رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السادس 6 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السادس 

وكأنها لا تمل من المحاولة, يقسم إن كانت تحاول في نجاح تجربة عملية لنجحت بالفعل وجنت ثمارها, لكن المحاولة معه هو لن تجني منها شيئًا ولو كانت للمرة الألف.
جلس يداعب الصغير غير مهتمًا لحديثها الذي لم يسمع نصفه, وقاطعها بما جعل عينيها تتسعان بصدمة:

-تحب تتغدى إيه النهاردة يا أستاذ تيم.

ضحك الصغير بخفة على لقب "أستاذ" وأجاب بطفولة بعدما تصنع التفكير للحظات:

-ممكن برجر! 

رفع "شاهين" حاجبيهِ معترضًا:

-هو مفيش مانع, بس انا متأكد إنك كلت برجر كتير اوي الفترة اللي فاتت.

وقد أشار بحديثه للجوء "شدوى" لطلب الاكلات السريعة يوميًا, والتي تدخلت في الحديث بغيظ لم تخفيه:

-والله! يعني بكلمك في موضوع مهم تقوم تقاطعني عشان تسأله هياكل إيه!

نظر لها نظرة ساخرة:

-مهم! فين المهم ده.

رفعت حاجبها المنمق باعتراض:

-مش مهم! كوني عايزه انزل الشركة معاك مش مهم؟ 

-هتنزلي الشركة تعملي إيه؟

-هشتغل.

رددتها ببساطة, ليردد بغيظ:

-تشتغلي إيه؟ دي شركة هي مكتبة!

تحدثت بنبرة تحمل غرورًا:

-هو انتَ ناسي إني خريجة لغات وترجمة! يعني مجال شغلي الأساسي الشركات.

هز رأسه بنزق:

-اه, ده لما نكون شغالين في السياحة, لكن شركتنا مش محتاجه مترجمين, احنا عندنا اتنين بيبدلوا بعض وقايمين بالازم. 

-مشي واحد منهم وخدني بداله.

قالتها ببساطة شديدة, فرفع حاجبه ساخرًا يقول بإدراك لِمَ تحاول فعله:

-خطة جديدة! فاكرة وجودك في الشركة هيقربك! اصل من امتى وانتِ اهتميتي بإنك تشتغلي معايا, بس خدي بالك كل ده ملوش داعي.

قطع حديثه وقال ل "تيم" في لطفِ:

-قوم يا تيمو العب في الجنينة وانا جاي وراك.

نهض الصغير راكضًا للخارج, ليقول لها بعد خروجه في حدة لمستها في نبرته ومعالمه:

-بقالك شهور بتيجي هنا بتيم بحجة اني وحشته, وانا عارف إنك بتيجي لغرض تاني, لأني اقدر اجيب تيم ليا في أي وقت من غير وجودك, ولما بتيجي بتفضلي تخترعي كلام وافعالك كلها الهابطة في إنك تقربي مني ولا هتفرق معايا, وكل محاولاتك دي نهايتها زي كل مرة... الفشل, شدوى احنا اطلقنا, والموضوع انتهى... نقطة وكتاب جديد. 

ظهر الإصرار الغريب على وجهها وهي تقول رافضه:

-لا منتهاش, انتَ مكملتش مع البتاعه اللي كنت هتتجوزها, تقدر تقولي ليه؟ 

ضحك ضحكة ساخرة يسألها بنبرة اصطنع فيها الدهشة:

-لا متقوليش, انتِ فاكرة إني مكملتش معاها عشانك! متهزريش بقى انا مش واقع في دباديبك للدرجادي! 

-اومال سبتها ليه؟

-متفقناش, أسباب ملهاش علاقة بيكِ خالص. 

اشارت بيدها له وكأنها وصلت لطرف الخيط:

-اهو شوفت إنك مش هتعرف تتأقلم مع حد غيري, محدش هيفهمك ويريحك زيي.

هز رأسه ساخرًا:

-اه اصلك كنتِ مريحاني اوي.

نفت التهمة التي يحاول إلصاقها بها:

-انتَ اللي مكنتش مديني فرصة.

تجمدت ملامحه يقول:

-ولا هديكِ, ولو هتسألي نفسك عن السبب, بصي لابنك وانتِ تعرفي, انا كفاية عليا اوي اني رحمتك من الفضيحة زمان وسترتك, وكتبت عيل مش ابني على اسمي, يعني مفيش نُبل اكتر من كده, لكن هتفضلي تخططي وتلفي ورايا عشان نرجع, هقل بعقلي وارفع قضية طعن نسب, ووقتها الفضيحة اللي اترحمتِ منها زمان هتعيشيها دلوقتي. 

ورغم ارتباك ملامحها لبرهة من الوقت إلا انها قالت بثقه:

-مش هتعمل كده, انتَ عارف كويس اوي إن الفضيحة دي هتأذيك قبل ما تأذيني, واسمك هيبقى على كل لسان, الزوج المغفل اللي اكتشف بعد 7 سنين إن العيل المكتوب باسمه مش ابنه, ويا سلام بقى لما يكون الزوج ده شاهين المنشاوي! كله هيكتب وكله هيحكي في الموضوع, والضريبة الأكبر انتَ اللي هتدفعها, سكوتك مش عشاني ولا عشان عمك يا شاهين, سكوتك عشان خلاص عدى الوقت اللي كان ينفع فيه تظهر الحقيقة. 

ثباته, ونظرته التي لم تهتز, والتواء جانب فمه بابتسامة واثقة وهو يقول بتحدي:

-الوقت مبيعديش معايا, ومعنديش حاجة اسمها أخاف من الفضيحة, انتِ عارفه كويس اوي إني لما بعوز اعمل حاجه بعملها وتولع الدنيا باللي فيها. 

انهى حديثه وتركها يلحق ب "تيم" في خطى توتر من يتابعها, وهي قد شحب وجهها بشدة وجف حلقها وهي تدرك تمامًا أنه قادر على فعل ما قاله, فالعقرب لا يهتم لأحد, او بالأدق بات هكذا فإن كانت نفس الشخصية منذُ سنوات ما كان سيتزوجها ولا سيهتم بأن يلحق بالفضيحة, همست لنفسها بذعر:

-انا كده ممكن اودي نفسي في داهية, ده مجنون وممكن يعمل أي حاجه. 

------------------- 
"من فرط العطاء لم يقدروه, بالغنا فيهِ حتى ظنوا أننا لا نفعل شيء مميز, بل الكثير يفعله, فقابلوه بالجفاء, وأصبح شيئًا معتاد, حتى سحبناه دفعًة واحدة, وحينها فقط علموا الفرق, وقدروه"
لم تكن واجمة, ولا عابسة الملامح, كانت عادية, كأن ملامحها لم تعد تبالي, وهذا لأمرًا غريب عليهِ, منذُ يومين وهي لا تفعل شيء سوى أنها تتعامل معه وكأنه بات غريبًا, أو كأنه لم يعد "مجد" الذي تعرفه, لم يعد حبيبها وزوجها الذي كانت تتغنى فيهِ كل يوم, وتغدق عليهِ الكثير من الكلمات اللطيفة والألقاب المحببة, ورغم اختلافهما في أوقات كثيرة باتت تحدث مؤخرًا إلا أنها في وقت الهدنة كانت تعبر عن مشاعرها له في كل قول وفعل يصدر منها.

-شامم ريحة الأكل من على السلم.

قالها وهو يدلف للمطبخ فور عودته من الورشة, لتجيبه وهي تعطيه ظهرها:

-عامله محشي وبط, عمي شاكر قالي امبارح إنه نفسه فيهم.

-مدلعه ابويا اوي انتِ.

التفت له تجيبه بنفس الملامح الغير مقروءة:

-ده ابويا التاني, وعمره ما عملي حاجه وحشه بالعكس مهون عليا كتير.

توقف على جملتها الأخيرة فسألها بعدم فهم:

-مهون عليكِ إيه يعني؟ 

عادت تعطيه ظهرها تقلب "اللسان عصفور" الموضوع على نار هادئة, كداخلها تمامًا, باتت هادئة أكثر مما احتاجت, وكأن بركانها الثائر خمد فجأة, فلم يخلف خلفه سوى رمادًا, رمادًا ليس له فائدة, لكنه أثر على انفجار البركان, احتاجت أن تكن هكذا كي تريح بالها, ولأنه آخر حل أمامها, فكما أخبرتها "صفاء" سابقًا, إما أن تتقبل الوضع وتكف عن النكد وخلق المشاكل, إما أن تطلب الانفصال, وهي قررت أن تسلك المسار الأول, ورُبما هذا راحة لها هي قبل أي شخص آخر, ففي الفترة الأخيرة التمست المرارة في كل شيء في يومها, وما عاد شيء يفرحها أو يخرجها من جو الكآبة الذي أحاط بها برغبتها, ولكنها عادت تعرف معنى الحياة "بدون مجد", أدركت أن الحياة فيها أشياء كثيرة ممكن أن تهون عليها يومها وتجعله أفضل بعيدًا عن "مجد وحبه" 

-يعني انا بنزل الشغل يومين بس في الأسبوع زي ما انتَ قولت, وباقي الأيام وشي في وش الحيط, بنزل اقعد معاه اسليه ويسليني, افضفضله واخد رأيه في اللي محيرني, يقول كلمة نضحك عليها, ولا يحكلي موقف من زمان بينه وبين أبويا, الوقت بيعدي معاه اسرع. 

شعر من حديثها أنها تلومه, بأنها تفعل مع والده ما يجب أن تفعله معه هو, وأنه حين تخاذل عن دوره بحثت هي عن البديل, فقال مبررًا:

-انتِ عارفه إني بكثف شغلي في الورشة اليومين دول, عشان عايز اوسعها واخد المحل اللي جنبها أأجره. وعلى ما اجي واكل لقمة واستحمى واغير بتكون العشا اذنت, فشوية وبنام عشان بصحى من الفجر.

ابتسمت ساخرة, فالفترة الذي ذكرها بين اذان العشاء ونومه تصل لساعتين ورُبما ثلاثة, ورغم هذا لا يقضيهما معها, بل يفعل أي شيء إلا أن يجلس معها ويتحدثان أو يفعلان شيء سويًا, يتابع التلفاز في شيء يجذب انتباهه, يخبرها أنه سيجلس مع والده بعض الوقت, والوقت يطول فيصعد على النوم, أي شيء إلا شيء يجمعه بها.

-انا عارفه كل ده, ومقدره مفيش مشكله. 

صمت لثواني قبل أن تسمعه يقول:

-وموضوع الشغل مش هنخلص منه؟ 

التفت له بحدة مجيبة:

-لا مش هنخلص, احنا بنا اتفاق, قولتلي سيبي بيع الفُل سيبته, قولتلي سيبي الفيلا رفضت وفضلنا في مشاكل لحد ما ابوك فصل بينا وقالي انزل يومين بس في الأسبوع شغل وباقي الأيام لبيتي, وقبلت.. متجيش دلوقتي تقولي سبيه خالص.

-وهو إيه لازمته اصلاً يا بنت الناس! ولا هي مرازية وخلاص؟ 

نظرت له في جدية تجيب:

-لازمته علاج ابويا ومصاريفه, قولتلك مش هسمح حد يصرف عليه جنية. 

علمَ أنها طالما وصلت لهذه النقطة لن يفيد الجِدال بشيء, فقال منهيًا الحوار:

-هروح استحمى وننزل نتغدى مع ابويا.

وتركها وخرج من المطبخ, لتنظر لأثره في ضيق تغمغم:

-قال اسيبه قال, ولو اطلقنا ولا حصل بينا حاجه اتلطم انا وابويا على مين, لا قال وعايز يتجب عليا ويصرف عليه, عشان يذلني اكتر ما هو ذاللني. 

ويبدو أنها بدأت تبني بداخلها حواجز أن شُيدت لن يهدمها أي شيء, وستكن النهاية.... 

----------------------- 
فيلا "نصر الميناوي"

اجتمعا على طاولة الغداء في دعوة استغربها "شاهين" لكنه قَبِل, يشعر بأن هذا الرجل يتعامل معه معامله خاصة لكنه يجهل السبب, ولكن لا ينطلي عليهِ كونه من أهم رِجاله, ولا أنه يعتبره كابن, فالقاعدة الثابتة في حياة "شاهين" أن واحد زائد واحد يساوي اثنان, وعليهِ لا أحد يفعل شيء بلا سبب قاطع, بل تكن مجرد نوايا خفية.

-عجبك الأكل؟ 

همهم "شاهين" وهو يبتلع ما في فمه:

-أمم, اللحمة بالذات مميزة.

ابتسم "نصر" يجيبه:

-ده لحم استرالي أصلي, بيكون مميز جدًا وغالي. 

هز رأسه متفهمًا, ثم قال بعد وقت:

-بس استغربت لما سعادتك كلمتني عشان العزومة, وبعدين فكرت إنك داعي كذا حد لمناسبة معينة, بس جيت لاقيت إني المدعو الوحيد! 

اخذ "نصر" رشفة من كوب العصير الذي أمامه وقال بعدها في ثبات:

-مش كل العزايم بتكون جماعية, انا مبحبش اعمل عزمة جماعية إلا لو في حفلة او مناسبة تستاهل, لكن دي عزومة ودية, حابب أتكلم معاك فيها في كذا حاجة.

-زي؟ 

سأله "شاهين" بفضول ليبتسم مجيبًا وهو يشير للطعام:

-نخلص غدا واحنا بنشرب القهوة هنتكلم. 

صمت مكملاً طعامه والفضول يتدافع بداخله لمعرفة سبب دعوة الغداء. 

-------------- 
ندم لأنه أفشى سره, لم يجب عليهِ أن يفعل فما أفشاه مرَ منذُ زمن وانتهى الأمر, لِمَ فتح على نفسه بابًا لن يُغلق!

ولكن صديقه "مدحت" أخبره بأن ما فعله هو تمامًا الصواب, وأنه هكذا أراح ضميره بالاعتراف, ليثبت "مدحت" أنه صوت الضمير الحي.

زفر بضيق وهو يتذكر كيف ابتعدت تمامًا عنه لأربعة أيام للآن منذُ أن اعترف لها ذلك الاعتراف الخطير, لم تجيب مكالماته, وحين حاول التحدث إليها في محل عملها عاملته بمنتهى الجدية وكأنه زبون جاء ليشتري منها بعض الورود, وإن لم تلزمه الورود فليذهب, وحينها ذهب بالفعل والغيظ يأكله ويؤنب نفسه أكتر على تهوره وقدومه على الاعتراف, فأحيانًا بعض الأسرار من الأفضل أن تظل هكذا.

-اتأخرت عليك؟ 

قالتها "ليلى" وهي تجلس أمامه في ذلك الكافية الهادئ بأحد المناطق, نفى برأسه ينفض أفكار وينفي سؤالها في الوقت ذاته:

-لا, لسه جاي قبلك بربع ساعة تقريبًا, إياد فين؟ 

رفعت حاجبها مستهجنة:

-كده على طول من غير حتى ما تقولي ازيك! على العموم سبته مع الناني عشان جايالك من الشغل لسه مروحتش البيت.

هز رأسه متفهمًا وعقب يسأل بقلق:

-هي كويسة؟ انا اتحريت عنها كويس, بس برضو متديش لها آمان, لتكون بتعامله وحش او...

قاطعته بابتسامة تطمئنه:

-الأطفال في السن ده تعاملهم مع اللي قدامهم بيكون بناءً على أفعال اللي قدامهم, يعني لو هي بتأذيه عُمر إياد ما كان هيحبها او يقعد معاها من غير عياط, لأنه لسه ميفهمش تهديد عشان تهدده مثلاً زي ما بنسمع, بالعكس هو بيحبها ومتعلق بيها, وبعدين انا موثقتش فيها غير لما اكدتلي إنها تمام, ومع ذلك مراقباها وواخده بالي منها.

-ربنا يستر, اصل الناس مبقتش مضمونة.

ردت بقلة حيلة:

-انا لولا إن شغلي كتر وبقيت اتأخر فيه ومبعرفش اوديه فين مكنتش فكرت في ناني, بس مضطره.

-ربنا يوفقك, والشغل عامل معاكِ إيه؟

هزت رأسها براحة:

-تمام اوي, المشاكل اللي كانت فيه اتحلت, ومرتاحة دلوقتي, وكمان زيادة المرتب فادتني وسهلت أموري شوية. 

-كويس.

-وانتَ اخبارك إيه؟

-تمام, زي مانا, بس كان نفسي اشوف إياد النهاردة, مشوفتوش من آخر مرة لما اتقابلنا من أسبوع. 

-المرة الجاية هجيبه معايا, قولتلي إنك عايزني في موضوع خير؟

سألته وقد تخضبت وجنتيها بحمرة أدركت فيما بعد أنها حمقاء! حين أجاب بجدية:

-الشغل عندي بيفكروا ينقلوني, مش عارف لو جالي قرار نقل أوافق عليه ولا لأ.

ذهبت الحمرة عنها, ووُجمت ملامحها وهي تسأله:

-نقل؟ لفين؟ 

رفع كتفيهِ جاهلاً:

-في ناس بتقول اسكندرية وناس بتقول ممكن المنيا, مش عارف لسه لان ده مجرد كلام سمعته مش حاجة رسمية. 

-وانتَ معندكش مشكلة في النقل؟ 

رد حائرًا:

-مش عارف, بس بفكر أوافق, اصل شغل هنا شغل هناك, وبعدين بيكون في اجازات. 

أتاه سؤاله المتعصب في هذه اللحظة كتعابير وجهها:

-هو ده الموضوع اللي عاوزني فيه؟

نظر لها مستغربًا هجومها وقال:

-ايوه, اومال هكون عايزك في إيه؟ انا قولت اخد رأيك.

رفعت حاجبها ناقمة:

-اومال هتكون عاوزني في إيه؟ فعلاً هتكون عاوزني في إيه اهم من كده, بعد شهور بنتواصل فيها ومع بعض والمفروض اننا قربنا اكتر هتكون عاوزني في إيه. 

-انتِ بتتكلمي كده ليه؟ 

-انا عاوزه اعرف نهاية اللي احنا فيه ده إيه؟

-هو إيه اللي احنا فيه؟ 

سألها قاطبًا ما بين حاجبيهِ مستغربًا حديثها, لتجيبه بحدة:

-علاقتنا يا مازن, إيه هنفضل طول العمر نتقابل ونتكلم وبس! مش ناوي تاخد خطوة؟ 

رُبما حديثها فيهِ بعض التبجح, ورُبما لم ينبغي عليها قول ما تقوله, وهي تعلم هذا, لكن الكيل طفح بها, انتظرته لأشهر طويلة أن يتحدث, أن يطلب منها شكل رسمي لهذه العلاقة, لكنه لم ينطق, هل ستنتظره حتى يتم نقله ويخرج من البلاد؟ وتمتد الأشهر لأعوام! هي تريد حلاً قاطعًا. 

صمت وتحولت معالم وجهه للوجوم, رغم أنه من أول حرف قالته فطِنَ مقصدها لكنه لم يتوقع أن تقول ما قصدته صراحًة هكذا, ولم يتمنى أن يصل بهما الحديث لهذه النقطة, لكنه الآن مضطر للإجابة. 

-لما حصلت بينا مشكلة من كام شهر, جيتي بعدها بكام يوم وحاولتِ معايا عشان نرجع نتعامل مع بعض, وقولتيلي على الأقل منخسرش بعض كصحاب.

-بس انتَ عارف ان علاقتنا مش صحوبية! ومتنفعش تكون كده بعد اللي قولته, انا قولتلك كده يومها عشان كنت رافض تكلمني وواخد موقف, عشان ترجع تتعامل معايا مش اكتر, واكيد انتَ فاهم إني مقصدتش تكون صحوبية بجد! 

-وإيه غير رأيك؟ متقوليش إنك فجأة حبتيني!

اخذت نفس عميق واجابت:

-لأ مش فجأة, بس احنا بقالنا فوق ال8شهور بعد اخر مشكلة بينا, طول ال8 شهور دول انا شوفتك بعين تانية, مش مازن الصاحب, مازن اللي بيحبني, وشوفت مواقفك وافعالك واللي انتَ بتعمله عشاني, لاقيت اني كنت معمية, ازاي مشوفتش كل اللي بتعملهولي, انتَ اكتر حد حبتني فيهم يا مازن, حبتني وانا بحب اخوك وسكت وكتمت حبك جواك عشان مكانش ليك فرصة معايا, وحبتني وانا رجعالك مطلقة ومعايا عيل, ده انتَ كمان حبيت ابني وبتعامله احسن معاملة ومتعلق بيك, ازاي قادر تعمل ده لو حبك ليا مش قوي؟ 

ابتسامة غير مفهومة زينت ثغره جعلتها تصمت وتنظر له باستغراب, فقال حين لاحظ صمتها ومرارة العلقم تقف في حلقه:

-دايمًا كل حاجة في حياتي بتيجي متأخرة, حتى لما فهمت مشاعري زمان ناحيتك كنتِ خلاص بقيتِ مع اخويا, ودلوقتي... دلوقتي برضو مش هينفع نكون مع بعض.

-ليه؟ 

سألته باستغراب وصدمة من جملته الأخيرة التي لم تتوقعها ابدًا.

-عشان انا وشاهين علاقتنا اتحسنت, بقيت بدخل بيته, وبنتكلم وبنتقابل ومع بعض في الشركة, بقينا في حياة بعض زي زمان.. تفتكري لو بقيتِ معايا الوضع هيكون ازاي! طب انا عارف إن شاهين يمكن يكون نسيكِ ولما يشوفني معاكِ مش هيفكر فيكِ بأي شكل كان, لكن من ناحيتك انتِ.. 

-من ناحيتي أنا إيه؟

سألته باستنكار ليكمل:

-معرفش قلبك لسه جواه شاهين ولا لأ, وارد اللي منتظراه مني دلوقتي وكلامك معايا عشان شيفاني مناسب مش اكتر, وزي ما قولتي اكتر حد حبك, وفي كلامك مقولتيش إنك حبتيني حتى! أي نظرة بينكوا أي حوار أي موقف معرفش عقلي هيترجمه ازاي, هندخل في دوامه هنطلع منها خسرانين بعض.

نظرت له بوجه محمر من الانفعال لفترة لم تكن طويلة, قبل أن تنتفض ناهضة وهي تجذب حقيبتها وقالت بعصبية:

-لا مادام لسه متعرفش ومش واثق فيا للدرجادي يبقى بلاها يا مازن بيه, بس يكون في علمك مش انا اللي تلعب على راجل وتستغله عشان بس شيفاه مناسب, انا لو مش حاسه بمشاعر ناحيتك عمري ما كنت هنتظر منك شيء, ولا هقولك اللي قولته. 

وذهبت من أمامه كالعاصفة الهوجاء, مُخلفة خلفها غبار الحيرة والتردد بعقل صاحبنا. 
-------------------- 
وضع "نصر" فنجان القهوة فوق الطاولة وهو يقول بادئًا حديثه:

-عاجبني طريقة شغلك في الفترة الأخيرة, مركز, وطريقتك في الشغل مميزة وهتعليك عندهم.

غمغم "شاهين" في هدوء:

-حاسس ورا كلامك كلمة بس..

ابتسم "نصر" لذكائه وقال:

-بيعجبني ذكائك يا شاهين, بتلقطها وهي طايرة فعلا! بس متهور, وتهورك ده هيأذيك. 

ظهر الاعتراض جليًا على وجهه:

-محدش يقدر يأذيني.

-غير نفسك..

قالها "نصر" لينظر له "شاهين" متعجبًا فاكمل بثقة:

-محدش يقدر يأذيك غير نفسك, وغرورك, التهور وهو معاه غرور بيكون اسوء واسوء, ووقعتك اللي بألف هتكون منك انتَ محدش هيوقعك.. عملت إيه في يسري الصاوي؟ 

-مادام بتسأل يبقى وصلك.

هز رأسه مؤكدًا:

-وصلي, ومعجبنيش, ومش هيعجبني اكتر لو فكرت إن يسري هيسكت, يسري عامل زي النمر, لما بيتجرح بيكون أشرس واعنف. 

-عارف, وعارف إنه هيحاول ياخد حقه, ومستني وجاهز.

-وليه تدخل نفسك في حوارات معاه؟

-ادخل نفسي في حوارات معاه! هو اللي عامل الحوارات دي من سنين.

-انتَ قاتل اخوه! 

-واخوه كان يستاهل! 

-مش قتله هو اللي فرقكوا؟ انتَ ومعاذ وغسان. 

-غسان هو اللي اتغابى وخرج منا, لكن معاذ كان عارف إني عملت الصح. 

وكان شقيق يسري يعمل معهم في فترة ما, حتى غدرَ بهم في شحنة أسلحة تتعدى العشرة ملايين دولار, حينها قاموا بخطفه وحاولوا معرفة مكان الشحنة وقد كانوا في بدايتهم فكان المبلغ بالنسبة لهم لا يمكن إضاعته, خاصًة إن كان مبلغ الشحنة لم يُدفع وكان دفعه بعد التصرف فيها وجمع الأموال, ليعطوا التاجر حقه والمكسب يُقسم عليهم, ضياعها آنذاك يعني كارثة ستجعلهم ملزمين بجمع الملايين من أي مكان آخر وبأي طريقة كانت, وبعد أيام من تعذيبه لم ينطق, وبدأ يستفزهم في الحديث, حتى استفز "شاهين" ذات مرة يخبره أن "يسري" إن علم بما فعلوه سينتقم منهم, والانتقام سيكون في والدته أو ربما شقيقته.. وراح يمدح جمالهما ويتلفظ بألفاظ بذيئة وكلمات لم يتحملها "شاهين" عليهما, فظل يضرب فيهِ حتى انقطعت أنفاسه, حينها ثار "غسان" متهمًا إياه بسوء التصرف, وبعد شجار عنيف وحاد بينهما أخبره غسان انه خارج الدائرة, فليتصرف هو في أموال الشحنة بعيدًا عنه, ومن حينها وانفرط العقد, وأصبح "غسان" يعمل منفردًا. 

-انتَ اللي اتهورت, وتهورك خلاك تعاني على ما جمعت الملايين, وكمان لجئت لواحد شغلك معاه سنه كاملة بعدها من غير ما تاخد ولا مليم مقابل فلوسه, في شغلنا الغلطة غالية وتمنها اغلى, زي مانتَ ذكي ومركز, اتأنى وفكر كويس قبل أي خطوة، وانا في ضهرك. 

نظر له "شاهين" صامتًا, لكن كان يبدو أنه يُفكر... مع سؤال يلح, لِمَ يفعل معه هذا الرجل كل هذا؟! 
------------------

وقف بسيارته بعيدًا على جانب الطريق, يتابع بنظراته الصقرية تحركاتها بين السيارات, وابتسامتها التي تظهر كل فترة, ووجومها احيانًا أخرى, وقفت على جانب الطريق تمسح عرقها تحت أشعة الشمس الحامية, ونظرت للعقود في يدها لتضجر وقد اتضح أنها لم تبيع الكثير, ظلت تلتفت حولها لتلاحظ قلة السيارات في هذا الوقت, فاستندت تجلس على الرصيف تريح قدميها, واسندت رأسها لركبتيها في إشارة منها لرغبتها في النوم أو ثُقل رأسها! 
ظل يتابعها وداخله الكثير من الأصوات التي تهمس "اغفر, واصفح, ارحمها مما هي فيه, أعدها لكنفك, والأشهر كانت كافية لتأديبها, كانت كافية كعقاب لفتاة لم تقصد الغدر بكَ, هي فقط كانت ساذجة, مُجبرة, قليلة الحيلة!, ارحمها وارحم قلبك الذي يريدها وكفى عنادًا" 
وصوت وحيد يهمس في خفوت "لا تستسلم للحب, لا تأخذك شفقة بضعفها, أتعيدها لتكرر الغدر؟ أتعيدها لتسامح فيما بعد مضطرًا لعدم قدرتك على أذيتها؟ من غدرَ مرة يغدر ألف" 

قطع الأصوات بداخله, حين لاحظ سيدتان بعباءات سوداء يقفن فوق رأسها لتضربها إحداهما في كتفها حتى تنتبه لهما.

-اه, إيه يا ست انتِ الهبل ده؟ 

-قومي, قومي يا ختي وقعتك سودا معانا.

نهضت تقابلهما في استغراب تام وسألت بحدة:

-إيه الجنان ده؟ انا اعرفك يا ولية انتِ! 

نطقت الأخرى في بداية للشِجار:

-وليه! ولولوا عليكِ يا ختي, بقى لكِ عين يا بجحه تناطحي معانا, عملك إيه الراجل عشان تحبسيه وتسلطي عليه محاسيبك! تعرفي منين ضابط يا بت عشان تسلطيه عليه, ولا انتِ من إياهم.

أدركت هوياتهما, فهما زوجات المدعو بال "دوكش", ويبدو أنهما علما بأنها من خلف سجنه, لم تظهر قلقها لهما وهي تهتف بقوة:

-قطع لسانك, ليه هو انا زيكوا يا تجار المخدرات! انا اشرف مِنك ومن عيلتك كلها, ولو قولتِ كلمة معجبتنيش همسح بوشك الأسفلت.

-لا يا ختي سبيلي انا المهمة دي.

قالتها وهي تتجه ناحيتها لتجذبها من خصلاتها, وما إن قبضت عليها حتى وجدت يد أخرى تقبض على كفها وصوت رجولي يقول بقوة: 

-لو ايدك قربتلها هتحصلي المحروس اللي زعلانة عليه. 

تعليقات