رواية نبضات قاتلة الفصل السابع بقلم زينب محروس
حلت قيوده الحديدية، وقابلته في الجلوس واضعة بينهما الطعام، وقالت بابتسامة لطيفة:
يلا عشان تتغدى.
كان يحرك رئغيه وكأنه يتأكد بأنها قد فكت وثاقه، فاسترسلت «غرام» بحماس:
لاء استنى الأول تقوم تغسل ايدك و بعدين تاكل.
استوت على قدميها، و دنت منه قابضة على يده، فنظر إليها بتوجس استشفته من عينيه، قطمأنته قائلة:
هنغسل إيدك بس مش هاذيك.
تحامل على نفسه وقام معها، كانت خطواته مهزوزة مما جعلها ترفع ذراعه خلف رقبتها قائلة:
تقدر تسند عليا .
عادت به مجددا ليبدأ تناول طعامه بيد قد اعتادت الارتجاف، فأسقط ما حملته الملعقة من طعام، وكان هذا دافعا لتستلم «غرام»
زمام الأمور عندما شرعت في إطعامه، وهو يتابعها بعينيه، ولم يتناول شيئًا من يدها حتى فتحت فمها، كإشارة ليفعل مثلها. أزاحت الطعام جانبا وناولته كأسا من خليط الحليب بالكاكاو، و دعمت كفه بيدها كي لا ينسكب الكأس، وبقيت على هذا الوضع حتى أنهى الكأس بأكمله.
و هنا استخدمت منديلاً ورقيا لتنظف شاربه الذي افتعله الحليب، و سألته بفضول واضح:
مقولتليش اسمك ايه ؟
انتظرت لوهلة قبل أن تخرج الأحرف من بين شفتيه بصوت رجولي خافت.
«احمد».
اتسعت ابتسامتها، وقالت بنبرة صادقة الجنو
دا انت كدا هتبقى غالي عندي جدا يا «أحمد»، عارف ليه؟
لم ينطق، فأوضحت قاتلة
عشان «احمد» ده اسم بابا....... أنا اسمي غرام أحمد ذو الفقار........ أنا دلوقت مضطرة انزل بس مش عايزاك تخاف مرجع ازورك ثاني و مش عايزاك تزعل مني عشان لازم أفيدك بالسلاسل دي ثاني عشان محدش يعرف إن أنا جيت هنا، و أنت كمان خلي الموضوع دا سر، اتفقنا ؟؟
اكتفى «أحمد» بحركة تأكيدية من رأسه.
تنفست الصعداء عندما وجدت «سميرة» لم ترجع بعد، وبينما كانت في طريقها إلى حجرة الجلوس، جاءها اتصال من «منى» صديقتها التي طلبت منها القدوم إلى منزل عائلتها في الحال، وأغلقت المكالمة دون أن تسمع منها أي سؤال. استقبلتها «منى» أمام المبنى السكني لعائلتها، استغربت «غرام» من احمرار عينيها كمن كفت عن البكاء لتوها، وغامت ملامحها و سيطر عليها الأسى، مسألتها «غرام» بنيرة يشوبها القلق:
ايه اللي حصل يا «منى» ؟ جبتيني على ملا وشي كدا ليه؟ و بعدين شكلك مش كويس إنت تعبانة؟
ابتعلت ريقها وكأنها تعد أحبالها الصوتية للإجابة، فمهدت لها قائلة:
طبعا إنت عارفة إن أمر الله نافذ لا محال.
أومأت «غرام» و قالت:
ونعم بالله.
أكملت «منى» قائلة:
وعارفة إن الأعمار بإيد ربنا.
ران عليهما صمت ثقيل، أنهته «غرام» و قالت بأعين دامعة.
مين مات با «منى» ؟ بابا ولا ماما ؟
اردفت «منی» بصوت خافت:
الاثنين.
و كأنها جاءت بدلو من الثلج وسكبته فوقها، فسرت في أوصالها قشعريرة قمصة، جحظت عينيها، وسالت عبرات حارقة على خديها، وجعلت تضرب وجهها يكفيها وهي تنطق بحسرة وحمد
الاثنين يا منى الاثنين مرة واحدة كدا ؟!
بكت صديقتها لأجلها، وسعت إلى تهدئتها قائلة:
اهدي يا غرام قضاء ربنا.
ونعم بالله يا «منى»، بس دا الاثنين يا «منى»، ابويا و أمي مرة واحدة يا مني مفضلش منهم حد يواسيني حتى يا «منى» الاثنين يا
منی» طب مأخدونيش معاهم ليه يا «منى» ؟
سابوني لمين يا «منی» ؟ لمين
امتدت يدي «منى» لتواسيها، فأبعدتها «غرام» قائلة بحزم هما اللي لازم بردو عليا يا منى مش انت انا هطلع أسألهم.
ركضت إلى الشقة التي تحوى لحظاتها منذ الطفولة، وجدت جيرانها قد تجمعوا مصطفين أمام الباب كمن صنعوا ممرا للعيون قد لفت إلى الداخل لترى والديها مددين أرضًا و على كل منها ملاءة بيضاء
جثت على ركبتيها بينهما، وكشفت عن وجهيهما، ورددت عليهما سؤالها المتكسر سبيتوني ليه أعيش لمين أنا دلوقت عمركم ما سافرتوا من غيري ازاي تعملوها كدا في المرة اللي مفيهاش رجوع ازاي تعملوا
فيا كدا يا بابا ردي عليا يا ماما، حد فيكم يرد ارجوكم حد يرد عليا.
دنا منها عجوز مسن ليعاتبها قائلا:
مش كدا يا بنتي وحدي الله مينفعش الكلام اللي بتقوليه ده.
شرعت إليه قائلة بصوت مبحوح
كانوا كويسين امبارح يا عمو و الله مكنش حد فيهم تعبان ازاي يموتوا فجأة الاثنين.
ريت على كتفها قائلا يحزن
أنا فاهم و مقدر اللي انتي فيه يا بنتي بس والدتك تقريبا نسيت الغاز شغال فاتخنقوا.
قطبت حاجبيها و اردفت بخفوت
غازا
أبوه يا بنتي غاز، أنا عديت على والدك عشان تصلي الفجر زي ما إحنا متعودين بس محدش رد على من الجرس أو دق الباب، و
استغربت جدا إن والدك معداش علي في المحل قبل ما يروح شغله فقلقت و طلعت أسأل ثاني في جية الدكتورة صاحبتك
لاقيناهم كدا.
يقى معها «مالك» مرتديا لثام الحزن، فكان بكاءه يشعر الرأي بأنه شخصا لن يجرؤ على قتل نملة، و هو من يقتل الروح البشرية دون
أن يرف جفته.
صممت على أخذ العزاء في منزل والديها، ولازمتها «منى» ، و لم تتركها لحظة واحدة في الأيام الثلاث الماضية.
جلسنا جنبا إلى جنب على الأريكة، واحتوتها «منى» بذراعها، لتقطع الصمت السائد بسؤالها:
هما أهلك كانوا متعودين يسيبوا المفتاح في الباب من برا يا غرام؟؟
ردت عليها بصوت سمعته بصعوية.
لا
تحدثت «منى» بشك:
مش عارفة المفروض اقول الكلام دا دلوقت ولا لاء، بس أنا حاسة الموضوع غريب.
اعتدلت «غرام» في جلسته، فظهر وجهها الشاحب، وعينيها المنتفخة لكثرة البكاء:
حاجة غريبة ازاي ؟؟
بينت «منى» ما تعنيه قائلة بجدية
لم جيت أنا و عم عبد المجيدة يوم الوفاة كان المفتاح منساب في باب الشقة براء وكمان لما دخلنا كانوا أهلك لسه بلبس كتب كتابك، يعني معتقدش والدتك لحقت تفتح الغاز، و أصلا الأنبوبة اللي كانت مفتوحة كانت الاحتياطية مش اللي متوصلة بالبوتاجاز، و عيون البوتاجاز كانت مقفولة....... الموضوع مش طبيعي.
استنتجت «غرام» قائلة.
قصدك إن حد قاصد يموت بابا و ماما ؟؟
حرکت «ملی» كتفيها بحيرة:
مش عارفة بس بردو مش مقتنعة إنها مجرد حادث و لو فعلاً حد قاصد يعمل كدا هيكون مين؟ أهلك كانوا كويسين مع كل معارفهم و على حد علمي مكنش حد بيكرههم........ و لا انت ايه رأيك ؟؟
تجاهلت «غرام» سؤالها الأخير، ونهضت قائلة:
هكلم «مالك عشان يجي ياخدني البيت، وانتي اتصلي على جوزك يجي ياخدك.
بمرور الوقت أغلقت «غرام» باب الشقة بإحكام، ونظرت إلى «منى» قائلة بغموض:
متنسيش اللي قولتلك عليه. حاضر
اتخذت موضعها على الفراش استعدادًا للنوم، فجاء إليها «مالك» جالسا حذوها، و تبسم سائلا:
عاملة ايه دلوقت يا حبيبتي؟
انبثقت ابتسامة واهنة من بين شفتيها و قالت:
أحسن الحمد لله.
أرجع خصلتها المتمردة إلى خلف أذنها، واقترب منها ماحيا تلك المسافة الفاصلة، فكانت أنفاسه الساخنة تلفح رقبتها.
فاستشفت من نظراته الجانية، رغبته في إتمام زفافهم.
