رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والستون 63 بقلم منال سالم


 رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والستون 

استدعاها للمكوث مع زوجها بعدما تم عقد قرانها، فماطلت وتلكأت حتى نضبت كافة حججها، وأصبحت مرغمة على الذهاب إليه، خاصة بعد مغادرة غالبية الضيوف والمهنئين. انطفأ الوهج الزائف الظاهر في عيني "أحلام" عندما تيقنت أن اندفاعها غير المدروس وراء انتقامٍ مزعوم قد أودى بها إلى هوة سحيقة لا يمكنها النجاة منها بسهولة. تحاملت على نفسها واتجهت إلى غرفة الصالون، حيث يجلس "محروس" برفقة أبيها. نهض الأخير فور أن رأى إحداهن مقبلة عليه، بَهَر نظره طلتها الفاتنة، مما جعله يستشعر تلك الوخزات الأشبه بالرعدات الخفيفة تضرب بدنه، فأدرك أن لحضورها تأثيرًا عجيبًا عليه، اشتهى قربها، وحاول ضبط نفسه في وجود والدها، فتصنع العبوس مستعتبًا تأخيرها:
-ادللي براحتك يا عروسة، المرادي سماح، بس بعد إكده مش هعديها!
قام "راشد" بدوره من مجلسه، وتحدث إليه في مزيجٍ جمع بين الجدية والألفة:
-لسه ماخدتش على طبعك يا "محروس"، وإنت راجل جدع، هتعرف تتعاملوا معاها صُح.
ابتسم له دون أن يشيح بنظرته النهمة التي تطوف عليها قائلًا بنبرةٍ لم تسترح لها "أحلام":
-اطمن يا حاج "راشد"، أني خابر زين كيف أخليها طوعي.
رمقته بنظرة مستخفة، ورددت بين جنبات نفسها:
-عشم إبليس في الجنة.
استأذن "راشد" بالذهاب، ليفسح لهما المجال للحديث بقدرٍ من الخصوصية، فاستغل "محروس" الفرصة، ومد ذراعه نحوها ليمسك بها من رسغها، جذبها بقوةٍ طفيفة ناحيته وهو يأمرها:
-تعالي جاري يا عروسة.
لم تتمكن من الإفلات منه، وجلست مضطرة إلى جواره، لتتفاجأ به يلتصق بها، وذراعه تطوقها من خصرها لتعتصر لحمها تحت قبضته القوية، قفزت نافرة من اقترابه غير المتوقع وهي تنهره في ضيقٍ منعكس على كامل ملامحها: 
-باعد شوي.
إلا أنه رفض الانصياع لها، وزاد من إحكامه حولها، لتشعر بنفسها محاصرة، نفرت أكثر من أنفاسه التي لفحت بشرتها وهو يهمس لها في اشتياقٍ ورغبة:
-ده أني حلالك يا به.
فما كان منها إلا أن وكزته بكوعها في صدره بخشونةٍ، ليتأوه من الألم المباغت، وانتفض قائمة وهي مستمرة في توبيخه:
-اتحشم، مش إكده عاد!
تغاضى عن ردة فعلها النافرة، وعاود الاقتراب منها قائلًا في لهفةٍ مضاعفة:
-مش جادر، ده إنتي كيف لهطة الجشطة.
سرعان ما وسوس لها شيطان رأسها باستغلال نهمه وشَبقه الواضحين لصالحها، فهو على ما يبدو ينتمي لذلك النوع من الرجال الذين تحركهم شهوتهم نحو امرأة بعينها، فتغطي تلك المشاعر الثائرة على ما دونها، لذا تدللت عليه بنعومةٍ، وخاطبته في نبرة مغرية كانت واثقة أنها ستفعل به الأفاعيل:
-لما يتجفلوا علينا باب تبجى تعمل ما بدالك.
كالأخرق سقط في فخ إغوائها اللئيم، وهتف بأنفاسٍ متلاحقة، وهو يحاول احتضانها مجددًا:
-هانت، احنا مش عنطولوا كتير، أني هرتب مع الحاج "راشد" دخلتنا.
هذه المرة تركته يظن أنه قادرٌ على الإمساك بها، لتسأله في خبثٍ:
-وفين حريمك؟ ماجوش ليه يباركوا؟ ولا مستكبرين عاد يجابلوا مَرَتك الجديدة؟
صاح نافيًا من فوره:
-ولا يستجروا أصلًا...
ليميل ناحيتها محاولًا اختطاف قبلة من على وجنتها وهو يداعبها:
-دول جمبك غَفَر...
سمحت له بنيل مراده، وعلقت في اقتضابٍ:
-جولتلي.
ليضمها أكثر ويتحسس ظهرها مرددًا في صوتٍ خفيض، محاولًا استمالتها:
-وبعدين إنتي اللي عتبجي على الحجر.
مدت إصبعها لتداعب أنفه، ثم هبطت به نحو ذقنه، لتمرره ببطءٍ عليه، جاعلة رغبة الشوق تتأجج في خلاياه، لتسبل عينيها ناحيته هامسة فيما يشبه التحذير:
-شوف يا سي "محروس"، أني اللي يجلعني (يدلعني)، ويشوف كيفي أخليه سلطان زمانه، هيدوج معايا الشهد والعسل ومايعرفش في دنيته يحب مَرَة غيري، غير إكده مش هيشوف إلا المرار.
ازدرد ريقه، وقال بأنفاسٍ راحت تتثاقل أكثر فأكثر من فرط الرغبة:
-ربنا ما يجيب بينا أي حاجة عِفشة.
تركته يظن أنه على وشك الولوج إلى نعيم جنتها، لتستل نفسها من أحضانه قبل أن يظفر بدفقةٍ أخرى من رحيقها المغري، مدعية عودة أبيها:
-بوي إهنه.
بالكاد تمالك "محروس" نفسه، وتراجع عنها مطاطئًا رأسه، لتقوم بالركض مبتعدة وهي تضحك في ميوعةٍ وتسلية، لينظر بعدها حوله مُدركًا كذبتها الصغيرة، فكز على أسنانه مدمدمًا:
-عتروحي مني فين يا لهطة الجشطة! مسيرك تجعي تحت يدي!
.........................................
تحول الليل الحالك إلى بقعة مضيئة بفعل ألسنة اللهب المندلعة إلى عنان السماء من السيارة المشتعلة الملقاة على جانبها، بجانب الإنارة القوية الخاصة بمصابيح المركبات التي تزاحمت بها هذه المنطقة النائية.
وقف "وهبة" مع "غيث" على مسافة قريبة من البقعة التي طوقتها القوات الأمنية، تحدث إليه الأخير متسائلًا:
-تفتكر واد الحـــرام ده فلت منيها؟
جاوبه "وهبة" وهو يعيد ضبط عمامته على رأسه:
-عيجولوا الحكومة لاجت جتت متفحمة جوا العربية، ده غير اللي على الطريج.
رد عليه في نبرة متشككة، لا تخلو من القلق كذلك:
-بس محدش ضامن إن كان عاش ولا مات!
ليشرد "غيث" لحظيًا قبل أن يتشدق في شيءٍ من التخمين:
-جايز يكون نط من العربية جبل ما تنفجر.
أخبره "وهبة" فيما يشبه النفي:
-ماظنش، أني كنت وراه، وكان بيضرب عليا نار.
ليومئ بعدها معقبًا بوجومٍ:
-هيبان في التحقيقات.
تابع كلاهما باهتمامٍ وتركيز تحركات أعضاء النيابة، وكذلك الضباط المنوطين بمتابعة تفاصيل ذلك الحادث، ليتساءل "وهبة" في قليلٍ من الحيرة:
-عتبلغ جماعتك؟
لم يحبذ "غيث" أبدًا وضع افتراضياتٍ لأمورٍ هو غير واثقٍ منها، لذا حسم قراره بغير تفكيرٍ:
-لما نتوكدوا الأول.
.......................................
مر الوقت ببطءٍ عليها، وكأنها سلحفاة تزحف على مهلٍ نحو جُحرها، لم تنجح "دليلة" في إلهاء عقلها أو التوقف عن التفكير في مصير زوجها الغامض، فكلما حاول أحدهم الاتصـال به وُجد هاتفه مغلقًا، مما ضاعف من هواجسها وأفكارها السوداوية بشأن تعرضه للأذى، أو إقدامه على شيءٍ أخطر، إلا أن هدوء من حولها -وخصوصًا والدته- جعل القليل من الارتياح يتسرب إليها، فالأخبار السيئة تصل بسرعة!
انعزلت في غرفتهما، حتى أشرقت شمس اليوم التالي، ولا جديد يُذكر، راحت تنظر إلى متعلقاته الشخصية بنظراتٍ ساهمة، ساهدة، حتى توقفت أمام صورة فوتوغرافية ضخمة له معلقة على الحائط، امتدت يدها لتتلمس الإطار الخشبي، وصوتها الحبيس يتساءل بخوفٍ حقيقي:
-يا ترى حصلك إيه؟
ارتعش بدنها وهي تتخيل مجرد التخيل أن ذلك الوضيع مسه بسوء، أغمضت عينيها لهنيهة لتقضي على ذلك الهاجس المرعب، لتعاود فتحهما راجية:
-يا رب ما تكونش ضيعت نفسك بسبب واحد زي ده...
سرعان ما طأطأت رأسها في خزيٍ وهي تكمل استعتاب نفسها:
-أنا مستاهلش التضحية دي.
التفت برأسها نحو الجانب عندما سمعت الطرقات الخفيفة على باب الغرفة، أعقبها استئذان شقيقتها بالدخول، فور أن ولجت سألتها مستفسرة:
-مافيش جديد لسه من "غيث"؟
أجابتها بوجهٍ حزين وهي تقترب منها:
-معرفش عنه حاجة من ساعة ما خرج.
تنهدت "إيمان" مضيفة أيضًا:
-أنا برضوه سألت الحاجة "فاطمة" من شوية عليه، وقالت إنه مكلمهاش لسه.
انقبض قلبها وقد توهمت حدوث الأسوأ، فباحت بما يدور في رأسها:
-تفتكري يكون جراله حاجة؟
هتفت من فورها:
-بعد الشر عنه، إن شاء الله يكون بخير.
لترد عليها في تضرعٍ:
-ربنا يحفظه....
ثم سكتت للحظةٍ قبل أن تتابع بغصةٍ عالقة في حلقها:
-ساعات كتير بحس إني نحس على اللي يعرفني!
نظرت إليها "إيمان" في استغرابٍ، لتكمل شقيقتها بنبرة مهمومة، تنم عن مدى المعاناة التي تشعر بها:
-خايفة أكون السبب في أذيته وضياع مستقبله، هو مايستهلش أعمل فيه كده.
مدت يدها نحو جانب ذراعها، وربتت عليه برفقٍ وهي تخاطبها في وديةٍ:
-هقولك زي ما بيقولوا هنا، محدش بيهرب من قدره.
علقت في أسى:
-بس لو عمل كده أبقى دمرت مستقبله.
حاولت التخفيف من حدة الضغوط التي تحاصرها بقولها:
-إن شاء الله نسمع كل خير، تفاءلوا بالخير تجدوه.
ردت في رجاءٍ أشد:
-يا رب هونها عليه ورجعه بالسلامة يا رب.
استحثتها "إيمان" على الخروج من عزلتها قائلة بابتسامةٍ رقيقة وهي تمسك بمعصمها:
-أمين، تعالي يالا علشان تفطري.
في سمةٍ من الاعتراض أخبرتها:
-ومين ليه نفس بس للأكل؟!
قطبت ما بين حاجبيها هاتفة بإصرارٍ:
-الحاجة "فاطمة" موصياني، علشان متزعلش، ده هي بتحبك جدًا.
لم ترغب في إحزانها، وسارت معها نحو الخارج مرددة باستسلامٍ:
-طيب.
.......................................
كان من الحكمة في مثل تلك الأوقات الحرجة التريث وعدم استباق الأحداث، للتأكد من فناء أكثر البشر شرورًا؛ لكن لا تزال هناك بعض الشكوك بشأن نجاته، خاصة مع تناثر بعض أشــلاء الجثامين في محيط الحادث، وتفحم البقية مما أوجد صعوبة في التعرف على هوية أصحابها. ظل "غيث" باقيًا مع "وهبة" وبقية المشاركين في تلك المطاردة في مديرية الأمن من أجل استكمال باقي الإجراءات القانونية، ليقوم الأول باستدعاء محاميه المخضرم للحضور، ومتابعة آخر المستجدات بداخل غرفة وكيل النيابة بحكم طبيعة مهنته.
انتظر بالرواق على أحر من الجمر، إلى أن أتاه المحامي، فصافحه بإيماءةٍ بسيطة بعدما فرغ من مهمته، ليبلغه مباشرة:
-الطب الشرعي هيفحص الجثث ويبلغ النيابة وجهات التحقيق بالنتيجة.
نظرة غضب لاحت بعينيه، وهمهم في استياءٍ منزعج:
-إن شاء الله ما تجومله جومة.
ليرد عليه "وهبة" في نبرةٍ جادة:
-الحادثة كانت وَعَرة يا واد عمي، ومافيش حد طلع منيها حي، واللي نجا انجبض عليه.
حاد ببصره بعيدًا قبل أن يعلق:
-جلبي مش هيطمن إلا لما أتوكد إنه مات واد الـ..... ده!
تحدث المحامي مجددًا في لهجته الرسمية الثابتة:
-الحكاية هتاخد كام يوم وتتعرف، مافيش حاجة صعبة دلوقتي.
زم فمه مغمغمًا:
-ربك يسهلها من عنده.
..................................
جاوز قلقها النخل طولًا، حتى لم تعد تستطيع ضبط حالها أو إخفاء توترها، صعدت "دليلة" إلى السطح لتمكث به، وعيناها تتطلعان إلى المدى البعيد، استلقت على الأرجوحة، وواصلت التحديق في الفراغ، إلى أن تثاقل جفناها ولم تتمكن من البقاء يقظة، غفت في موضعها، ولم تشعر بمرور الوقت، إلى أن مالت الشمس نحو المغيب، لتنتفض قائمة في تعبٍ عندما سمعت صوت "فاطمة" يخاطبها:
-إنتي إهنه يا بتي وأني عدور عليكي؟
فركت عينيها لتطرد آثار النعاس منهما، وسألتها في توترٍ ممزوجٍ بقدرٍ من اللهفة:
-أيوه يا طنط، في جديد؟
أخبرتها الأخيرة بصوتٍ أمومي حانٍ:
-أبوكي الحاج "زكريا" جالي إن "غيث" كلمه، وهو مع الحكومة دلوجيت.
هبت واقفة على قدميها، ولاحقتها بأسئلتها:
-طب هو كويس؟ حصله حاجة؟ حد اتعرضله؟
ابتسمت كعهدها بابتسامتها الودية وهي تطمئنها:
-ما تتخرعيش إكده، الحمد لله هو بعافية وبخير، وهو جاله لما يخلص اللي وراه هيعاود البلد.
لتنخفض نبرة "دليلة" وهي تتساءل مع حالها في شيءٍ من الإحباط:
-يعني كده مافيش جديد عن اللي ما يتسمى؟!
لم تتبين "فاطمة" ما تهمهم به، فسألتها مستفهمة:
-بتجولي إيه يا بتي؟
ردت عليها محاولة الابتسام للتغطية على قلقها:
-بدعي ربنا يرده بالسلامة.
حافظت الأخيرة على بسمتها الصافية وهي تخبرها بمحبةٍ:
-ربنا يسمع منك ويحفظه لينا.
..................................
داعبت نسائم الهواء وجهه وهو يقف بجوار سيارته، منتظرًا انتهاء رفيقه من ابتياع الطعام من مطعم الوجبات السريعة، لتناوله في الفندق المتواضع الذي يقيمان فيه بشكلٍ مؤقت ريثما تنتهي التحقيقات. كان الشوق إليها يضني قلبه، يخنقه، يحــرقه، يفعل به الأعاجيب، إلا أنه طمع أن يكون ارتباطها به نابعًا من مشاعرها الخالصة، أصيل وله معنى، وليس بناءً على الظروف التي فُرضت عليهما. 
نقل "غيث" بصره نحو "وهبة" عندما سأله:
-سرحان في إيه يا كبيرنا؟
جاوبه نافيًا:
-ولا حاجة.
أشار إليه ليركب السيارة، فتساءل "وهبة" مازحًا:
-اتوحشت جماعتك؟
لكن "غيث" ظل على صمته المريب، فتابع كلامه إليه معتقدًا أنه بالفعل يفتقد تواجده في محيط عائلته:
-هانت، مسيرك تعاود ليهم.
عَمد "غيث" إلى تجاهل ما يتطرق إليه متسائلًا، وهذا التعبير الواجم يكسو كامل قسماته:
-ناجصك شيء، ولا نرجعو اللوكاندة؟
قال وهو يعيد ضبط وشاحه حول عنقه:
-لع يا واد عمي.
ليدعس بعدها على دواسة البنزين وينطلق بالسيارة نحو وجهته، ورأسه لا يزال مشغولًا بالتفكير في مستقبل ومصير علاقتهما.
......................................
مضى ما يقرب من الأسبوعين منذ أن غادر زوجها للحاق بهذا اللعين ولا جديد عنه، فقط بضعة أخبار مقتضبة تنقلها إليها حماتها، وكأنه يمتحن صبرها ببعده عنها وجفائه القاسي، ليته لا يفعل، فذلك يزيد من عذابها لا أكثر! الغريب في الأمر أنه طوال تلك المدة لم يتواصل شخصيًا معها مُطلقًا، مما أربكها وسبب لها المزيد من التخبط والحيرة، فقد ارتاعت من فكرة قيامه بقــتله، وهي التي ظلت ترجوه وتتوسله ألا يرتبك ذلك الجرم الشنيع، فكيف لها أن تتعايش معه بعدئذ ببساطة؟ ورغم صعوبة ما تمر به إلا أنها أدركت وبقوة خلال هذه الفترة الوجيزة أنها تكن له قدرًا وفيرًا من المشاعر الغالية، تلك التي تحتاج إلى فرصتها الذهبية لتبزغ وتبرز إلى العلن.
لن تنكر أن غيابه أثر فيها نفسيًا، فجعلها تفقد الشهية إلى الطعام، ناهيك عن الذبول الظاهر في محياها، بجانب فقدانها لبعض الوزن، لتبدو أشبه بمن يعاني من العِلة والمرض.
في ذاك النهار تحديدًا، الجلبة الآتية من الخارج جعلت حواسها تتيقظ، فنهضت من على الفراش الذي كان باردًا بهجره العجيب، لتسير بخطواتٍ حذرة نحو الخارج بعدما طرحت حجابها على رأسها، لم تعقده تمامًا، وتركته مرخيًا عليها، لتهبط على درجات السلم وهي ترهف السمع في ترقبٍ مشوبٍ بالشوق، خفقة قوية عصفت بقلبها عندما سمعت صوته، لهفة اللقاء جعلت ابتسامة مسرورة للغاية تشق طريقها في وجهها العابس، وتلتصق بشفتيها. تسارعت خطواتها حتى هبطت على الدرج وبلغته.
وقفت على مسافة عدة خطواتٍ منه، تتأمله بنظراتٍ مشتاقة فرحة، دون أن تخبت بسمتها المتلهفة. خفقة أخرى قذفت في قلبها حينما نظر ناحيتها متسائلًا في جديةٍ:
-كيفك يا ست البنات؟
تلبكت وهي تجاوبه:
-أنا الحمد لله كويسة.
لتقول "فاطمة" في شيءٍ من الدعم، وهي ترمق ابنها بهذه النظرة المفهومة:
-كانت جلجانة عليك يا ولدي، شوف وشها بجى دبلان ببُعدك عنها؟!
دنت "دليلة" منه حتى أصبحت واقفة في مواجهته، سألته بملامحٍ جادة:
-عملت إيه؟
أجابها بثباتٍ، وبغير ابتسامٍ:
-اطمني، الهم انزاح خلاص.
لم يكن بحاجة لتفسير أي شيء، فالأخبار معروفة مسبقًا، القضاء على من أذاق الأبرياء صنوف الذل والعــذاب، لذلك كان من الطبيعي أن تبتهج "فاطمة" لسماع الأنباء السارة، فأخذت تهلل في حماسٍ:
-ألف بركة يا ولدي.
لتردد "عيشة" هي الأخرى في سرورٍ:
-اللهم لك الحمد والشكر.
فيما أضافت "إيمان" بارتياحٍ:
-أخيرًا ربنا خلصنا منه.
إلا أن "دليلة" كانت الوحيدة التي تبدو مهمومة إلى حدٍ كبير، فجلَّ ما كانت تخشاه أن تتلطخ يداه بالدمـــاء، رمقته بهذه النظرة الحائرة وهي تسأله بترددٍ:
-قـ..تلته؟
جاءها جوابه ممتعضًا، وكأنه غير راضٍ عن ذلك:
-ملحجتش، قضا ربنا سبجني.
لحظتها تنفست الصعداء، ورددت في راحة:
-الحمد لله.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وهمت بالاستعلام عن تفاصيل ما جرى، إلا أنها ابتلعت الكلمات في جوفها قبل أن تنطلق منه عندما تحدث فجأة، ودون تمهيدٍ:
-أني دلوجيت أجدر أحلك من الوعد اللي جطعناه سوا.
أحست بتلك الانقباضة القوية في صدرها، وسألته بصدرٍ قد أخذ يعلو ويهبط من فرط التوتر:
-قصدك إيه؟
بملامحٍ باردة للغاية، تبدو كالجليد القاسي في هيئتها أخبرها صراحةً:
-هسيبك تروحي لحالك يا بت الناس.
كانت كلماته كالنصــل الحاد، حيث طعنتها في منتصف صدرها بلا هوادة، فعجزت عن الرد عليه، لينصدم الجميع بقراره غير المتوقع. كانت "فاطمة" أول من لامته على ذلك، فسألته في عبوسٍ شديد:
-ليه إكده يا ولدي؟
بنفس الأسلوب الجامد الخالي من العاطفة أجابها بلا تجميلٍ: 
-ده كان اتفاجنا يامه، وأني راجل وبلتزم بكلمتي.
احتبست الدموع في عيني "دليلة"، لم تظن للحظة أنه سيفعل بها ذلك، اعتبرت تصرفه غدرًا برغم كونه النتيجة المتوقعة لاتفاقهما السابق، أطبقت على شفتيها بقوةٍ تمنعهما من الارتعاش، كما كورت قبضتيها محاولة التحكم في انفعالاتها لأقصى درجةٍ ممكنة، فيما ظلت "فاطمة" تعاتبه في نبرة حادة لا تخلو من اللوم الشديد:
-والناس عيجولوا إيه لما يعرفوا إنك فارجت عروستك جبل ما تتموا حتى شهر من جوازكم؟
قال بغير ندمٍ، وهذه النظرة الباردة تحتل حدقتيه:
-محدش ليه صالح باللي ععمله.
جاء قراره نهائيًا لا رجعة فيه، تزلزل كيانها عندما تلقت ذلك الخبر الموجع، بالكاد استدعت شجاعتها، وهتفت تكلمه في صوتٍ هادئ رغم اختناقه:
-شكرًا على كل حاجة عملتها علشاني، وأنا أسفة إني شغلتك الفترة اللي فاتت بيا...
لتلتفت بعدها موجهة حديثها إلا والدتها التي كانت لا تزال على ذهولها المصدوم:
-يالا يا ماما علشان نجهز حاجتنا قبل ما نمشي، بيتهيألي قعادنا هنا مالوش لازمة.
افتقرت "عيشة" إلى ما تنطق به لإقناعه بالعدول عن رأيه، وكيف لها أن تفعل وهي شريكة مثل البقية في ذلك الاتفاق المزعوم؟ نكست رأسها في حزنٍ، وسارت مع ابنتيها نحو الدرج لتصعدن إلى الأعلى، لتظل "فاطمة" تعنفه في حمئةٍ وغيظ:
-إيه اللي حُصل يخليك تطلج مَرَتك؟ ده إنت عاشجها يا ولدي!!!
تجاهل ما تبدو عليه من انفعال جلي، وقال في هدوءٍ مستفز:
-هفوت على بوي وعمي نشوفوا مصالحنا، يكونوا الجماعة جهزوا حالهم.
بمجرد أن أنهى جملته انطلق مندفعًا نحو الخارج، لتشيعه "فاطمة" بنظرتها المنكسرة وهي تردد من خلفه في حزنٍ عميق:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه إكده يا ولدي؟ ليه تخسر البنية ..........................................؟!

تعليقات