رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والستون 62 بقلم منال سالم


 رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والستون 

كل شيء كان يبدو على الحد الفاصل بين العقل والجنون، ما راحت تمر به حياتها من منعطفات خطرة، كان كفيلًا لدفعها لحافة الانهيار، ومع ذلك جاهدت لتتماسك قدر استطاعتها. بقيت "إيمان" إلى جوار شقيقتها الغارقة في مخاوفها محاولة بث الدعم والطمأنينة لها، مما قد يجعل قلبها المضطرب يهدأ. 
انتبهت كلتاهما إلى صوت "عيشة" المرتفع، والقادم من الخارج ليثير اهتمامهما:
-عمتكم اتصلت بيا يا بنات، عمتكم الحمدلله لسه عايشة.
على الفور أدمعت عينا "دليلة" تأثرًا، واستندت على يديها لتنهض من موضع جلوسها قائلة في فرحةٍ حقيقية:
-بجد يا ماما؟
أومأت برأسها مؤكدة بحماسٍ:
-أيوه، هي معايا على الخط.
دون ذرة تأخيرٍ، اختطفت الهاتف من يدها، وألصقته بأذنها، وبيدها الأخرى كتمت شهقة مسرورة لسماع صوتها يردد:
-أنا كويسة يا "عيشة"، طمني البنات عليا.
صوتها المألوف جعلها تتخلص نسبيًا من معظم مخاوفها، فانفلتت منها شهقة خافتة، أتبعها صوتها الشاكر:
-الحمد لله يا رب، الحمد لله إنك بخير يا عمتي.
فيما هرعت "إيمان" هي الأخرى لتُحادث عمتها عبر الهاتف، فتركتها "دليلة" تكلمها وتراجعت للخلف هامسة بتضرعٍ وبمناجاةٍ خفية، وعيناها تبكيانٍ غيابه عنها:
-يا رب احفظه ورجعه بالسلامة.
............................................
لم يكن بحاجة لترتيباتٍ مسبقة من أجل تدبير خطة محكمة، خالية من الثغرات للإيقاع به، فجرائمه غير القانونية السابقة جعلته هدفًا رئيسيًا لكافة رجال الداخلية، بل على قائمة المطلوبين، فقد سعوا لضبطه في وقت وجيز، ولولا تلقيه للكثير من المساعدات السرية لإبقائه بعيدًا عن أياديهم، لوقع في الأسر منذ زمن.
تواصل "غيث" مع مأمور بلدته أثناء قيادته لسيارته، حيث من المفترض أن يتجه إلى العنوان المنشود، وذلك من أجل طلب معاونته في مهمة استدراج ذلك اللعين، وإلقاء القبض عليه، متبعًا النهج القانوني والرسمي، ربما لفعل العكس تمامًا، وقضى عليه بنفسه لو لم يبصر بعينيه مدى خوف "دليلة" الحقيقي عليه. 
توسلاتها الملتاعة، دموعها الغزيرة، بجانب لهفتها الحارقــة، جعلته يعيد ترتيب حساباته، لا يريدها أن تكرهه، أن تعاقبه بإقصائه من حياتها، عندما تجد يداه قد تلطختا بدماء هذا النجس.
شتته عن شروده الذي بدا جليًا على ملامح وجهه صوت تابعه المخلص "وهدان" حينما خاطبه:
-عنك يا بيه، أديلك مدة سايج، ريح إشوي، وأني عكمل سواجة.
التفت للحظةٍ ناحيته، وعلق بجديةٍ:
-أني بخير، ماتشيلش همي.
ليشعر "غيث" بتلك الاهتزازة في جيب جلبابه، فأخرج هاتفه المحمول منه لينظر إليه معقبًا:
-الحاج "راشد" بيتصل!!
وكأن رؤيته لاسمه ذكره بتلك المناسبة التي من المفترض أن يحضرها، فهمهم مع نفسه:
-بــاه، نسيت حوار بت عمي.
حرر زفرة سريعة من رئتيه، وأجاب على اتصاله بصوته الأجش:
-إيوه يا عمي.
أتاه صوته مستعلمًا:
-فينك يا ولدي؟
منحه جوابًا غامضًا:
-في مشوار إكده تبع المأمور.
دون مماطلة تساءل "راشد" مستفهمًا:
-عتحضر كتب الكتاب على إكده، ولا مش هتلحج؟ بت عمك حلفانة ما نتموا أي حاجة إلا بوجودك.
أخبره بهدوءٍ:
-البركة فيك يا عمي.
تابع "راشد" حديثه معه بما يشبه الثناء:
-"محروس" راجل زين، وهيراعي ربنا فيها.
رغم طباعها السيئة، وتحفظه على غالبية تصرفاتها إلا أنه لم يمنع نفسه من الإفصاح عن توجسه بشأن تلك الزيجة السريعة، فتساءل:
-مش جلجان إنه متجوز تنين غيرها؟
استطاع سماع صوت أنفاس عمه وهي تتثاقل بعض الشيء، قبل أن يسترسل:
-والله يا ولدي مخابيش عليك، جلجان شوي، بس هي محتاجة اللي يمسك زمامها.
كان عمه محقًا في بحثه عن زوجٍ قادر على ضبط سلوكها، وتحجيمها، خاصة مع اندفاعاتها غير المحمودة المتعلقة بإيذاء الآخرين. أطلق زفرة أخرى سريعة ليعقب بعدها:
-ربنا يعمل اللي فيه الصالح ليها.
رد عليه "راشد" منهيًا المكالمة
-ماشي يا ولدي، مش ععطلك أكتر من إكده، خد بالك من حالك.
-ربنا الحافظ.
قالها "غيث" قبل أن يضغط على زر إنهاء الاتصال، ويعيد الهاتف إلى جيبه متمتمًا بصوتٍ لم يفارق جوفه:
-محدش بياخد أكتر من نصيبه.
...........................................
سحبته الذكريات، وجرته بعيدًا، إلى ماضٍ لم يفارقه يومًا، وإن رحل جميع من فيه، لقد كان بارعًا بحق في وضع الخطط، في حبك المؤامرات، في الغدر بالخائنين، فيما عدا ما يخص شئون القلب والعاطفة، حيث افتقر إلى ما يُمَكنه من الحفاظ على كل من تهواه نفسه، فيصبح ببساطةٍ كالعاجز البائس، ذليلًا لمشاعره، ومقيدًا بولهه المسكين. 
طاف بمخيلة "زهير" ومضاتٍ خاطفة وسريعة لحادثة إذلاله من الفتاة التي أحبها في الجامعة، وكيف تدخل شقيقه الأكبر "كرم" للانتقام منها على ما فعلت، بل إن عقابه امتد ليشمل عائلتها، لتصير عبرة لمن تسول له نفسه المساس به، فكانت كلما تراه تطأطئ رأسها في انكسار وذلة متحاشية إغضابه مجددًا، حتى عندما التقاها مصادفة بعد عدة سنوات في مطعم شقيقه، فرت كالفأر من أمامه.
ودَّ "زهير" لو استمع إلى نصائح شقيقه وغالب هوى الفؤاد، لكنه لم يصغِ إليه، وبات صريع انجراف عاطفته، وإن كانت ستودي به إلى حتفه. 
"دليلة" معذبته، ومُهلكته، كيف له أن يتركها تنساب من بين أصابعه كالزئبق دون أن ينالها؟ لقد صارت هوسه للدرجة التي أعمته عن رؤية المخاطر الناجمة عن ملاحقته لها، آه لو يكف عن مطاردتها لربما نجا!
صار الكل مستعدًا في هذا اليوم الحاسم على خط كلمة النهاية، فقد أقسم "زهير" ألا يتخلف عن ذلك الدنيء الذي سلبه حلمه الوحيد المتبقي له بأي خطوة، سيلحق به إلى قعر الجحيم، فقط ليستعيدها. 
تحرك الرجال في مركباتٍ متتابعة، بسرعاتٍ ثابتة، عبر طرقٍ جانبية، لتجنب الكمائن التابعة لأفراد الشرطة، من أجل الوصول إلى وجهتهم في أقصى سرعة. حاول "عباس" تحذير رب عمله مرة أخرى من مغبة تلك المخاطرة غير المدروسة، لعله يتخلى عن الأمر، فطلب منه فيما يشبه الرجاء:
-يا ريسنا ما بلاش الروحة دي، أنا مش مطمن، احنا شايلين روحنا على كف عفريت، ومصدقنا نفدنا من أهل الحتة اللي كنا فيها.
حدجه "زهير" بنظرة قاتمة للغاية، توحي بعزمٍ شديد، قبل أن يخبره بغير ترددٍ:
-هي جابت أخرها خلاص، يا قـــاتل، يا مقتــــول!
ثم تفحص بندقيته الآلية متسائلًا:
-السلاح جاهز مع الرجال؟
أومأ برأسه مؤكدًا وهو يشدد قبضته على المقود:
-اطمن يا كبيرنا، رجالتنا معاهم اللي يكفيهم وزيادة.
مد يده نحو كتفه ليربت عليه برفقٍ وهو يبتسم قائلًا في استحسانٍ: 
-عاش يا "عباس".
عاود الأخير التحديق أمامه متمتمًا مع نفسه بشيءٍ من القلق:
-شكلها مش هتعدي على خير!
لم يكن بيده أي حيلة لمعارضته، فانصاع للتدبير الأخير الذي استقر عليه، راجيًا ألا يقوده بهذا إلى مصرعه.
.........................................
مع انطلاق الزغاريد المبتهجة بالأسفل، والأعيرة النارية في السماء، تأكد لديها أنه حضر لإتمام مراسم عقد القران، فَسرَّت نفسها إلى حدٍ كبير، تبقى لها الظهور أمامه وهي في أوج فتنتها لتبهره قبل أن تشعره بالندم الشديد على خسارتها. لم تتخيل مُطلقًا أنها وقعت على وثيقة الزواج بغير وجوده. فوجئت "أحلام" بالحقيقة الصادمة عندما صعد إليها أبيها ليخبرها بملخصٍ موجز لما جرى، فصاحت مستنكرة:
-كيف يعني يا بوي تعقد من غير وجود واد عمي؟ ده كبيرنا!!
رد عليها ببرودٍ:
-اتحدت معاه في التلافون، وهو وافج!
ذهلها جوابه، فلم تتمكن من ضبط انفعالاتها، فتحدثت بنبرة ثائرة، وكأنها على حافة الجنون:
-بــــاه، وافج إكده؟ من غير ما يحضر؟ ويشوفني وياخد رأيي؟
بنفس أسلوبه البارد استفزها بإضافته:
-جال إن عنده مصالح مع المأمور.
ارتفعت نبرتها المغتاظة حين رددت:
-المأمور أهم مني إياك!!
لم يعبأ "راشد" للحظة بحالة الهياج التي بدت عليها ابنته، وتحرك صوب الباب موجهًا أمره لها:
-"محروس" ناطرك تحت، البسي طرحتك، وانزلي شوفي جوزك.
حلت تعاسة جلية على تقاسيم وجهها وهي تهمهم بغير تصديق:
-أوام بجى جوزي!
دون أن تتبدل نظرته الجافة أمرها والدها قبل أن يغادر:
-ماتوخريش عليه.
لتنهار بعدها "أحلام" جالسة على ركبتيها على الأرضية الباردة وقد باتت تستوعب الحقيقة القاسية، ما لبث أن لطمت على صدغيها منددة:
-إيه اللي عملته في حالي!!!
.....................................
مستعينًا بتطبيق تحديد المواقع الجغرافية الشهير، تفحص "زهير" بدقةٍ وتركيز تفاصيل المنطقة المتواجد بها عنوان حبيبته المختبئة، كانت معالم تلك البقعة تشير إلى بلدة نائية، محدودة السكان تقريبًا، تكاد الطرقات قبلها تخلو من مظاهر الحياة، فتعجب من اختيارها لهذا المكان القاصي لتسكن به، سرعان ما راودته الشكوك بشأن تواجدها فيه، فهتف يأمر "عباس" على الفور:
-وقف العربية.
استجاب تابعه المخلص له، وضغط على المكابح متسائلًا في استرابةٍ:
-خير يا ريسنا؟
تلفت حوله مرددًا بغموضٍ:
-في حاجة مش مظبوطة.
تحفز "عباس" في جلسته سائلًا:
-إيه هي؟
أشار "زهير" بعينيه مخاطبًا إياه في صيغة تساؤلية:
-بص كده حواليك، شايف إيه؟
طاف ببصره على ما حوله للحظةٍ قبل أن يقول مباشرة:
-مافيش إلا الخلا وجبال!
ليضيف عليه "زهير" بنبرة تهكميةٍ:
-ومش واخد بالك إننا مصدفناش عربيات كتير طول ما احنا ماشيين؟
فرك جبينه هاتفًا:
-أه صحيح.
ليتوجه إليه بسؤاله المتشكك التالي:
-إيه اللي هيجيب "دليلة" وأمها وأختها في حتة مقطوعة زي دي؟!
ومض عقله فجأة، وأزيلت الغشاوة عن مداركه، فأردف من فوره:
-لأحسن نكون اتفغلنا يا كبيرنا!!!!
اعترف بحقيقة وقوعه في الفخ قائلًا بحنقٍ متصاعد وهو يضرب بقبضته المتكورة على التابلوه الأمامي لسيارته:
-الظاهر كده!
برطم "عباس" بسبة بذيئة كنوعٍ من التذمر، فأمره "زهير" بصوتٍ قاتم:
-بلغ الرجالة يرجعوا.
أومأ برأسه في طاعة، ثم أطلق صفيرًا عاليًا بعدما أخرج يده من النافذة الملاصقة له، وقام بتحركها في الهواء بحركة دائرية ليشير إليهم بالالتفاف والعودة؛ لكن قطع عليهم الطريق ظهور عربات دفع رباعي، فزوى "زهير" ما بين حاجبيه متسائلًا:
-مين دول؟!!!!
............................................
التنسيق بين عدة جهاتٍ لا تربطهم أدنى صلة ببعضهم البعض لم يكن سهلًا بالمرة، احتاج "غيث" إلى المزيد من الجهد والحنكة في التعامل مع كافة الأطراف، لحث الجميع على استغلال كل الفرص المتاحة للإيقاع بـ "زهير" وضمان عدم نجاحه في الفكاك من القبضة الأمنية مرة ثانية.
بالطبع كان "وهبة" أول من تمكن من تتبعه وملاحقته، فهو من أرشده لهذا المكان لينتقم منه جراء ما فعل برفيقه "فارس"، بمجرد أن أبصره يبطء من سرعة سيارته، حتى تحدث هاتفيًا مع رجاله يستحثهم على توخي الحذر، إلى أن أدرك أنه كشف المؤامرة، فأمرهم بمحاصرته من كافة الجهات، ليترجل بعدها من السيارة الأمامية التي اعترضت طريقه، وبيده ســـلاحه الآلي. سبقه صوته المرتفع مناديًا بإهانةٍ فجة:
-إنزل يا مَــرَة...
تعمد استفزازه بوابل كلماته اللاذعة، ليستحثه على مواجهته وجهًا لوجه، فتابع بجراءة منقطة النظير:
-ولا خايف تواجه الرجالة اللي بجد؟
كان "زهير" على وشك الخروج من السيارة، إلا أن "عباس" استوقفه بالإمساك به من معصمه، وراح يرجوه بخوفٍ:
-استنى يا كبيرنا، بلاش تنزل، المرادي فيها الناهية!
حكم صوت العقل، وأصغى إليه مرددًا من موضعه بصوتٍ مرتفع:
-ما تخلقش لسه اللي أخاف منه!!
ليهزأ به "وهبة" علنًا:
-ماهو باين عاد.
ما زاد من تـــأزم الموقف ظهور القوى الأمنية على الساحة، حيث طوقت سيارات الشرطة، وفرق الأمن المركزي المنطقة بالكامل، ليضيق الحصار أكثر عليه. سمع "زهير" صوت قائدهم يخاطبه عبر مكبر الصوت:
-سلم نفسك يا "هجـــام"! المكان كله محاصر!
تقلصت ملامح وجه "عباس" وهو يرى القبضة الأمنية وهي تلتف حول أعناق الجميع، فتساءل في قلقٍ:
-العمل إيه يا ريسنا؟ 
أزال "زهير" زر الأمان عن سلاحه الآلي، وأصدر أمره النافذ وهو يخرج فوهته من النافذة المجاورة له:
-دوس بنزين على الآخر، افرم اللي قدامك.
ثم ضغط على الزناد بقوةٍ لتتطاير الأعيــرة النـــارية في الأجواء مسببة الاضطراب والفوضى، فيما انطلق "عباس" على أقصى سرعة للسيارة مستغلًا ما حدث، وصادمًا المركبات التي تعترض طريقه ليزيحهم بعيدًا.
بالكاد نجح "وهبة" في تفادي الاصطدام الوشيك مع سيارة هذا الملعون، طُرح أرضًا، وبجواره عدد من رجاله؛ لكنه استعاد شتات نفسه، ووقف على قدميه، ليهتف فيمن يحيطون به بلهجته الآمرة:
-وراهم يا رجالة.
انطلقوا في إثره بلا ترددٍ بعدما استقلوا إحدى سيارات ربع النقل، ليتحول الطريق السريع إلى مطاردة خطيرة تجمع ما بين رجال "وهبة" وأفراد الشرطة من جهة، و"زهير" وأعوانه من جهةٍ أخرى.
هتف أحدهم متسائلًا في وجلٍ:
-هنعمل إيه يا ريس "وهبة"؟ شكله هيفلت منينا!
أعاد "وهبة" تموضع فوهة سلاحه الآلي، ووجهها عبر نافذته إلى إطار سيارة "زهير" قائلًا بثقة:
-مش هيلحق واد المحـــروق!
صب جام تركيزه على إصابة هدفه، ليضغط بثباتٍ على الزناد، فانطلقت دفقة من الطلقات المتدافعة، لتصيب الإطار الخلفي لمركبته، مما جعل السيارة تتطاير كالقذيفة في الهواء بعد فقدان اتزانها، لتدور لعدة مراتٍ عاليًا قبل أن تهوى على الأرضية الإسفلتية ساحقة عظام من فيها بلا رأفة، ليدوي بعدئذ صوت انفجـــــار هائل، أضاء سماء الليل بإنارة ساطعة، فيما تحولت الأجساد الآدمية إلى أشلاءٍ وبقايا تناثرت لعدة أمتار في محيط المكان ................................... !!!


تعليقات