رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السابع 7 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السابع 

تستطيع أن تغلق عينيكَ
عن أشيـــــاء لا تريد أن تراها ولكــــن،
لا تستطيع أن تغلق قلبك عن شعور
لا تريد أن تشعر به....
فنحن لا نعرف
أنحن من نمتلك قلوبنا!!
أم هي من تمتلكنا..؟!
فالمرء قد يغلب أشياء عظيمه..
لكنه يُهزم أمام شعوره.
"مقتبس شاركته معنا متابعة عزيزة للرواية"

أدركت هوياتهما, فهما زوجات المدعو بال "دوكش", ويبدو أنهما علما بأنها من خلف سجنه, لم تظهر قلقها لهما وهي تهتف بقوة:

-قطع لسانك, ليه هو انا زيكوا يا تجار المخدرات! انا اشرف منك ومن عيلتك كلها, ولو قولتِ كلمة معجبتنيش همسحك بوشك الأسفلت.

-لا يا ختي سبيلي انا المهمة دي.

قالتها وهي تتجه ناحيتها لتجذبها من خصلاتها, وما إن قبضت عليها حتى وجدت يد أخرى تقبض على كفها وصوت رجولي يقول بقوة: 

-لو ايدك قربتلها هتحصلي المحروس اللي زعلانة عليه.

نظرتا له السيدتان برهبة من ضخامة جسده أمامهما, ومن جمود ملامحه وقوتها, وثيابه التي تدل على مكانته الرفيعة, غير تلك الهيبة التي تجمعت حوله في هالة أخافتهما, لولا أن تلبست إحداهما بلباس الشجاعة الزائفة تسأله:

-وانتَ مين انتَ كمان؟ مش قولتلك شكلها بتاعة رجالة وتعرف أصناف والوان. 

نفض ذراع السيدة الصامتة والتي لم تجد صوتًا تخرجه بعد وقوفه أمامها والرهبة التي بثها فيها, ونظر للأخرى بأعين نارية:

-تحبي اوديكِ مكان تشوفي فيه الرجالة الأصناف والألوان اللي على حق؟

تهديد وقح, ينذر بقبح ما يهدد بهِ, جعلهما ينظران لبعضهما في ذعر قبل أن يهرولا بعيدًا وكأن شياطين الجان تلاحقهما.

-انتَ بتعمل إيه هنا؟ 

اغمض عينيهِ فور سماعه لجملتها بنبرة مندهشة التقطها, والآن فقط انتبه لتهوره الذي يصدر عنه لأول مرة, لم يحسب الحسبة مرتين وهو يندفع خارجًا من سيارته لنجدتها حين شعر بخطورة السيدتان عليها, وتوًا أدرك فعله, فتح عينيهِ والتف لها ببطء وتروي, والتقت الأعين بعد غياب أشهر طويلة.. 
أشهر مريرة احترق فيهم الشوق ولم يجد ما يطفأه, وسيل الذكريات كان كفيلاً بإضرام النيران أكثر وأكثر, عِند وتجبُر, وظن كلاً منهما أنه تجاوز, وأن القلب هدأ, لكن في هذه اللحظة تحديدًا علما أن كل ما ظنوه كان وهم أحمق, فلا القلب هدأ ولا العقل تجاوز. 

صدمتها كانت مضاعفة حين وجدته أمامها, يدافع عنها, وتسمع أذنيها صوته الذي غاب بفضله هو قاسي القلب هذا, لم تتخيل ابدًا أن يظهر في طريقها مرة أخرى ولو بمحض الصدفة, لكنه ها هو يظهر قاصدًا! قلبها الآن يقرع كطبول الحرب, ولولا بعض القوة التي تتماسك بها لانهارت وظهر ضعفها وشوقها جليًا له, لاندفعت تكيل له الضربات وتحاسبه على قسوة قلبه وغيابه الذي فرضه عليهما, ولكن ألها أن تفعل؟ بأي حق وهي لا تعرف إن كان يحبها أم لا! إن كانت تمثل لديهِ شيء هام أم مجرد فتاة عبرت في حياته كغيرها. 

-انا بسألك رد عليا!

وضع كلا كفيهِ في جيب بنطاله الأسود المماثل للقميص الذي ارتداه وفوقه "بلوفر" من نفس اللون بدون أكمام, بدى غريبًا ولم تعتاد رؤيته في ثياب كهذه, لكنه كالعادة بدى أنيقًا.. جدًا. 

-مش مُلزم ارد.

بروده سيصيبها بجلطة دماغية يومًا ما, تصنعت الابتسام وهي تقول من بين أسنانها:

-قولتلي لو شوفتني قدامك ولو صدفة هتقتلني.. بس مقولتليش لو انا شوفتك قدامي اعمل فيك إيه؟

رفع حاجبه باندهاش مصطنع وردد بنزق:

-صحيح البجاحة ليها ناسها!

شدت قامتها بتحدي واستعداد جيد لبدء حرب كلامية لن تتركه ينتصر فيها:

-لا مش بجاحة ده اسمه عدل يا شاهين بيه، ولا انتَ حللت ليك إنك تشوفني وقت ما تحب وحرمته عليا! يوم ما قولتلي مش عاوز اشوف وِشك تاني كان لازم انتَ كمان تعمل بكلامك! قولي بقى بتعمل إيه هنا؟ ومتقولش إنك شوفتني صدفة عشان انا عرفتك ذكي ومش عايزه اغير رأيي فيك! 

طالعها بسخرية ورد باسترخاء كوقفته:

-متتكلميش على لساني...مقولتش إني شوفتك صدفة.

رفعت حاجبها باستهجان جلي وهي تغمغم كأنها توصلت لحل معضلة رياضية:

-حلو، قولي بقى بتعمل إيه هنا يا باشا؟ ودفاعك عني من شوية اسميه إيه؟ عُذرك الوحيد عندي دلوقتي إنك يكون عندك انفصام في الشخصية..

تجاهل إهانتها المبطنة له عمدًا وهو يقول ما اشعل نيران غضبها:

-عرفت إن مازن بيجيلك كتير, قولت اجي اشوفك بتتفقي معاه على إيه المرادي, ولا تكونوا بترجعوا حبل الوِصال! 

فقط لو معها مطرقة نزلت بها فوق رأسه لارتاحت أشد راحة, طالعته بعدم تصديق لِمَ قاله, هل هذا ما أتى بهِ فعلاً!

-عندك اخوك اسأله, بعدين من امتى الحنية دي؟ إيه عامل فيها ولي الأمر اللي خايف على ابنه لاحسن البنات تغويه؟

ضحك بخفة, ضحكة ساخرة مستهزئة بها وبحديثها وقال وعيناه الخضراء تلمع في ضوء النهار الواضح:

-لا فهمتي غلط, انا المهم عندي ماكونش طرف في خطة جديدة ليكم لأن المرة الجاية مش هسمي عليكي, أما غير كده اولعوا انتوا الاتنين.

-امشي.

نظر لها بدهشة من كلمتها وأخرج كفيهِ من جيبه يسألها باستنكار:

-نعم؟ 

-بقولك امشي.

قالتها بجدية والغضب يتزاحم في مقلتيها, تقسم إن بقى أمامها أكثر ستدفع بهِ تحت عجلات أيًا من السيارات المارة. 

لم يتحرك وكأنه لم يسمعها, وبالأساس ما توقعت تحركه, فتحركت هي مبتعدة عنه تغمغم في غضب وقوة:

-انسان مستفز, كان بيرضع تناحة وهو صغير!

اتجهت لمحل بضاعتها حيث تفترش فرشة صغيرة في بداية إشارة المرور بجانب الرصيف, جلست فوقها تُلقي بما في يديها من عقود الفُل جوارها, وقصدت إعطائه ظهرها, لن تسمح لها بالضعف أمامه, لن تنظر له مرة ثانية, يكفي.. وجوده يثير أعصابها أكثر. 

قبضت كفيها بقوة في حجرها, تمنع نفسها من قوة عنيفة ضربتها للبكاء.

وقف ينظر لظهرها بعدما ابتعدت عنه مسافة لا بأس بها, وحروبه الداخلية لم تخمد, رفع رأسه للسماء ينظر لها بحيرة وكأنه يسألها أن تدله على الطريق الصحيح.

-انتَ كمان ليك حبايب هناك.

انتبه لصوت رجل عجوز لا يعرف متى جلس فوق الرصيف خلفه, نظر له ولم يرد, فتابع الرجل بأسى:

-انا كمان ليا حبيبة هناك.

-حبيبة!

خرج عن صمته حين دفعه الفضول, فابتسم الرجل بألم يقول:

-مراتي.. عيشت معاها 20 سنة, كانت حبيبتي, لكن عمري ما قولت, كانت تقولي نفسي اسمع منك كلمة حلوة, اقولها اعقلي يا ولية احنا بتوع الكلام ده! احنا مش بتوع كلام فاضي كفاية الأفعال, مكانتش راضية, وكانت مستنية ييجي يوم واحن عليها بكلمة, وانا مكنتش مهتم, وبقول دلع حريم, لحد ما راحت مني بين ايديا واحنا قاعدين في البلكونة بنشرب كوبايتين شاي, وقبلها كانت بتقولي انتَ ضيعت عمرنا من غير ما تقولي كلمة حلوة, معملتش حساب إن اللي مش مهم ليك كان مهم اوي ليا..

رفع رأسه ينظر ل "شاهين" يكمل بدموع ملئت مقلتيهِ:

-واهو من وقتها وانا كل يوم ابص للسما واقولها بحبك, اقولها عمري ما حبيت غيرك بس كنت غبي وعظمت عليا اقولها, اقولها ارجعي ولو دقيقة اقولك فيها كل اللي حوشته جوايا سنين ورفضت يطلع ومكنتش اعرف ان الدنيا هتسرقك مني.

دام الصمت ثواني واخذ الرجل نفس عميق قبل أن ينهض ببطء وقال وهو يرحل:

-باين عليك ليك حبيبة فوق بتكلمها, ياريت متكونش ندمان زيي على حاجة ضيعتها معاها.

وتلقائيًا التفت رأسه لها, هي ليست هناك بل هُنا, هو لم يفته شيء, لم تسرقها الدنيا منه بعد, بل هو وغبائه من يبتعدان عنها بكامل إرادته.

مجرد تخيله أن تصبح يومًا أبعد من المستحيل عليهِ جعل قلبه ينتفض, فربما هو الآن يماطل لأنه يعلم أنها موجودة, لكن هل يضمن وجودها الدائم؟!

-قومي روحي.

انتفضت بخفة على صوته الذي صَدح فجأة من خلفها, رغم انها شمت رائحته وعلمت قدومه لكنها لم تتوقع تحدثه سريعًا, فكانت تراهن انه سيقف خلفها عامًا حتى ينطق بحرف.

-اروح او لأ شيء مايخصكش. 

-مش هعيد كلامي تاني.

قالها بصرامة مخيفة, لتعقب حانقة:

-هو إيه اللي اروح! هو انا بلعب! لسه معايا شغل كتير مش همشي دلوقتي.

جذبها من ذراعها يوقفها رغمًا عنها وادارها لتواجهه مرددًا بحدة:

-قومي روحي وسيبك من العبط ده, يعملولهم كام يعني عشان تقعدي طول اليوم في الشارع عليهم.

جذبت ذراعها منه بحدة, وربعتهما أمام صدرها تهز قدميها بعصبية وتوتر من قربها للبكاء, وأجابت بنبرة مختنقة:

-يعملولهم 300 جنية, ال300 جنية اللي ممكن ترميهم من شباك عربيتك ولا هيفرقوا معاك, لكن يفرقوا معايا ويستاهلوا اقعدلهم في الشارع اليوم كله, جاي بكل بساطة تقولي قومي روحي! وانا بقى عبيطة وهسمع كلامك!

-هتسمعي كلامي آه, وهتروحي, ومش هلمحك في الشارع تاني, ولا حتى المحل المقرف اللي روحتِ اشتغلتي فيه وبتروحي منه آخر الليل ده.

فُلتت أعصابها, ولم تتحكم في طاقة البكاء أكثر, فانفجرت باكية وكأن ضغوط السنين الماضية جميعها تراكمت عليها الآن:

-انتَ مالك؟ مين انتَ عشان تقولي اعمل إيه ومعملش إيه! ابعد عني, زي ما بعدت كل الشهور اللي فاتت انا دلوقتي اللي بقولك مش عايزه المحك يا شاهين, سامع.. مش عايزه اشوفك. 

ظهر الانهيار الذي لم يتوقعه جليًا عليها, ورغم ضيقه مما وصلت إليه, تلك العنيدة الصامدة التي اخبرته قبلِا أنها لا تبكي أمام أحد مهما كانت الظروف, تنهار هكذا أمامه الآن! ولكن ورغم كل شيء يظل "شاهين المنشاوي" فردد بصوت منخفض وهو يمسك ذراعيها ليوقف حديثها وانهيارها:

-صوتك يا فيروز! 

قرأ في عينيها أنها على وشك بدأ جولة أخرى من الصياح المرتفع ورُبما تصل للسباب, فجذبها في رفق لتتبع خطواته:

-خليني اروحك البيت وهتفهمي هناك بدل سرسعتك هنا.

-استنى البضاعة.

سخر منها وهو يغمغم بينما يتابع سيره وهي بجانبه:

-بضاعة إيه محسساني إنك بتبيعي مجوهرات! 

-هيتسرقوا يا شاهين! 

توقف ينظر لها وعيناه تبتسم في هدوء, جملتها خرجت هادئة حائرة من ترك بضاعتها, فخرج اسمه لأول مرة منذُ مدة دون حِدة أو تهكم.. فقط بنبرة هادئة, هز رأسه بلامبالاة وهي تنظر له من خلف دموعها:

-يلا اعتبريهم صدقة. 

واكمل السير معها ليسمعها تغمغم باستغراب:

-صدقة! هو ينفع نتصدق بالفُل! 

ابتسم محياه ابتسامة خافتة, لم تظهر تمامًا, لكنها أوسع واعمق بداخله. 

وقفت أمام المنزل لتجذب ذراعها منه في قوة لكن تمسكه بها حال دون هذا, جحظت عيناها وهي تنطق بصدمة:

-يا نهار مش فايت انتَ مشيت معايا في الحارة جاررني وراك كده! انا ازاي مخدتش بالي زمان الناس كلها بتتكلم عني دلوقتي, وبعدين رايح فين انتَ؟ 

-طالع معاكِ. 

جملته التي قالها ببراءة شبهت براءة الطفل رغم أنه بعيد كل البُعد عن البراءة, جعلتها تبتسم بدون وعي وهي تردد بدهشة:

-طالع معايا! انتَ بتتكلم جد؟ 

نظر للبناية بضجر من وقفتهما وردد بصوت سمعته:

-كنت عرفت إنكوا ساكنين في آخر دور.

وانطلق للداخل دون سماع ردها, هرولت خلفه والدهشة تحتل قسماتها وهي تناديه بهلع:

-شاهين! استنى إيه الجنان ده! ماما هترميني انا وانتَ من فوق استنى بقولك.

ولكن هيهات أن تلحق بهِ فقد كان يتخطى الثلاث درجات بقفزة واحده. 

وصل لسطح البناية وقبل أن يسألها عن شيء وجد باب يُفتح وتخرج منه سيدة قصيرة لحد ما وجسدها ممتلئ قليلاً, تطالعهما بارتياب ونظرت ل "فيروز" تسألها في حدة:

-مصيبة إيه اللي جيباها معاكِ المرادي؟ 

تنفست "فيروز" بسرعة من ركضها على درجات السلم, ونظرت له دون رد, فأي رد ستجده مناسب الآن وهي نفسها لا تعلم ما يفعله!

اقترب خطوتان فأصبح قريبًا من السيدة الواقفة أمام باب الغرفة وكأنه سيسرقها! وقال بهدوء لا يمتلكه كثيرًا:

-مساء الخير, انا شاهين المنشاوي. 

رفعت "مديحة" حاجبها الأيسر في صدمة واستهجان, وألف سؤال قفز لعقلها فورًا, لم يجد تعقيب منها, فتخلى تمامًا عن هدوئه والشخصية التي نوى تقمسها, وقال وهو يمد ذراعه يجذب "فيروز" من ذراعها ويدفع بها تجاه والدتها تحت صدمتهما, التي تفاقمت حين قال:

-خليها عندك ومتنزلش من باب الأوضة دي لحد ماجي بليل ومعايا المأذون.

شهقة قوية خرجت من فاه "فيروز" وعيناها الجاحظتان خير دليل على عدم استيعابها لِمَ يقوله, و "مديحة" لم تكن أقل منها صدمة واستنكار, لكن ما توقفت عنده هو طريقته الفظة في طلب ابنتها للزواج:

-حيلك حيلك, هو إيه اصله ده! انتَ جاي تشتري تلاجة! في حاجة اسمها تتقدم ونسأل عليك ونفكر ويا نقبل يا نرفض, مش تقولي اجي ومعايا المأذون! 

ظهر الضجر جليًا على وجهه وهو يقول في برود:

-معنديش وقت للتفاهات دي, بعدين احمدي ربنا اني هتجوزها بعلمك, انا اصلاً كان زماني مخلف منها عيل ولا كنتِ هتعرفي. 

أصوات الشهقات تعالت, وفُغر فاه "فيروز" صدمًة من وقاحته فهدرت بهِ:

-شاهين! 

نظر لها في هدوء تام, وقال بابتسامة طبيعية:

-إيه ما دي الحقيقة! على فكرة أوراق التحاليل وتجهيزات كتب الكتاب عندي في مكتبي بقالها 8 شهور, يعني كان زمانا متجوزين من وقتها, كنا خلفنا ولا مخلفناش!

-بطل قلة أدب يا اخينا انتَ.

قالتها "مديحة" في حدة, فرأت تحول ملامحه للضيق والجمود, فشعرت بأنها لا يجب أن تطيل معه أكثر, دفعت "فيروز" للداخل وهي تقول له آخر كلامتها:

-تيجي بليل معاك ولي أمرك وتطلبها باحترام.

ردد خلفها باستنكار:

-ولي أمري! ما تشوفي امك يا فيروز!

نظرت "فيروز" له كاتمة ضحكتها بصعوبة, لترد "مديحة":

-اسمي خالتي, ولا زي ما بتقولوا طنط, إيه امك دي! بعدين اللي عندي قولته.

نظر ل "فيروز" بأعين غاضبة, لتنظر له في رجاء بألا يعقد الأمر مع والدتها, مما جعله يقول بحدة:

-أمي ميتة وأبويا ميت وعمي متبري مني, وجدي في بلد تانية وراجل كبير ميقدرش على السفر. 

ابتسمت "مديحة" في مكر:

-بس عندك اسم الله عليه مازن اخوك, ده ضابط قد الدنيا ويشرفنا ييجي معاك.

اتسعت عينيهِ باستنكار ورفض:

-نعم! انتِ عوزاني اجيب الجحش ده معايا ويكون ولي أمري؟ امك اتج...

قاطعته "فيروز" فورًا وهي على عِلم بما ينوي قوله وقالت مسرعة:

-مفيهاش حاجة يا شاهين, ده اللي ملوش كبير بيشتريله كبير.

-انا لا مشتري ولا بايع, انا هاجي بطولي عاجبكوا عاجبكوا, مش عاجبكوا..

-ايوه مش عاجبنا إيه بقى؟ 

قالتها "مديحة" بتحدي, لينظر لها بغيظ مرددًا بجدية مخيفة:

-والله اخطفهالك! انتِ فكراني هقف قدامك استرضيكِ؟ انا شاهين المنشاوي!

لطمت "فيروز" وجهها في خفة وهي تشير له من خلف والدتها بلا, تنهيه أن يتحداها كي لا تتفاقم الأمور, لكنها تفاقمت وانتهى الأمر حين قالت "مديحة" بإصرار منهية الحديث:

-هتيجي بولي أمرك تطلبها اهلاً وسهلاً, مش هتيجي سكة السلامة.

وأغلقت الباب... في وجهه! 

جز على أسنانه بقوة غاشمة كادت تكسرهم وهو يطالع الباب المُغلق, وخرجت سبة نائية من فمه قبل أن يسحب نفسه غصبًا كي لا يرتكب جريمة الآن.

-------------- 
في شركة العقرب... 

-مش عارف يا مازن بس حاسس إنك اتسرعت, يعني البنت هي اللي بتعرض عليك الارتباط تقوم تهينها بالشكل ده وتشكك فيها!

نظر له "مازن" بضيق مبررًا:

-انا مهينتهاش! انا بس قولت عن اللي بيدور جوايا.

حرك رأسه في رفض قائلاً:

-مش كل اللي جوانا ينفع يتقال, وانتَ بكلامك جرحتها حتى لو متقصدش, حسستها انها بتقول اهو راجل والسلام, مش إنها فعلاً عيزاك لا دي شيفاك فرصة متتعوضش! 

وضع رأسه بين كفيهِ مستندًا على المكتب بتعب وهو يغمغم:

-تايه يا معاذ, تايه ومش عارف اعمل إيه.

ابتسم "معاذ" بمرارة لن يتخلص منها مهما طال الزمان:

-بلاش توهتك تخسرك حب حياتك, وبلاش تماطل لو ناوي تكون معاها, العُمر مش مضمون, وبعدين انا مصدوم إنك بتحبها من كل السنين دي ولسه بتحبها! اعتقد اللي زيك مستحيل يشك فيها بعد كده, وكل اللي انتَ خايف منه أوهام ملهاش وجود.

-تفتكر ادي فرصة؟

سأله بحيرة تملأ عينيهِ ونبرته, ليبتسم له "معاذ" مجيبًا:

-افتكر لازم تعمل كده.

ضحك "مازن" فجأة بعدم تصديق وهو يقول:

-مين يصدق إني قاعد معاك انتَ وفاتحلك قلبي! ده انا لما كنت بشوفك كان هاين عليا اطلع مسدسي افرغه فيك.

-ليه بقى؟ ليه العداء الرهيب اللي كان من ناحيتي ده! رغم إني ماختلفتش معاك بطريقة مباشرة.

قالها "معاذ" باستغراب وسؤاله يملأه الفضول, فضول لحقه لسنوات وهو لا يفهم سبب كره "مازن" له, وتعامله معه بتلك الحدة, على عكس تعامله مع "غسان".

-عشان كنت دايمًا في صف شاهين, وانا لا كنت طايقه ولا طايق أي حد يقف في صفه ويأزره, حتى نورهان ال... 

صمت والحزن خيم على وجهيهما, وغزت الدموع العيون, وذِكر الاسم وحده كفيل بإيقاظ الأحزان والأوجاع, حرك رأسه بأسف وهو يقول باختناق:

-مش قادر اقولها, والله ما قادر اقولها لحد دلوقتي.. مش قادر اترحم عليها واقتنع انها خلاص راحت! حاسس إني في كابوس, تخيل إني بنساها معظم الوقت! بنساها كأنها في الشغل او مسافرة! عقلي مش مستوعب ابدًا! ولما بروح لها المقابر بحس إني واقف قدام قبر حد تاني مش اختي لأ.

انتفص "معاذ" واقفًا وقد تجمعت عليهِ الأحزان, وشطر الوجع قلبه, فلم يستطع البقاء أكثر وهو يقول:

-انا عندي شغل.

وخرج مهرولاً كأنه يهرب من شبح مخيف!
نظر "مازن" لخروجه بحزن جم, يتذكر مصارحة "شاهين" له حول حب "معاذ" ل "نورهان", ومبادلة شقيقته له, دمعة حزينة بائسه سقطت من عينه اليسرى وهو يردد بألم:

-مين يطبطب على مين وكلنا الوجع كاسرنا!

------------------------- 
هل هي في حلم أم عِلم؟ هل أتى شاهين إليها وطلب الزواج منها وبإذن والدتها؟ لا تصدق ما حدث منذُ قليل وكأن أحدهم ضربها بمطرقة على رأسها أثارت هلوسه حمقاء بعيدة كل البُعد عن التحقيق! لكنها لم تكن هلوسه, ولم يكن حلم, لقد كان حقيقة! كان هُنا واخيرًا خضع لها المتجبر, حتى وإن كان خضوع مبدئ, فالخضوع الحقيقي سيكن حين يعترف لها بحبه... 
صرخت من فرط سعادتها وهي تقفز بحماس وفرحة أمام والدتها المصدومة, ورددت بابتسامة واسعة:

-هيتجوزني...هيتجوزني يا مديحة. 

عبست "مديحة" وهي تهتف نزقة:

-انتِ فرحانة! ده قليل الأدب مترباش! الواد بيقولي والله اخطفهالك! لا وكمان بيقولي كان زماني مخلف منها عيل.. يخربيت سفالته! 

ضحكت "فيروز" ضحكة عالية وهي لا تصدق فعلاً وقاحته المبالغ فيها مع والدتها, لتغمغم بضيق:

-بتضحكي يا بنت العبيطة! 

-قليل الأدب بس عسل.

قالتها بابتسامة والهة, لتبتسم والدتها بقلة حيلة وهي تردد:

-هقول إيه, مادام عيزاه نتحمل قلة أدبه.

اندفعت لها فورًا تحتضنها في سعادة بالغة وهي تردد بفرحة طفلة صغيرة بلعبة طالما تمنتها:

-بحبه يا ماما بحبه اووووي.

-بحبه يا ماما! انتِ شكلك اتعلمتِ قلة الأدب منه! هيبوظ اخلاقك.

ضحكت "فيروز" مبتعدة عنها تغمز لها في مكر:

-سبيه يبوظها يا مديحة.

فغر فاه والدتها وهي تسأل من هذه؟ ماذا حدث لابنتها؟ 
ولا تعلم أن سهام العشق حين تُصيب تُبدل الشخص من نسخة لأخرى, أكثر جنونًا واندفاعًا وحماسًا... ووقاحة!

(يا سالباً قلبي وكلَّ مشاعري 
نبضي بحُبكَ ما استراحَ ولا سَكَن
ما غابَ طيفُكَ لحظةً عن ناظِري 
كلا ولا غادرتَ روحاً عن بَدَن
أنتَ المقيمُ بمُهجتي وخواطري) 
"مُقتبس تمت مشاركته من متابعة عزيزة للرواية"

---------------------------- 
الحديث بينهما أصبح وكأنه بحساب, وكأنها إن تحدثت أكثر ستدفع غرامة! سأم الوضع لكنه التزم الصمت كي لا يفتح على نفسه بابًا لن يُغلق, خرج من الغرفة 
يسألها بضيق زين وجهه:

-ممكن اعرف فين القميص الأسود؟

-في الغسالة.

ردت في هدوء وهي تتابع أحد برامج التلفاز, عاد يسألها وغيظه يزيد من تجاهلها له:

-بيعمل إيه هناك؟

ردت ساخرة:

-بيشم هوا.

-أمل! 

نادها محذرًا وأكمل بغضب:

-لمي الدور وردي كويس انا على أخري.

وللمرة الأولى لا تسأله عما بهِ, فقط نهضت ببطء وهي تقول بينما تتجه لباب المنزل:

-لا أخرك ولا أولك, القميص لسه متغسلش.

-رايحة فين؟

هدر فيها بعنف, لتجيب:

-هنزل ادي عمي دوا قبل النوم.

وأغلقت الباب خلفها دون أن تنتظر رده, تركته هو وغضبه يشتعلان دون اهتمام, قذف بالقميص المتسخ الذي كان في يده وهو يردد بنزق:

-دي عيشة تقرف.

ظل يطوف حول نفسه غاضبًا لثواني حتى توقف ينظر لنفسه في المرآة التي أمامه يقول بحزن:

-دي حتى مسألتش مالي! ولا لاحظت إني رجعت بدري عن كل يوم!

وكان كطفل صغير أحزنه عدم اهتمام والدته بهِ, والحقيقة أن جميعنا أطفال خاصًة فيما يخص حب الاهتمام. 

--------------- 
زفر غاضبًا وهو يحذره عبر الهاتف:

-ولا, انا مش عايز تريقة لاحسن اجيبك من قفاك, هتتنيل تيجي معايا ولا لأ.

استمع لضحكة عالية عبر الأثير وصوت الآخر يقول:

-هفكر, هشوف جدول مواعيدي واعرفك.

-مازن!

زمجره مُحذره خرجت منه, فكبح "مازن" ضحكاته وقال:

-خلاص خلاص صعبت عليا, هاجي.. بس مش مصدق والله الموقف اللي انتَ فيه, دي الست مديحة طلعت قادرة.

-على فكرة انا اقدر مانفذش كلامها وتخبط راسها في الحيط, بس مش عايز ازعل فيروز ولا احسسها إن اقل حاجه مش مستعد اعملها عشانها.

صفير عالي صدر منه وهو يردد بعدها باعجاب:

-اوه, دي الست فيروز هي اللي طلعت قادرة مش أمها.

-هنروح الساعة 9.

واغلق الهاتف في وجهه وقد استكفى من سخافته, التفت خلفه ليجدها تقف وعيناها كسحابة تتساقط منها قطرات المطر, والوجع متجسد على ملامحها كلوحة فنان بارع:

-هتتجوزها رسمي؟ هتروح تتقدملها وتعمل اللي أمها عايزاه عشان متزعلهاش! للدرجادي هي مهمة عندك؟ 

لم يجيبها فورًا, لا يعرف, لكن عذر موقفها, ورحم وجعها, فاقتربت منه تتمسك في ياقة قميصه بضعف والدموع لا تتوقف, وقالت وهي تضم نفسها له قدر استطاعتها:

-اللي كان بيصبرني إن حضنك ليا لوحدي, إني عارفه إن ايدك ملمستش ست غيري, كوني الست الوحيدة اللي لمستها كان مخليني حاسه بالتميز, وإني مش زي أي واحده في حياتك, ده كان مريحني.. إنك ليا لوحدي حتى لو مقدرتش اخد قلبك, بس كنت عارفه إنه مش لحد.. لكن دلوقتي, صارحني يا شاهين..

صمتت لثواني وشهقاتها قد تولت قطع صوت الصمت, حتى استطاعت التحكم بهم فنظرت له في ضعف أنثى تموت قهرًا:

-قلبك بقى ملكها؟ 

نظر لها وهو على نفس جمود ملامحه و.....

تعليقات