رواية فوق جبال الهوان الفصل الواحد والستون
أثناء إحضاره لطعام الإفطار من مطعم الفلافل الملاصق للعمارة، لاحظ "رزق" توافد بعض الرجال الغرباء إلى المدخل في تتابعٍ يدعو للريبة، فانتظر لهنيهةٍ، وتحرك بخطواتٍ خفيفة ليستعلم عن وجهتهم، خاصة أن رب عمله الحاج "شعبان" يسكن بالطابق الأخير، فإذ ربما يريدون مقابلته؛ لكنه شاهدهم يجتمعون عند مدخل بيت تلك المُسنة، فظن أنهم جاءوا لسرقتها، لكونها تسكن بمفردها، فأسرع في خطاه عائدًا إلى ورشة الحدادة مناديًا بصوتٍ لاهث:
-يا حاج "شعبان"، إلحق يا حاج "شعبان!
توقف صاحبها عن سحب الدخان من نارجيلته، إلا أنه ترك المبسم معلقًا بين شفتيه، وسأله في تبرمٍ:
-في إيه يا وله؟ عامل بالو ودوشة كده ليه؟ وفين الفطار؟
أشار نحو العمارة موضحًا بنفس الصوت اللاهث:
-في ناس هاجمين على عمارتنا.
تحفز في جلسته، وترك المبسم على الطاولة الدائرية الملاصقة لكرسيه الخشبي، وسأله:
-ناس مين دول؟
هز كتفيه معقبًا:
-مش عارف، بس كانوا واقفين عند بيت جماعة "حجاب".
لحظتها انتفض قائمًا معتقدًا أن هؤلاء الشرذمة الغرباء ينتمون لتلك العُصبة الإجرامية التي تسطو على المنازل، فهتف يقول بزمجرةٍ تميل للغضب:
-لأحسن يكونوا هيسرقوا الولية الغلبانة، زي ما حصل قبل كده مع بيت "وفيق".
مؤخرًا حدثت سرقة في واحدة من البنايات القريبة من المنطقة، وتعرض أصحاب البيت للاعتداء الغاشم، ولم يتم العثور على المتورطين في حادث السطو، مما تسبب في إحزان الجميع، واتفقوا فيما بينهم على التكاتف معًا لصد أي محاولات بائسة لتكرار مثل تلك الواقعة المشينة.
هدر الحاج "شعبان" آمرًا بخشونةٍ:
-وقعتهم سودة ومهببة، نادي على رجالة الحتة، احنا هنربيهم ولاد الكلب دول!
امتثل على الفور لأمره، وراح يستدعي كل من يستطيع إيجاده من الشباب الأشداء لتلقين هؤلاء الحقراء درسًا لم ولن ينسوه أبدًا.
......................................
بدا لها المستقبل مشرقًا، مليئًا بالأحلام والأموال، فقد أعلمها ابنها بقرب تحقيق المراد، ولم تبدُ معارضة لاستعجاله، بل كانت تستحثه على عدم المماطلة من أجل طرق باب السعادة الأبدية المتمثلة في الثراء الفاحش والانتقال لمنزلة اجتماعية أرقى.
اضطرت "نجاح" أن تخرج من الحمام مسرعة دون أن تكمل غسل شعرها، واكتفت بلفه بالمنشفة القطنية حينما سمعت الطرقات على باب منزلها، صار صوتها متذمرًا وهي تصيح طارحة حجابها على المنشفة:
-بالراحة شوية على الباب، أنا جاية أهوو.
لم تحكم عقده، وتركته منسدلًا، لتظهر بهيئتها غير المرتبة أمام ذلك الغريب الذي طالعها بنظرة متعجبة، فسألته بسحنة منقلبة:
-إنت مين؟
أجابها وهو يستخرج أحد الملفات الورقية من حافظته الجلدية:
-محضر من المحكمة وجاي للأستاذ "راغب".
على الفور ردت بتأففٍ:
-مسافر، مش هنا.
تابع ما جاء لأجله برسميةٍ بحتة:
-طيب لازمًا حد يستلم الإشعار ده.
اختطفه من يده قائلة في عبوسٍ:
-هاته.
أشار لها بيده لتوقع على دفتره، فأمسكت بالقلم وزيلت توقيعها بالصفحة المشار إليها، لتصفق الباب في عنفٍ وهي تدمدم بغير رضا:
-مش هنخلص من حوارات اللي ما تتسمى دي.
لم تكترث بإلقاء نظرة على ما كتب فيها، وألقتها مع ما سبقها بداخل أحد أدراج الشيفونيرة، وعادت إلى الحمام لتكمل عنايتها بشعرها، وهي تردد بسخطٍ:
-كانت شبكة سودة.
...........................................
ملامحه الصارمة، بجانب نظرته الغامضة أكدت لها ما تفوهت به قبل لحظاتٍ، لن يتراجع عما قرره، وإن كانت العواقب وخيمة. اختفت الألوان من وجه "دليلة، وأعادت عليه تكرار سؤالها المقتضب، وقلبها المفزوع يدق بقوةٍ:
-رد عليا يا "غيث"، إنت هتقــتله؟
لم تتبدل نظرته القاسية مؤكدًا بثباتٍ أجفل كامل بدنها:
-أومال هفوته إكده يعمل ما بداله؟
نفضت يديه عن معصميها لتقبض على أعلى ذراعيه، تشبثت بهما بأقصى قوتها، وصاحت في عنادٍ وقد خفق صدرها صعودًا وهبوطًا من شدة خوفها:
-لأ يا "غيث"، أنا مش هسيبك تروحله.
ظن أنها تخشى من فارق القوى بينهما، فقال بنبرة استخفافٍ ونظرته تزداد قتامة:
-مفكرة إني مش أده إياك؟
هزته بعنفٍ من ذراعيه هاتفة، وسحابة من الدمع تتلألأ في عينيها لتشوش الرؤية لديها:
-أنا مش عايزة أخسرك، ده بني آدم شيطان، مافيش في قلبه ذرة رحمة.
بلا أدنى مجهودٍ تحرر من مسكتها التي بدت هزيلة مقارنة بقواه الجسمانية، وأكد لها عن يقينٍ تام:
-وأني بعون الله هجيب أجله!
حانت منها نظرة مستغيثة بوالدتها فخاطبتها:
-قوليله حاجة يا ماما، ما تخليهوش يروح عنده...
لتنتقل ببصرها نحو شقيقتها الكبرى هاتفة بصوتٍ مختنق:
-طب كلميه إنتي يا "إيمان".
تحدثت إليه "عيشة" في رجاءٍ:
-يا ابني احنا ورطناك بما فيه الكفاية في مشاكلنا، بلاش تضيع نفسك.
لكنه رفض الإصغاء إلى رجائها وقال بعزمٍ لا رد له:
-إنتو دلوجيت أهلي، وما عفوتش واد الحرام ده يمس شعرة منيكم وخصوصي مَرَتي.
كانت "دليلة" أكثر إصرارًا وعنادًا عنه، فأمسكت بذراعه هاتفة في توسلٍ، ودموعها راحت تفيض من طرفيها:
-علشان خاطري يا "غيث" خليك هنا.
شملها بنظرة حانية بعدما اختفت تلك العدائية ليخاطبها في لطافةٍ:
-متخافيش علي.
رفضت تركه، وتعلقت بذراعه صائحة بتصميمٍ أشد، وكأنها طفلة صغيرة:
-مش هسيبك تمشي.
سرعان ما اختفت تلك النظرة المتعاطفة لتصبح قاسية من جديد وهو يأمرها:
-باعدي يا "دليلة".
حاول إزاحة قبضتيها عن ذراعه، لكنها كانت تقاومه بأقصى ما تستطيع، وهتفت معترضة بعندٍ يفوقه:
-لأ يا "غيث"، استحالة أسيبك تروحله، أنا همنعك.
نفخ عاليًا، وأمرها بقوةٍ، رافضًا التعامل معها بخشونةٍ:
-يا بت الحلال باعدي.
من موضعها لمحت الحاج "زكريا" قادمًا نحوهم، فحررت أصابعها عن ذراعه لتهرول نحوه مستنجدة به:
-إلحق يا عمي، "غيث" عايز يقــتل اللي بيهددني.
توهمت أنه قادر على مساعدتها، ونظرت إليه بشيءٍ من العشم، لتتفاجأ به يسأله في جديةٍ، وتعابير وجهه تبدو أكثر صلابة:
-إنت عرفت مكانه يا ولدي؟
هز "غيث" رأسه بالإيجاب قائلًا:
-إيوه يا بوي.
ليصدمها بمؤازرته الكاملة لقراره مرددًا:
-اتوكل على الله، واحمي عرض من النجس ده.
استنكرت بلوعةٍ ما نطق به، وعاتبته:
-إنت هتسيبه يا عمي يروحله؟ هتضحي بيه كده؟
لم يقل شيئًا، فاستمرت على نفس النهج غير مبالية بسماع كائن من كان لما يخص شأنها:
-حضرتك عارف كويس إن جوازتنا مش حقيقة، وكل اللي حصل فيها تمثيل، إزاي تفرط فيه؟ ده ابنك الكبير، اللي شايل اسمك.
إلا أنه رد على ما اعتبره لغوها الفارغ بجديةٍ تامة:
-طالما بجيتي حُرمته، حتى لو على الورج، فإنتي مُلزمة منيه، اعمل اللي عليك يا ولدي، وربك هو الحامي.
وكأن لوثة عقلية أصابتها، راحت تركض نحو بوابة القصر تريد منعه بالقوة عن الذهاب، وصوتها يردد في إنكارٍ وبكاء:
-لأ استحالة تضيع إنت كمان يا "غيث" بسببي، استحالة ده يحصل!
أبصرت البندقية التي يحملها الغفير "بدوي" متروكة جانبًا، على ما يبدو ذهب إلى غرفة الحراسة المجاورة للباب لأمرٍ طارئ، فطرأ ببالها فكرة مُرعبة، فهرعت إليها دون تفكيرٍ، إذ ربما تكون وسيلتها المتاحة حاليًا، التقطتها بكلتا يديها مستشعرة ثقلها؛ لكنها لم تهتم، والتفتت ناظرة إلى "غيث" الذي كان قادمًا في اتجاهها، يتابع تحركاتها الخرقاء بترقبٍ، لتصوب فوهتها ناحيته مهددة بصوتٍ مرتعش:
-إنت مش خارج من هنا؟ سامعني؟
رماها بنظرة غير مبالية وهو يأمرها دون أن يكف عن التقدم نحوها:
-سيبي اللي في يدك ده!
أحكمت قبضتيها على البندقية، ووضعت يدها على الزناد، متأهبة للضغط عليه، دون أن تدرك أن زر الأمان لا يزال على وضعيته، وردت عليه بعنادٍ:
-مش هيحصل!!!
إلا أنه واصل التقدم ناحيتها، فراحت تتراجع للخلف بخطواتٍ مضطربة، وصوتها المهتز يأمره:
-ابعد، ما تقربش!
بالطبع لم تكن لتضغط على الزناد مهما حدث، كل ما أرادته فقط هو إيقافه ومنعه من الخروج. تفاجأت به ينقض على ماسورة البندقية يجذبها بقوةٍ تجاهه، لتندفع معها للأمام، فتمكن من انتزاعها بسهولة، واستعادتها منها بلا أدنى مجهودٍ يذكر، ثم بحركة واحدة لف ذراعه حولها، ليحيط بها من ذراعيها، ويلصقها من ظهرها بصدره، وقد باتت مقيدة منه، همس لها في أذنها معاتبًا:
-جولتلك من الأول، دِه مش لعبة!
لتبدو نبرته أكثر خشونةً وهو يعنف "بدوي" الذي أتى مهرولًا من داخل غرفة الحراسة، حيث كان يقضي حاجته بالحمام الملحق بها:
-وإنت يا غفير الزفت، ما تفوتش بندجيتك إكده يا مخبل!
أخذها منه مرددًا في إذعانٍ، وقد نكس رأسه حرجًا:
-حاضر يا بيه.
لم يكن ليخاطر "غيث" بترك زوجته هكذا تتصرف برعونةٍ، فتدفع بنفسها إلى الهلاك بسبب رهافة مشاعرها، أرخى ذراعه عنها، وأمسك بمعصمها ليديرها ناحيته، ثم انحنى بجذعه قليلًا ليحملها على كتفه قائلًا:
-تعالي إمعاي.
صدمها ما فعل، وهتفت محتجة وهي تركل بقدميها في الهواء:
-سيبني يا "غيث".
لم يصغِ إليها، واتجه عائدًا بها إلى القصر، متجاوزًا البوابة، وصعد سلم الدرج سريعًا، وصوتها المندد يصرخ به:
-نزلي يا "غيث"!
ظل يحملها إلى أن وصل بها إلى غرفتهما، فأنزلها برفقٍ على قدميها، لينظر إليها بنظرة مستعطفة وهو يخاطبها:
-لو كان في جَلبك إمعزة ليا تفضلي إهنه.
في حركة غير متوقعة منها، رفعت يديها لتحتضن وجهه، ورمقته بنظرة من عينيها تحتبس الدموع فيهما وهي ترجوه:
-ما تسبنيش يا "غيث"، ما تخلنيش أخسرك إنت كمان.
لتنطق معترفة بلا وعيٍ، وكأنها تلوم نفسها:
-ليه كل اللي بحبهم بيسيبوني؟
التقطت أذناه كلمتها تلك، فمد ذراعه، وطوق به خصرها ليضمها إليه قبل أن يهمس لها بصوتٍ رخيم:
-وأني بعون الله راجع.
شعرت بضمته القوية على جسدها، فانهمرت دموعها غزيرة، ليربت على ظهرها برفقٍ، قبل أن يجبرها على الاستلال من أحضانه ليبعدها عنه، ويندفع بخطواتٍ سريعة نحو الباب ساحبًا الباب ورائه بعدما أخذ المفتاح من موضعه. حاولت "دليلة" اللحاق به، واعتراض طريقه منادية في ذهولٍ:
-"غيث"! إنت رايح فين؟
تجاوزها بأعجوبة وأغلق الباب خلفه مشددًا أصابعه المحكمة على المقبض، لئلا تتمكن من فتحه، قاصدًا احتجازها بداخل الغرفة، لتصيح في استجهانٍ وهي تحاول تحريك المقبض:
-افتح الباب!
طرقت بعصبيةٍ بيدها المتكورة على الكتلة الخشبية صارخة في هياجٍ:
-"غيـــــــث"!
ومع هذا تجاهل دقاتها العنيفة عليه، ليوصد الباب بالمفتاح، ثم استدار للخلف فوجد والدته تقف ورائه تطالعه بتعجبٍ. مد يده بالمفتاح قائلًا في لهجة آمرة:
-ما تفتحيش الباب يامه.
أخذته متسائلة في استغرابٍ، ونظرة حيرى تطل من مقلتيها:
-عتحبسها جوا يا ولدي؟
قال بجمودٍ:
-لما تهدى تبجى تخرج...
ليهم بالمغادرة بعدما أتم جملته المنقوصة:
-وعينك عليها يامه، مش هوصيكي.
نظرت إليه وهو يهبط درجات السلم قائلة:
-حاضر يا ولدي، ربنا يرجعلك لينا سالم غانم.
كانت "إيمان" في طريقها للصعود إلى الأعلى عندما مرت بجوار "غيث" الذي استمر في اندفاعه للخارج، اتجهت نحو "فاطمة" تسألها في وجلٍ بعدما سمعت صوت صرخاتها المنددة:
-"دليلة" فين؟
أجابتها وهي تشير بيدها:
-جاعدة جوا أوضتها، شوية ونفتحولها الباب.
لم تستطع معارضة ما يحدث، فبدا ذلك الأنسب لوضعها حاليًا. تنهدت "إيمان" متمتمة:
-ربنا يستر ويعديها على خير.
فيما التقت "عيشة" بـ "غيث" أثناء استقلاله لسيارته، استوقفته عند بابها المعدني تدعو له:
-خد بالك من نفسك يا ابني.
رد عليها رافعًا بصره للسماء:
-ربنا الحارس يا حاجة.
تنحت جانبًا ليتمكن من قيادة سيارته، ولسانها لا يكف عن الدعاء من أجله، لعل المولى عز وجل يستجيب وينجيه من شر ذلك اللعين.
......................................
خلال بضعة دقائق، كان رجال المنطقة قد احتشدوا وتجمعوا وهم يحملون في أياديهم ما يصلح لافتعال مشاجرة حامية الوطيس، تدافعوا نحو مدخل العمارة بغير خوفٍ، ليقطعوا الطريق على هؤلاء الملاعين، فقبل أن يتمكن "عباس" من حـبس أنفاس العمة المغلوبة على أمرها، سمع صوت الجلبة الآتية من الخارج، فالتفت نحو "زهير" ليجده يأمر أحد أتباعه:
-شوف في إيه ياض؟
على الفور جاءه الخبر اليقين بتجمهر سكان المنطقة دون سببٍ حول محيط البناية، وبداخلها، فأعلمه بما يدور ليهتف "عباس" متسائلًا بعدما أرخى قبضته عن العمة التي لم تتوقف عن السعال بسبب انقطاع أنفاسها:
-هنتصرف إزاي يا كبيرنا؟
سلط "زهير" نظره أولًا على العمة التي تكومت أرضًا لتنكمش على نفسها، ثم حاد ببصره عنها ليشرد لهنيهة، وكأنه يضع خطة استراتيجية حاسمة في رأسه قبل أن يفصح عنها علنًا:
-خلو جزء من الرجالة يشتبكوا معاهم، والباقي يجي معايا، هنكت من على السطح.
هز "عباس" رأسه مرددًا:
-وجب يا ريسنا.
ثم أصدر أمره إلى أتباعه المتأهبين مشيرًا بإصبعه:
-سمعتوا كبيرنا قال إيه؟ يالا أوام.
وراح يقسم الرجال إلى فريقين، أحدهما يتولى التشابك مع سكان المنطقة وإلهائهم عن زعيمهم، والآخر منوط بتأمينه، والاتجاه معه إلى سطح العمارة لاستخدامه في الهروب والانتقال إلى بنايةٍ أخرى، فيتمكن بذلك من ترك المنطقة بسلامٍ.
............................................
لم ينتظر أحدهم إشارة الهجوم للذود عن تلك المُسنة، بل انطلقوا متزاحمين نحو بيتها، ليتعاملوا مع حفنة الحقراء الذين بادروا بالتشابك معهم، لتصبح تلك البقعة الضئيلة موطنًا للاقتـتال الدامي، حيث تناوبوا على ضربهم وإلحاق الأذى بهم بلا رحمة، بالطبع كانت الغلبة لأهل المنطقة المتسمين بالشجاعة، فتمكنوا من أسر جميعهم، ليقرروا مهاتفة قوات الشرطة لإلقاء القبض عليهم بعدما نالوا جزائهم.
كان "عباس" في الفئة الأخرى التي نجحت في التسلل من المكان، فتساءل بصوتٍ شبه لاهث وقد تمكن من بلوغ السيارة التابعة له:
-هنسيب الرجالة يا كبيرنا؟
تجاهل "زهير" الرد عليه، وأمره بجمودٍ:
-اطلع بينا على العنوان إياه.
لم يكن "عباس" راضيًا عن اندفاعه الأهوج، لقد صار مغايرًا لما كان عليه من قبل، العقل المدبر لأكثر المكائد حيلة وحنكة، شتان الفارق بين الأمس واليوم، فهو يبدو كمن يُساق إلى حتفه، لا إلى نيل مآربه.
......................................................
بعد رحيله، وحبسها هنا بالإكراه، جلست على البساط الناعم أمام فراشها، تستند بظهرها على عارضته القصيرة، وتضم ركبتيها إلى صدرها وتحاوطهما بذراعيها، لتخفي بعدئذ وجهها الباكي بينهما، وكأنها تريد بذلك التلاشي عن الوجود. لم تعلم "دليلة" كم مضى عليها من الوقت وهي جالسة هكذا، كل ما كانت تفكر به مصير "غيث" بعد لقائه بذلك الشيطان المسمى "زهير". استطاعت سماع صوت المفتاح يدور في القفل، لينفتح الباب وتلج "إيمان" إلى الداخل. رأتها على تلك الحالة المؤسفة، فافترشت الأرض إلى جوارها، ومدت يدها لتضمها من كتفيها تناديها بتعاطفٍ:
-"دليلة"!
رفعت وجهها المحتقن، وخاطبتها بعينين منتفختين من كثرة البكاء:
-أنا نحس على كل اللي يعرفني!
وضعت "إيمان" يدها على وجهها المبتل بدموعها قائلة في إشفاقٍ:
-ما تقوليش كده...
ليختنق صوتها نوعًا ما وهي تكمل:
-محدش بيهرب من قدره ونصيبه.
توقعت "دليلة" تعرض "غيث" لمكروهٍ، فاستمرت على ندبها المتحسر:
-يا ريتني ما جيت هنا! يا ريتني ما أذيته هو كمان!
استنكرت شقيقتها لهجة التشاؤم الظاهرة في صوتها، واستعتبتها:
-ليه بتقدري البلاء قبل وقوعه؟
أجابتها بقلبٍ ملتاع:
-خايفة عليه يا "إيمان"، خايفة يروح زي اللي سبقوه، بابا "وفارس".
لتستحضر صورة الراحلين في مخيلتها وهي تضيف أيضًا بندمٍ:
-لو كنت رضيت بنصيبي من الأول كان زمانهم لسه عايشين.
ردت عليها "إيمان" بصوتٍ ينم عن حزنها على فراق الأحبة:
-الأعمار بيد الله، محدش عارف إمتى هيجي الأجل.
عاودت "دليلة" رفع عينيها المتورمتين للأعلى مناجية:
-يا رب نجيه، يا رب ما تضرنيش فيه!
ربتت شقيقتها على جانب كتفها مؤمنة عليها:
-أمين يا رب العالمين، إن شاء الله هيرجعلك بخير.
........................................
شرع النهار في التقلص، وأقبل الليل فاتحًا ذراعيه لمحبيه، و"أحلام" لا تزال تتزين أمام طاولة الزينة، أرادت أن تظهر في أوج جمالها بالإفراط في استخدام مساحيق التجميل، بما يتنافى مع طبيعتها المعتادة غير المبالية بما يبرز فتنتها.
حتى ثيابها، اختارت عباءة براقة، ضيقة من منطقة الخصر، وذات فتحة صدر مثلثة، فتجعلها تبدو ممتلئة القوام، ومغرية للأعين.
ارتسمت علامات الغرور على محيا "أحلام" وهي تتأمل هيئتها النهائية، تغنجت في وقفتها السامقة متسائلة:
-إيه رأيك يا به؟ زينة إياك؟
ردت عليها خادمتها "نعمة" في انبهارٍ:
-بسم الله، تبارك الله، جُمر أربعاتشر يا ستي.
سألتها لتتأكد من حُسنها وهي تلف خصلة من شعرها حول إصبعها:
-يعني ععجب عريس الغفلة؟
ردت عليها مؤكدة:
-ده يبجى انطس في نضره لو جال غير إكده!
تلوت "أحلام" بثغرها متمتمة في حقدٍ:
-خلي "غيث" يشوف كيف خُسرني لما اتجوز بت البندر.
تحركت بعيدًا عن طاولة الزينة، واتجهت نحو نافذة غرفتها، أزاحت الستار القماشي قليلًا، وتساءلت وهي تراقب المدخل:
-هو لسه مجاش؟
أجابتها "نعمة" في جدية:
-الرجالة جوم تحت، بس هو مش فيهم!
تجهمت تعابير وجهها بشكلٍ ملحوظ، وهمهمت في استياءٍ:
-بوي جال إنه جاي، كيف محضرش لحد دلوجيت؟
علقت بحذرٍ:
-مخابرش يا ستي.
أمرتها في الحال وهي تبتعد عن النافذة:
-طب انزلي شمشمي إكده عنه.
أومأت برأسها هاتفة في انصياعٍ:
-ماشي يا ست "أحلام".
لتغادر بعدها الغرفة، والأخيرة تسير الهوينى عائدة إلى طاولة الزينة، أمسكت بالمشط، وراحت تسرح خصلاتها بتمهلٍ متسائلة في ضيقٍ:
-وه يا "غيث"، حتى في طلتك الأخيرة علي جبل ما أكون لغيرك حارمني منها؟!!
تعاظم ضيقها بداخلها، بل إنه تحول إلى غليلٍ مكتوم، ما لبث أن غدت نظرتها قاتمة، وملامحها قاسية وهي تنطق بما يشبه الوعد:
-وحياة مجاصيصي دول ما هوافج على "محروس" إلا لما تكون موجود ................................. !!!
