رواية ذنب لا يقترف الفصل السادس بقلم مريم نعيم
"أنا جيتلك أهو النهارده، الذكرى التاسعة لوفاتك يا نور عيني."
وضعت باقة من الورود على قبرها، وهي تلمسه برفق،
كثيرٌ عليها هذا.
"كده تسيبيني وتروحي يا سارة؟
ده أنا ماليش حد بعدك يا نور عيني والله.
إلياس رجع… رجع ومعاه ألم جديد.
كنت بقولك لو ظهر ومعاه عذر كبير على غيابه الفترة دي هسامحه،
وأنا سامحته، لأن عذره كبير علينا أوي.
ليه في ناس قاسية كده؟
ليه أهالينا قاسيين علينا كده؟
ليه بيكسرونا؟
إحنا ما عملناش حاجة ليهم غير إننا عيالهم.
مش المفروض إحنا نغلط وهم يصلّحوا؟
بس ليه كده؟
سحر كلمتني وقربت مني الفترة اللي فاتت،
وأنا ببين ليهم إني مش طايقة إلياس،
رغم إني في الحقيقة مش طايقاهم هما.
إزاي أخ يصدّق أخوه؟
وإزاي عيلة ما تصدّقش ابنها؟
وإزاي عيلة تكسر بنتهم؟
اتكسرت كتير من عيلتي.
نفسي أعيش في مكان هادي،
بعيد عن الناس،
وعن صخب المدينة،
وعن كل حاجة تخلي دماغي تنفجر من التفكير."
دموعها نزلت…
متى سترتاح؟
متى ستعيش برفقة حبيب المراهقة والنضج؟
كيف تحمّلت تلك السنوات وحدها؟
"وحشتِك؟"
التفتت إلى مصدر الصوت.
"يونس."
أردفت بها بحزن وببكاء، ووقفت، ففتح لها ذراعيه،
فجرت ناحيته وهي تبكي داخل أحضانه.
"إنت لسه فاكرها؟"
"هو في حد بينسى أول حب في حياته يا ندى؟"
تشبثت بأحضانه وهي تبكي،
فابتعدت عنه برفق وهي تمسح دموعها.
"إنت بتعيّط يا يونس؟"
"كل مرة باجي لها هنا وبشوف اسمها محفور على القبر،
بحس روحي بتنسحب مني يا ندى.
بحس إني بغرق ومش قادر آخد نفسي.
عمري ما نسيتها،
ولا عمر قلبي بطل ينبض بسرعة كده
لما حد يجيب سيرتها قدامي."
مسحت ندى دموع شقيقها بألم،
فهو كان يحب صديقتها هو الآخر،
بل كان يعشقها.
كان ما زال يدرس في الجامعة،
ووالدها رفض يخطبها له كل مرة،
وكانت ترى شقيقها ينكسر مع كل رفض،
فتحزن عليه.
"تعالى يا يونس… تعالى."
أمسكت بيده ناحية قبرها،
ووضعت يده على القبر،
فانكمش وجهه عندما شعر بالغصة في حلقه.
"أنا هسيبك معاها،
وهستناك عند سيارتك، ماشي؟"
لم يتحرك،
ظل ساكنًا،
دموعه تنزل بصمت،
يرى اسمها منقوشًا على القبر،
ودموعه تنزل.
العبرة أننا نؤمن بقضاء الله،
ولكن شعور الفقد والألم متعب للغاية،
ومُهلك للقلب
عندما يكون هذا الشخص هو حبيبك.
_
دخل بقوة إلى غرفة مكتبه، وتخطّى السكرتيرة التي حاولت منعه.
تفاجأ الشخص الذي يجلس بوقار بدخوله المفاجئ.
"أنا آسفة جدًا يا فندم، حاولت أمنعه، ما عرفتش."
أشار لها أن تخرج، فخرجت وأغلقت باب المكتب خلفها.
"جوز بنتي… مش عيب يا راجل تدخل من غير ما تخبط؟"
"ما أنا بعيد عنك بقى، ردّ سجون وكده."
تفاجأ الآخر بتصنّع.
"تصدق اتفاجأت يا إلياس يا بني… شدة وتزول."
اقترب إلياس منه وأمسك ياقة قميصه بقبضته.
"أديني قلتلك يا حمايا، ردّ سجون،
يعني اتصاحبت على بلطجية،
وعرفت إزاي أِثبّت الناس.
أصل كان في كورس مجاني لتعليم السرْسَجة والبلطجة،
فقلت وماله نتعلم علشان نوقف الناس اللي زي حضرتك عند حدها.
وأقسم بالله لو ما جتش واعتذرت لبنتك في وسط الحارة كلها،
لأبلّغ عنك يا حمايا بصفقة المخدرات الجديدة،
ومعايا الأدلة اللي تثبت كلامي.
مش معنى إني ساكتلك يعني تسوق فيها… إنت فاهم؟"
ومع كل كلمة كان يشد في ياقة قميصه بقوة.
تركه، فأخذ "محمود" نفسه بقوة وكاد أن يخرج إلياس،
لكنه رجع مرة أخرى، فخاف الآخر.
"لو ما جبتش عيلتك الـ*** ومسحت بكرامتهم الأرض قدّام بنتك،
ساعتها قول على نفسك يا رحمن يا رحيم.
ولو عرفت إن الكلام وصل لصالح،
همسح أي فيديوهات لصالح،
وهلبسك التهمة لوحدك يا نجم… إنت فاهم؟"
تركه وخرج إلى خارج الشركة وهو يأخذ نفسه.
ركب سيارته وانطلق إلى بيته،
وفي الطريق اتصل على زوجته،
التي ردّت بصوتها الحنون الذي اشتاق إليه.
"إلياس."
"عيونه."
"إنت فين؟ جيت من عند سارة، ملقتكش."
"جاي في الطريق أهو."
أخذ نفسًا عميقًا وأردف.
"الخطة هتنتهي النهارده."
"لو هتعمل اللي في دماغي يا إلياس، هولّع فيها."
ضحك إلياس بخفة.
"ما تخافيش، هسيبك تولّعي فيها كده كده."
"بحبك، وإنت مشجعني على الإجرام."
ارتفعت ضحكاته، فضحكت هي الأخرى.
"لأ، لسه قدامك وقت طويل… لسه كتكوتة."
"لأ يا إلياس، عاوزة أطلع غِلّي وغيظي فيها."
"هتطلعي، يلا… هقفل علشان أنا على وصول."
_
أغلقت الاتصال، فرمت نفسها على السرير.
سمعت طرقات على باب غرفتها، فأذنت للطارق.
كان أويس.
فتحت ذراعيها، فجري ناحيتها وهو يحتضنها.
"وحشتيني أوي."
"وأنت كمان وحشتني أوي."
قبّلت شعره بخفة، وأردفت بحب:
"أكلت أكلك كله؟"
"أيوه، ونينة قالتلي إني شطور."
"أنت فعلًا أشطر راجل."
"بجد يا ندوش؟"
"والله."
ضمّها الصغير مرة أخرى، وهو يحكي لها مغامراته في الحضانة.
"أمممم، قولتِلي مش عاوز تحب واحدة علشان عاوز تتجوزني؟
خلّي عمك يسمعك كده، هيعلّقك في الحيطة."
دخل إلياس الغرفة بعدما ألقى نظرة على المكان، ولم يكن أحد موجود.
جري الصغير ناحيته عندما رآه.
"عمو إلياس!"
"حبيب عمك."
قبّله في وجنته.
فوقفت ندى، وعلى وجهها ابتسامة.
فتح ذراعه الآخر، فاقتربت منه وهي تحاوطه، فقبّل أعلى رأسها وأردف بصوت منخفض:
"وحشتيني."
"مش أكتر مني."
"عمو إلياس، عاوز أتجوز ندى.
هي قالتلي عمك إلياس هيعلّقك، بس أنا اهو قلتلك."
نظر له إلياس بتفاجؤ، قبل أن يضحك بخفة.
"أمممم… قولتِلي تتجوزها؟"
فابتعد عن ندى، وهو يرميه على السرير ويدغدغه في أنحاء جسده،
وهو يصرخ ويضحك بصوته كله.
كانت ندى تبتسم وهي ترى تعامله مع ابن أخيه.
لو لم يحدث ما حدث،
لكان ابنهما الآن في مثل عمره أو أكبر منه.
سيكون أبًا حنونًا،
وسيحظى بابن يفتخر به طيلة حياته.
ابتعد عنه وهو ينام بجانبه تحت ضحكاتهم.
فقام إلياس واقترب من زوجته وهو يمسك يدها.
"مستعدة؟"
"خايفة."
"متخافيش، وأنا معاكي."
هزّت رأسها له.
ضمّها إليه، ثم ابتعد عنها وألقى نظرة على أويس.
"يلا يا بطل، علشان تروح تلعب مع نجاة."
قفز الصغير بفرحة، وجري إلى الخارج.
أغلقت ندى الباب خلفه، وأمسكت فازة وهي تبتسم له بخبث.
ضحك عليها، وفي ثوانٍ كانت الفازة تنكسر بقوة.
صرخت بغضب، تعجّب منه إلياس:
"اطلع برّه! الحقوني، اطلع برّه يا إلياس!"
"الحقوني، ابعدوه عني!"
مع الكثير من الصراخ والكثير من التكسير،
اجتمع أهل البيت إلى الغرفة.
يوميًا يستيقظون على صوت صراخها،
حتى تعبوا منها، وشقيقهم لا يهدأ.
كاد والدُه أن يدخل، إلا أن عمر أوقفه،
بينما صالح يقف مستمعًا،
ولكن لا أحد أخذ باله منه،
فهم الآن مشغولون مع الأحمقين الآخرين.
"إيه يا حاج، هتدخل كده وندى دلوقتي بشعرها؟
ادخلي يا أمي إنتِ."
دخلت منال وهي تأخذ أنفاسها،
صرخت عندما رأت ندى تقف وتمسك بيدها فازة،
توجّهها ناحية إلياس الذي ينظر إليها بغضب هو الآخر.
"لو راجل ارميها!"
"استهدي بالله يا ندى، نزّليها من إيدك."
"قولي للحيوان ده يطلّقني،
مبقتش قادرة أستحمل أعيش معاه!"
"يعني إنتِ بتقعدي معاه خمس دقايق حتى يا ندى؟
استهدي بالله يا بنتي، ونزّلي اللي في إيدك يا مجنونة."
"شايفة أمك بتقولي مجنونة؟
قول بقى على نفسك يا رحمن يا رحيم يا إلياس!"
كادت أن ترميها، لكنه صرخ فيها:
"خلاص، هطلع!"
"وهتطلّقني؟"
"ماشي، بس طلّعيني،
وهروح على أقرب مأذون أجيبه وأطلّقك."
أنزلت الفازة،
وخرج إلياس بغضب إلى الخارج.
مدّ أبوه أن يتكلم،
لكن إلياس أوقفه بيده.
فرأى سحر، فغمز لها،
فضحكت باستمتاع.
طلع إلى شقته،
لأول مرة يدخلها بعدما كان يحب أن يدخلها.
الآن أصبح يشمئز منها،
كل شبر فيها عليه علامات أخيه وزوجته.
لا يريد أن يسكن بها مرة أخرى.
فتح الباب،
وعندما استمع إلى طرقات على باب الشقة،
انصدم عندما رآها… سحر.
دخلت بدورها تحت صدمته.
"إنتِ بتعملي إيه؟"
"اللي معرفتش أعمله من سبع سنين."
"اطلعي برّه،
أنا مش عاوز سبع سنين يضيعوا من حياتي تاني بسببك."
ضحكت بقوة حتى آلمتها بطنها.
"آه مش قادرة!
دمك خفيف موت.
هو إنت فاكر إنك دخلت السجن بسببي؟
ده إنت عبيط وعلى نياتك أوي يا إلياس يا حبيبي."
"قصدك إيه؟
مش إنتِ اللي افتريتي عليّ بالكذب
وقولتي إني…"
قاطعته بحديثها:
"أنا ما قولتش حاجة.
أخوك هو اللي عمل كل حاجة.
العلامات اللي ظهرت في التقرير الشرعي كلها كانت من أخوك،
وهو اللي كان قاصد يعمل كده،
وهو عارف إنك ما تعملش كده.
وكلها كانت خطة مني،
بس هو حب يكمل ويكسرك قدّام عيلتك
ويدخّلك السجن السبع سنين دول.
وكل حاجة كانت بتحصلك في السجن
من تعذيب وتعذيب بالكهرباء،
كل ده كان دافع فيه فلوس.
كان عاوز يموتك بالبطيء يا إلياس،
بس لو قولتيلي إيه السبب
هقولك الحقيقة… معرفش."
هذه المرة صُعق بجد.
هذه المرة الضربة كانت أقوى.
لم تتحمّلها قدماه،
فتحرك ناحيته الكنبة وقعد عليها.
اقتربت منه سحر،
ووضعت يديها على كتفه:
"أنا قولتلك كل حاجة علشان أنا بحبك يا إلياس.
تعالى نتطلق ونتجوز أنا وإنت.
أنا بحبك أوي."
لم يستمع إلى حديثها،
كان قلبه يؤلمه بما فعله شقيقه به.
لا يصدق أنه فعل به هكذا.
لماذا فعل به هكذا؟
فاق من شروده
عندما فُتح الباب بقوة،
وكانت ندى،
التي لم تنتظر ثانية واحدة،
وهجمت على سحر بقوة،
تضربها بعنف
وتشد شعرها بقوة.
"يبقى يا *** يا خطّافة الرجالة،
بتحبي جوزي يا ***؟
ده أنا هعرّفك دلوقتي
يعني إيه حب يا ****!"
لم يمنعها أحد،
لأنهم كانوا مصدومين من الكلام
اللي سمعوه.
لا أحد يصدق
أن شقيقه فعل هذا به.
Flashback
عندما دخل إلياس الشقة،
رنّ على هاتف ندى،
التي ردّت بدورها.
"شوفتها طالعة ورايا."
لم يكمل حديثه
بسبب طرقات على باب الشقة،
فوضع هاتفه في جيب بنطاله
وألغى الإشعارات.
كانت ندى تقف أمام العائلة بأكملها
وتفتح السماعة،
ويستمعون إلى حديث سحر.
كان والده مذهولًا
من الحديث الذي يسمعه.
كذّب ابنه،
وصدق امرأة.
كذّب فلذة قلبه
وصدق امرأة.
كانت والدته تبكي بحرقة،
لماذا الأخ يفعل بأخيه هكذا؟
وندى تكتم شهقاتها،
الجميع كان مصدومًا
من حديثها
أن صالح فعل هذا بشقيقه.
عندما استمع صالح إلى حديثهم،
اصفرّ وجهه،
وكانت العيون كلها عليه.
"إحنا هنسيب الحربوقة دي
مع جوزي كتير؟"
قالت هكذا ،
وذهبت مسرعة إلى الشقة،
ووراءها الجميع.
شدّ عمر صالح
وهو ينظر إليه بغضب.
Back
قام إلياس من مجلسه،
وحملها وهو يبعدها عنها،
ويمسح وجهها بكفّ يديه
محاولًا التخفيف عنها.
حقًا…
أنت الذي تريد أن يخفف عليك
حِمل ما أصابك من عائلتك؟
"اهدي… ماشي؟ اهدي."
لم يستطع أحد منهم حبس دموعه،
فقط هي التي كانت تتحدث.
ابتسمت له بحزن،
وهي تمسك يديه بقوة.
ابتعد عنها، واقترب من أخيه:
"ومن وأنا صغير وأنا معتبرك أبويا،
وكنت بتحامي فيك لما حد يضايقني وأنا في المدرسة،
وكانت دايمًا راسي مرفوعة
لإن ورايا ضهر بيجيب حقي.
كنت شقي وأنا صغير،
وكنت بتجيب حقي في كل مرة أتشاكل مع حد،
لإن ضهري كان مسنود.
ضهري اتكسر مرة
لما صدّقت حاجة زي دي عليّ.
ضهري المرة دي اتكسر كله،
وبقى منحني من كتر الصدمة
اللي أخدتها من اللي كان ضهري وسندي.
عمري ما كنت أصدق
أي حد يقولي أخوك يعمل فيك كده.
كنت هكذّبه وأتشاكل معاه،
وإنت كنت هتيجي وتجيب حقي منه.
بس المرة دي…
مين اللي هيجيب حقي منك يا صالح؟
مين أبوك؟
أبوك اللي كذّب ابنه من أول يوم؟
أبوك اللي ما خدنيش في حضنه
وطبطب عليّ وقالّي
عملت كده ليه في مرات أخوك؟
ولا أمك يا صالح؟
أمك اللي ما شوفتهاش
ولا مرة طول السبع سنين دول.
كنت بشوف الأمهات
وهي رايحة وشايلة أكل لعيالها القاتلين
واللي واللي…
أنا اتيتمت
وأهلي عايشين يا صالح.
وكل ده بسببك.
أنا لحد اللحظة دي
مش مصدّق ودني أصلًا.
لو قولتيلي إنها كدابة
مش هبقى زيك وأصدقها،
هصدقك إنت يا صالح.
ها؟
قولي إنها كدابة،
وإنك ما سرقتش مني سبع سنين،
وإنك ما عملتش فيّ كده."
قال آخر كلماته
وهو يخلع سترته،
وهنا شهقات الجميع زادت،
والدموع بقت أقوى.
علامات…
وندبات…
وندبات بقوة،
وعلامات سوط.
"في كل علامة
وفي كل ندبة
فيها صرخة ورا التانية
من الألم
اللي كنت عايش فيه يا صالح.
يلا…
قولي إن ده كدب…
يلا."
كانت دموع الآخر
تنزل بصمت.
استمع إلى شيطانه،
كان رأسه منحنية،
لا يستطيع أن يرفع رأسه
ويرى دموعه
التي تنزل من حديث شقيقه.
كيف فعل هذا به؟
يقولون إن الكلام
أصعب من القتل،
وإن العتاب
يكاد أن يقتل الآخر.
لبس إلياس ملابسه،
وهو ينظر إلى زوجته
ويمد يديه لها.
أمسكت يديه،
وشبكت أصابعها
في أصابعه.
ابتسم لها بحزن،
ودموعه تكاد تخرج
من عينيه.
وعندما خطا إلى خارج المنزل،
توقف
عندما استمع إلى صوت والده:
"ابني…"
