقة غضب تعرف وجهتها.
وقف "مازن" ينظر لأثرها بضيق ويؤنب نفسه على الاعتراف.
وتأكد ظن "شاهين" الذي قبض على عجلة القيادة يهمس بتوعد:
-لا كده احلوت اوي, بس مش هسيبها تحلو اكتر من كده.
وهل آن لرجل الجليد أن يتحرك..........!!!!
