رواية نبضات قاتلة الفصل الثامن
استقرت راحت يدها على صدره، لتدفعه بعيدًا بضعف، لكنها كانت إشارة كافية لينتبه إلى قسمات وجهها النافرة من قريه، فاصبح
ينقل حدقتيه بين وجهها و يدها بنظرات قائمة، وقد احتدت ملامحه، فتعجلت «غرام» قائلة بخوف:
بلاش تفهمني غلط
ابتعد عنها قائلا بغيظ
خلاص فهميني الصح؟
منحتها ابتسامة متكلفة، وتحاملت على نفسها عندما لامست خده بأناملها، وأوضحت الأمر قائلة.
انت عارف إلى بحبك يا مالك» . بس الحقيقة إن أنا حاليا مش مستعدة لخطوة في دي، نفسيتي مش احسن حاجة، فخلينا ناجل الموضوع دا شوية، لأن أنا بجد مش كويسة خالص بسبب فراق بابا و ماما.
أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وأغمض عينيه في حركة سريعة ساعيا لكبح غضبه عنها، ثم التفت ناظرا إليها و قد ارتخت ملامحه العابسة، وقال
مفيش مشكلة يا حبيبتي، ارتاحي إنت دلوقت و أنا شوية و راجع.
قامت «غرام» باستدعاء «عبير» إلى غرفتها بعدما تأكدت من ذهاب «مالك» إلى عمله، فكانت تحرك قدميها بتردد لشعورها بملل
الانتظار، وأخيرا جاءت إليها الخادمة، فطلبت منها التأكد أن الباب محكم الإغلاق
و أشارت إليها لتجاورها على الأريكة، وبادرت قائلة بترقب
أقدر أثق فيكي و يفضل الكلام اللي هقوله ده سر بينا ميعرفش بيه مخلوق ؟
ردت عليها «عبير» يثيرة صادقة
طبقا يا دكتورة أخدمك بروحي والله ذا أنتي جميلك اللي عملتيه مع رجاء أختي في ولادتها، يخلي أوامرك كلها مطاعة.
الأمر لله يا حبيبتي، بصي أنا عايزة منك خدمة صغيرة بس بالنسبة لي اكنك يتنقذي حياتي.
ضيقت «عبير» حاجبيها باستغراب و سألتها بفضول:
تحبي أعمل ايه عشانك ؟
تحدثت «غرام» بصوت هامس وقالت:
الوقت اللي تلاقي فيه «سميرة» طالعة فوق تتصلي علي فورا، و لما أكون مش موجودة تحت و «مالك» يرجع من الشغل يردو
تتصلي علي پس لازم محدش منهم ياخد باله بكدا.. تمام ؟؟
بس كدااا
أيوه بس لازم تعرفي إن لو حد عرف بالكلام ده أنا هروح فيها، أنا اخترتك عشان بأثق فيكي، بلاش تكسري الثقة دي أرجوكي.
ضربت عبير» على عنقها و أقسمت بصدق.
و الله العظيم يا دكتورة أنا افديكي برقبتي، متقلقيش.
طيب اسمعي ساعديني دلوقت ناخد أكل من المطبخ من غير ما «سميرة» تاخد بالها.
«سميرة» بتخرج كثير من البيت تقدري تقولي كل يوم ممكن تخرج بتاع ساعتين كدا تروح تشوف اولادها و مامتها فلو ينفع تستني
عشر دقايق كذا هي كانت بتغير و أنا طالعة.
عندما تقدمت خطوتها الأولى داخل غرفته، تسلل عطرها إلى أنقه فأغمض عينيه مستمتعا بشعور الأمان الذي يجتاحه بتواجدها معه، وضعت أمامه الطعام و ابتسمت قائلة:
عامل إيه يا «أحمد» ؟ وحشتني ؟
لم تكن تعني كلمتها الأخيرة بالمعنى الحرفي، ولكنها رغبت في منحه شعور الاهتمام، ليعلم أن هناك من يحبه و يريده بخير
فتح عينيه ناظرا إليها، فلمعت عينيه بوميض من اللهفة والعتاب، فاستدنت يظهرها على الحائط و قالت:
انا اسفة عشان مجتش الأيام اللي فاتت بس كان عندي مشكلة.
نظر إليها باهتمام ينتظر تفسيرا لكلماتها، فأكملت بصوت مختنق
فاكر بابا «أحمد» اللي قولتلك عليه المرة اللي فاتت ؟ لما خرجت من عندك يومها عرفت إنه مات هو و ماما.
خانتها عيناها عندما فرت الدموع هاربة على وجنتيها، فتفاجأت به يزيل دموعها بأنامله النحيفة المرتجفة، و ينطق بخفوت
البقاء لله.
لقد سمعت تلك الجملة من الجميع، لكنه جعلها مميزة. وكأنه طبطب على قلبها، فابتسمت بود و قالت:
و نعم بالله.
بدأت تطعمه كما فعلت في المرة السابقة، وقالت بحنان صادق:
كدا مبقاش عندي غير «أحمد» واحد و مش هسمح لحد يؤذيه.
ظلت على هذا المنوال لمدة اسبوع كامل اقتصرت في يومها على زيارتها لأحمد وإمداده بالغذاء نهارا، وفي المساء تخلد مبكرا إلى نومها كي تتحاشى زوجها وتحافظ على المسافة و الفتور بينهما.
جاءت إليها «منى» لزيارتها في بداية الأسبوع الجديد، ففضلت «غرام» أن تأخذها إلى غرفتها بعيدا عن «مالك» الذي يشاهد المباراة في حجرة الجلوس.
بادرت «منى» بنبرة جادة
مستعدة تسمعي الكلام اللي هقوله؟
هرت «غرام» رأسها وقالت باستعجال:
قولي قولي جاهزة اسمع أسوأ السيناريوهات مفيش حاجة هتبقى أشد علي من موت أهلي.
أنا شوفت تسجيل الكاميرات اللي في محل عم عبد المجيدة، أمك رجعت البيت قبل ما المأذون يكتب الكتاب و كانت بعربية
« مالك» والشاب اللي نزل معاها ده شغال في الحراسة اللي عندكم هنا.
و بعدين ؟
الغريب بقى إن والدك ظاهر في الكاميرا و هو بيعيط و بيجري داخل العمارة، وبعد والدك ما طلع بحاولي ثلث ساعة الشاب اللي
كان مع والدتك ده نزل ... يعني اعتقادي إن الشاب دا هو السبب في موتهم.
أيدت «غرام» اعتقاد صديقتها و قالت:
و عمل كدا يطلب من «مالك».
خلينا نقدم شكوى و سيبي البيت ده و تعالى معايا.
اعترضت «غرام» قائلة:
مينفعش لسه قاعدة هنا شوية، وموضوع الشكوى ده لا هيقدم ولا هياخر، لأن «مالك» هيخرج منها زي الشعرة في العجينة.
قالت «منی» باستنكار
ازاي يا بنتي دي جريمة قتل
تلوى ثغرها ببسمة ساخرة و قالت:
ببساطة جدا الفيديو اللي بتقولي عليه ده مش دليل على إدانة «مالك»، و كمان مش دليل قوى ضد الشاب اللي ظاهر، في خلينا
تأجل الموضوع دا شوية، كدا كدا هجيب حق أهلي.
حذرتها «منى» قائلة بقلق
بلاش اللي في دماغك دا يا غرام، واضح إن «مالك» صعب و شخص وحشي مش هتعرف تلعب عليه.
قالت «غرام» بغموض:
سبيها لله عملتي الطلب الثاني ؟
تزامن رده منى» ، مع إخراجها مفتاحا من حقيبتها فقالت:
اهوه طلعت نسخة زي اللي كانت مطبوعة على العجينة، أتمنى يكون الصنايعي عرف يعملها مظبوط.
في تلك الأثناء، قاطعت «سميرة» متابعته للمباراة، عندما جاءت قائلة:
مستر «مالك» عايزة أقولك حاجة.
رد عليها و نظره مثبت على شاشة العرض:
في ايه؟
أجابته قائلة بحيرة.
في حاجة غربية بتحصل بخصوص «أحمد».
ضيق ما بين حاجبيه سائلا بترقب
حاجة غريبة ازاي ؟
أوضحت «سميرة» قاتلة
دلوقت أنا كنت يطلع كل يوم ساعة الصبح وساعة وش المغرب كدا افكه عشان لو هيستخدم الحمام، و كنت بطلع عيش
وحلاوة كل 3 أيام زي ما أنت قولت لي.
فين الغريب في كدا؟
الغريب إنه الأول كان بيخلص الأكل اللي يطلعه دلوقت مبقاش يقرب منه أصلا.
قال «مالك» بحقد دون اكترات
عنه ما أكل يا «سميرة» خليه بموت و تخلص.
ما هو في حاجة كمان.
حاجة ايه ؟
الأسبوع الأخير ده بقيت أسيب الأكل بكميات معينة في الثلاجة و اجي ثاني يوم الاقيه ناقص.
هتف «مالك» بحدة خفيفة
و مين لاءا
هو احنا هتراقب الأكل؟ ما يمكن تكون «عبير» بتاكل أو «غرام» او ممكن «غرام» بتأكل حد من الحرس .... فمش مقعد ادور مين أكل
طب حاجة كمان.
تنهد «مالك» يصير أوشك على النفاذ وقال:
انجزي، لسه ايه ؟
طلعت امبارح لاقيت «احمد» مفكوك مع اني متاكدة اني كنت قافلة السلاسل الحديد على ايده و كمان قابلت الدكتورة نازلة من
على السطح.
قطب حاجبيه مفكرًا، ثم هب واقفًا بوجه مكفهر، فقد استطاع ربط الخيوط ببعضها، فهدر بغضب مكتوم:
«غرام» فين ؟؟
مع دكتورة «منى» في الأوضة فوق.
تخطاها «مالك»، صاعدًا إلى غرفته ناويا الفتك بها، فقد نفذ صبره و لن يغفر لها بعد الآن.
