رواية نبضات قاتلة الفصل السادس بقلم زينب محروس
بدت «غرام» طبيعية و كأنها لم تري شيئًا في الليلة الماضية، توجهت إلى المطبخ حيث كانت «سميرة» تنشغل في إعداد الطعام.
اقتربت منها «غرام» و هي تسألها بنبرة ودودة:
صباح الخير يا «سميرة»، بتعملي ايه على الصبح كدا؟
ابتسمت لها «سميرة»، وأجابت:
بعمل معجنات عشان القطار القدام حابة تقطر منهم قبل ما تسافر
شمرت «غرام» عن ساعديها واقتربت منها قائلة: مساعدك عشان تخلصي بسرعة.
انضمت إليها في تشكيل العجين، لتغتنم «غرام» انشغال «سميرة» في تجهيز بعض الأطباق الأخرى. وانتزعت لنفسها قطعة من العجين بعدما أضافت إليها المزيد من الطحين فجعلتها أشد تماسكا، أخفتها بقبضة يدها و انسحبت دون أن تشعر بها الأخرى.
***
أسرعت إلى غرفتها فاصطدمت ب «مالك» في طريقها، توترت قسمات وجهها، وشدت على قبضتها، فكانت تخشى أن يرى ما لديها و ينهال عليها بوابل من الأسئلة التي لا يجب أن يعلم إجابتها.
تنفست بارتياح عندما تبسم قائلا:
مستعجلة كدا و رايحة فين يا حبيتبي؟
تكلفت في ابتسامتها وردت عليه بصوت خافت:
طالعة الأوضة.
رفع حاجبيه قائلا بشك:
دا انتي بتهربي مني بقى امبارح تنامي قبل ما ارجع والنهاردة اصحى الاقيكي مش موجودة و دلوقت نازل و انت طالعة
ضحكت بخفة و أشارت إلى توبها قائلة:
كنت يساعد «سميرة» في المطبخ و هدومي بقى عليها دقيق فهغير و نازلة حالا.
تنحى «مالك» عن طريقها وأتاح لها المرور، مهرولت صعودا إلى الغرفة، وهي تحمد ربها أنه لم يكتشف ما لديها.
أفرغت صندوقا صغيرا خاص بأقراطها الذهبية و وضعت به قطعة العجين وحبات الصندوق في حقيبتها البدوية. انتقلت إلى خطوتها التالية و هي البحث عن مخبأ المفتاح، بدأت تفتش في الأغراض الخاصة بـ «مالك». لكنها لم تعثر عليه و باعث
محاولتها بالفشل.
اعتلت الفراش تسأل عقلها عن طريقة لتحصل على المفتاح، فأملي عليها عقلها إن كان مالك» يزور تلك الغرفة بشكل متتابع.
قبالتأكيد ذلك المفتاح لا يفارقه.
هبت واقفة هامسة لنفسها بشك:
المحفظة ممكن يكون في المحفظة
حسمت أمرها بالحصول عليه اليوم، فهاتفت صديقتها وطلبت منها المرور على بيت عائلتها لتطمئن على والديها، وأكدت عليها بضرورة زيارتها اليوم قبل الغد
استعدت «ثريا» لسفرها بعدما تناولت وجبة الإفطار برفقة ابنها وزوجته أحضرت «سميرة» أمتعة السفر و وضعتها جانبا، وودعت الوالدة عروس بيتها، وأوصتها ببعض النصائح للحفاظ على بيتها وزوجها سعيدًا، فكانت «غرام» تهز راسها بابتسامة خفيفة، و يعقل باحث عن طريقة لتتفقد محفظة «مالك».
لم يكن الطعام قد رفع عن المائدة، متحركت «غرام» و حملت كاشا من العصير وسارت به حتى تبقى بينها و بين «مالك» يضع خطوات صغيرة، فتظاهرت بالتعثر وسكبت العصير على بنطال «مالك» من الخلف قبل أن تلقي بالكأس أرضا و تتصنع التعب.
تجعدت قسمات وجهها بشكل يوحي بالإرهاق و تحسست جبهتها و هي تعتذر قائلة:
أنا آسفة يا «مالك»، ماخدتش بالي.
كان على وشك الصراخ، ولكن منعته والدته بإشارة من عينيها، واقتربت من «غرام» سائلة باهتمام
مالك يا حبيبتي ايه اللي حصل ؟
ردت عليها «غرام» بصوت واهن
مش عارفة يا ماما فجأة كذا حسيت نفسي دايخة و مش قادرة أقف.
خمنت «ثريا» قائلة:
تلاقي ضغطك وطي من قلة الأكل، مأكنتيش حاجة امبارح و لا حتى دلوقت على الفطار ..... طلعها ترتاح يا مالك» و أنا هستناك على ما تغير و تنزل.
وجهت جملتها الأخيرة إلى «مالك»، الذي امتثل لطلب والدته دون اعتراض، فحمل «غرام» صاعدًا بها إلى حجرتهما.
انزلها على الفراش، قائلا:
ارتاحي يا حبيبتي .
دلف إلى ملحق الغرفة الخاص بالملابس، فتابعته «غرام» ينظرها هامسة بعبوس:
يادي الزفت كان يخلع الجاكت هنا على الأقل.
زفرت بضيق و أراحت ظهرها على وسادة خلفية، لتفكر في طريقة أخرى.
منذ دقائق معدودة، و هي تتحرك في ردهة الطابق العلوي ذهاباً وإيابا. وتأرجح ذراعيها بمثل وحببة. لم يدم هذا الوضع طويلا، حيث
تراجعت سريعًا إلى غرفتها عندما تناهي إلى سمعها خطوات تصعد الدرج.
تركت الباب مواريا، لتختلس من خلفه النظرات مشاهدت «سميرة» تتجه إلى ظهر البيت بأطباق الطعام، فلاحت على شفتيها
ابتسامة ماكرة لتهمس بإصرار شديد.
يبقى بلاش «مالك» وتلعب مع «سميرة» الأول.
لم تحرك ساكنا، و بقيت «غرام» كما هي تنتظر «سميرة»، التي لم تستغرق وقتا كثيرا وكانت تهبط الدرج فارغة اليدين، فتأملتها
«غرام» بعناية ودقة، قبل أن تحادث نفسها قائلة:
السميرة نازلة و مش ماسكة مفتاح في إيدها، وكمان لبسها مفهوش جيوب عشان تخبي المفتاح، معقول تكون بتعينه على السطح ؟ لازم اتأكد بنفسي.
لحقت بها سريعًا و هي تطلب منها إعداد فنجان من القهوة، فأخبرتها «سميرة» أنها سترسله إليها مع الخادمة الأخرى، لأنها
ستغادر المنزل لتحضر ما ينقصها من أغراض المطبخ.
قدمت إليها فرصة من ذهب، و هي لن تضيعها، طلعت الدرج بخطوات بطيئة هادئة، حرصا منها ألا تصدر صوتاً يسمعه أحد.
وضعت كفيها على خاصرتيها، ونظرها يجول في المكان، فانتبهت إلى خزان الماء الذي يرفعه حامل ذو قاعدة حديدية، فدارت حوله
ترمقه بنظرات متفحصة لكنها لم تجد ما تريد، فجئت على ركبتيها و مالت برأسها لتتفقد أسفل القاعدة..
مرت ثانية، وقبل أن تمر أخرى، تهللت أساريرها فرحًا، فقد عثرت على وجهتها، ها هو المفتاح يتحرك بخفة اثر نسمات الهواء الباردة.
وكأنه يناديها لتأخذه.
التقطته سريعًا وتوجهت إلى الغرفة لتفتح بابها شرع برأسه ناظرا إليها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة عكس ضربات
قليها الخائفة التي تشعرها ببرودة في أطرافها.
رفعت يديها بتردد واضح و لوحت إليه بخفة، لكنها لم تجد منه ردا أو تفاعلا كان فقط يمعن النظر إليها.
قادتها خطواتها لتقترب منه، فأوقفتها أطباق الطعام التي أصطدمت بها، فقالت باستنكار و سخرية
جايبتلك عيش وحلاوة أنت مسجون بجد و لا ايه؟
نقل نظراته بينها و بين الطعام، فحدثته «غرام» قائلة:
خمس دقايق و جاية ثاني
في طريقها إلى الطابق الأرضي صادفت الخادمة التي بادرت بالحديث إليها:
أنا سبت لحضرتك القهوة في الأوضة يا دكتورة.
تعجلت «غرام» في سؤالها قائلة:
عندنا أكل ايه يا عبير؟
موجود في الثلاجة أكل من البارح، لكن لسه معملتش أكل الغدا بتاع النهاردة.
اردفت «غرام» بشغف واضح
طيب بصي يا قمر، سخني من الأكل اللي هنا، وجهزي صينية كويسة كدا و هائيها، و لا أقولك أنا جاية معاكي يلا بينا أصل أنا.
جعانة.
نطقت جملتها الأخيرة باستعجال، وتقدمت إلى المطبخ ومن خلفها الخادمة التي ساعدتها في تسخين الطعام، لتذهب إلى
«أحمد» محضرة إليه ما لذا وطاب من الطعام، الذي لم يتذوقه منذ شهور طويلة.
حلت قيودة الحديدية وقابلته في الجلوس واضعة بينهما الطعام، وقالت بابتسامة لطيفة.
يلا عشان تتغدى.
