رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثامن 8 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثامن 

"هنالك أحداث مميزة لكل شخص, ربما تاريخ, أو وقت, أو كلمة" 
"مُقتبس" 
"يومًا بعد يوم الشوق يثبت مكانته بأنه شيء أساسي في يومك...
ويتصاعد الشوق, إلى أن يصل مرحلة الإفلات, وتكون مُنفلتًا بأشواقك, وكأنها الشيء الذي يُسيطر على عواطفك وحينما يسيطر الشوق عليك.. إلى من ستلجأ؟
إلى من كان سببًا رئيسيًا في دوامة أشواقك اللامتناهية؟ " 
"مقتبس"

لم يجيبها فورًا, لا يعرف, لكن عذر موقفها, ورحم وجعها, فاقتربت منه تتمسك في ياقة قميصه بضعف والدموع لا تتوقف, وقالت وهي تضم نفسها له قدر استطاعتها:

-اللي كان بيصبرني إني حضنك ليا لوحدي, إني عارفه إن ايدك ملمستش ست غيري, كوني الست الوحيدة اللي لمستها كان مخليني حاسه بالتميز, وإني مش زي أي واحده في حياتك, ده كان مريحني.. إنك ليا لوحدي حتى لو مقدرتش اخد قلبك, بس كنت عارفه إنه مش لحد.. لكن دلوقتي, صارحني يا شاهين..

صمتت لثواني وشهقاتها قد تولت قطع صوت الصمت, حتى استطاعت التحكم بهم فنظرت له في ضعف أنثى تموت قهرًا:

-قلبك بقى ملكها؟ 

نظر لها وهو على نفس جمود ملامحه وانزل ذراعيها ببطء وتروي, وعيناه لم تفارق ملامحها, لم يهتز له جفن من حديثها وهو يقول بثبات:

-قلبي مش ملك حد.

زفرت أنفاسها براحة وشقت الابتسامة البسيطة وجهها وهي تسأله بهمس:

-اومال بتعمل كل ده معاها ليه؟ متعلق فيها ليه؟

زفر أنفاسه مبتعدًا عنها ووقف يعيطها ظهره بينما يطالع السماء التي قاربت فيها الشمس على الغروب وشرد بها قليلاً, هو مِثل غروب الشمس, غامض مثله, حين تغرب وتختفي رويدًا خلف السُحب وبين طيات السماء, لا أحد يعرف لأين تذهب تحديدًا, تقف تنظر لها بفضول ولو بإمكانك لتركت بصرك يذهب خلفها ويشق السماء ليعرف مستقرها حتى شروق اليوم التالي, ولكنك لا تستطيع ففقط تنظر لها بفضول.. ويظل الغموض يحيط  مشهد غروبها وشروقها. 

-انتِ قولتِ متعلق فيها, فيها حاجه شداني معرفش إيه هي, قاومت لشهور لكن الموضوع بيزيد مبينتهيش, لازم اقرب, واجرب, يمكن التعلق ده ينتهي, يمكن يكون مجرد فضول أو شغف هينتهي بالقرب, دايمًا الممنوع مرغوب, فيمكن عشان منعت نفسي عنها بالقوة رغبتها.

اختفت الابتسامة عن وجهها, وحديثه أقلقها, لكنها لم تُظهر وهي تسأله بنفس الهمس الخافت:

-وليه ماتقولش إنك حبيتها؟ 

اضيق ما بين حاجبيهِ بعد جملتها, وظهرت الحيرة تزين وجهه باحترافية, وصمت لثواني يدير الجملة في عقله, حتى نطق بنبرة حائرة تتمكن منه لأول مرة:

-القرب هيبين.. لكن البُعد هيشتتني وأيًا كان الشعور اللي جوايا هيزوده, لكن ماظنش إنه حب, لو كنت حبيتها مكنتش بعدت عنها كل الشهور دي عادي. 

ودت لو تخبره بأنه حتى وإن حبها كان سيبتعد, كان سيقسو على نفسه وقلبه, هي تعلم أنه حين يقرر يُنفذ, تحت أي مسمى, مهما كلفه الأمر, فلن يعيقه قلبه, ولن توقفه رغبته بها, لكنها صمتت, لا تريد أن تفتح عينيهِ وتلفت نظره لشيء رُبما ينكره ويحاول الهروب منه, وإن كان هكذا ستساعده ولن تدله على الحقيقة حتى وإن أصبحت كوضوح الشمس. 

-معاك حق, محدش بيحب حد بيبعد عنه شهور.

التفت لها ليرى ملامحها الباهتة بوضوح, أغمض عينيهِ لثواني بأسف وضيق, لا يريدها أن تعاني بسببه, وبعدما فتحهما, فتح ذراعه لها في إشارة فهمتها ولم تتردد لحظة, وانطلقت تسكن بين حضنه, فاطبق عليها بذراع والآخر مازال يسكن جيبه, وقال:

-مش عايز اظلمك معايا يا ميرنا, لو انتِ مش مرتاحة او حاسه إنك مش هتقدري تكملي قولي, احنا متفقين إن أي حد فينا من حقه ينسحب وقت ما يحب. 

شدت على احتضانه, وأغمضت عينيها برفض تقول:

-بطل تفكرني باتفاقنا, انا مش ناسياه, لكن عمري ما هفكر استخدمه, مش هسيبك يا شاهين.. مش هسيبك حتى لو .. حتى لو قلبك بقى ليها, حتى لو هفضل طول العمر في السر, المهم انتَ ماتسبنيش.

ذم شفتيهِ بأسف, وهو يدرك تعلقها بهِ, وحبها له, هي تُصعب عليهِ الأمر, وتشعره أوقات كثيرة ببعض تأنيب الضمير, لكنه يعود ويقنع نفسه أنه لم يرغمها على شيء, ولم يخدعها, علاقتهما من اول يوم وهي واضحة ووضع النقاط فوق الحروف, لم يوهمها بشيء ولم يعلقها بأمل زائف, لذا فأي شعور منها لا يُحاسب عليهِ.

صمته عن نفي آخر رجاء لها اوجعها, وجعل قلبها ينتفض خوفًا ورعبًا من القادم, يبدو أن دخول تلك الفيروز لحياتهما لن يكن محمل بالخير ابدًا. 

-------------------------- 
"كيف أحببتك ومتى؟ كيف احتللت قلبي هكذا؟ ألستُ من لم أُطيق البقاء معه, وتمنيت اليوم الذي لن ألمح فيهِ ظلاً لكَ, لن أسمع خطواتك, ولن أشُم رائحتك, لن تربكني انفاسك, ولن توترني نظراتك, كيف أحترق شوقًا وشغفًا لكل هذا الآن؟ قُل لي كيف تتبدل المشاعر هكذا؟ الآن أرقص فرحًا لأنك آتي إليّ لتعقد ميثاقًا يربطنا للأبد, اتابع دقات الساعة بنفاذ صبر حتى يأتي الموعد, ولو تركت العنان لقلبي لهرول إليكَ يجرك جرًا ليّ منهيًا الانتظار السخيف, عجيب أمر الحب! ولكنه لذيذ على أي حال"
"فيروز"

انتهت "مديحة" من إعداد السطح ليصبح مناسبًا لاستقبالهم, فكيف تستقبلهم في غرفة بها مطبخ وكرسيان بالعدد! استعانت بمحبة الجيران الذين لم يتأخروا ابدًا في تقديم كل العون لها, ليصبح شكل السطح مناسب لحد ما, وافضل على كل حال من الغرفة, نظرت للسجاد المفترش والكراسي القليلة المتراصة فوقه وأمامهم طاولة زجاجية مناسبة, وطبعًا كل شيء مستعار لقضاء الليلة فقط, يبدو الشكل النهائي مُرضي لحد ما, وتحمد ربها أن صاحب البيت يفصل السطح لنصفين بحائط بمنتصفه باب مُغلق, فنصف السطح الذي يقبع في ملكيتهم لم يكن كبير فظهر فيهِ مجهود تزيينه بشكل مقبول.

-خلصتوا؟

التفت على سؤال "فيروز" لتبتسم لها حين وجدتها تقف مرتدية تنورة سوداء تصل لركبتيها, وكنزة بربع أكمام ولها فتحة صدر مثلثة, وتركت لشعرها الحرية وزينته برباط شعر على شكل "فيونكة" من الخلف. 

-شكلك حلو يا فيروز.

ابتسمت لها بخجل فطري وهي تغمغم:

-طلعت الحتة المتعانة للمناسبات, بس حاسه البلوزة قصيرة وضيقة شوية!

وقد كانت هكذا بالفعل, فقالت "مديحة":

-يعني... ما فين بقالها فوق الخمس سنين عندك وجسمك اتغير, بس مش باينة, حلوه وزي القمر يا حبيبة امك.

-حبيبتي انتِ. 

قالتها وهي تُقبل عليها تقبلها بفرحة ظاهرة, وما إن ابتعدت حتى ركضت لسور السطح تنظر منه حين سمعت صوت بوق سيارة عالي, فقفزت بتوتر وسعادة:

-جه يا ماما جه.

---------------- 

في الأسفل..

وقفت السيارة وبالخلف يجلس "مازن" و "شاهين" ليقول الآخر في هدوء:

-مرسي, خد السواق واقعدوا على القهوة دي لحد ما ننزل.

-عادي يا باشا هنستنى هنا.

قالها "مرسي" وهو يلتف لها من مقعده الأمامي, لكن ابتلع ريقه وحمحم في هدوء حين رأى نظرته, وأمر السائق بالترجل معه. 

التفت ل "مازن" يقول محذرًا:

-مش عايز أي سخافة فوق, ومش عايز كلمة تتقال منك.

-اومال انتَ جايبني ليه؟

قالها بانزعاج واضح, ليجيبه "شاهين" في برود:

-منظر.

وترجل من السيارة ليتبعه الآخر في غيظ, وما إن تجاورا في مدخل البناية حتى قال ساخرًا:

-ألا ما شوفت بوكية ورد, ولا علبة حلويات حتى! انتَ يا عم جاي تُرب! شكلنا وحش واحنا داخلين كده.

سبقه في الصعود وهو يقول في برود:

-لو شايف شكلك وحش كنت هات انتَ.

-مش واحنا مقاطعين بعض كان احسن, على الأقل مكنتش متعرض اتجلط. 

قالها بنزق وهو يصعد خلفه, والآخر لم يعلق وكأنه لم يسمعه!

----------------- 
جلسوا جميعًا بعد سلامات خفيفة بينهم, سلام لم يخلو من النزق بين مديحة وشاهين, والنظرات الغير راضية من كِلاهما, وكأن الحرب الخفية بدأت بينهم. 

منذُ جلست وهي لم ترفع رأسها عن الأرض, تخجل أن تنظر لهم, لكن لم يفوتها أناقته المعتادة في بذله بنية, ليست كاملة, فقط القميص وسترة البدلة وسِروالها, خطف قلبها بهيئته كالعادة, رفعت رأسها للحظات لتصطدم بوجهه حيث يجلس أمامها, فعادت تخفض نظرها بتوتر من تلك النظرة التي رأتها في عينيهِ ولم تفهمها! لكنها حادة..!

-نورتوا.

-ده نورك يا طنط.

قالها "مازن" لتعلق "مديحة" بابتسامة قاصدة:

-اسم الله عليك, بتفهم وقولتلي يا طنط. 

رفع "شاهين" حاجبه رفعه بسيطة وكأنه يقول "حقًا! أبدأتِ الحرب؟" ورحب بها مردفًا:

-طيب يا حاجة احنا جايين نطلب ايد فيروز ليا.

اغتاظت من طريقته الخالية من الذوق, لتقول بضيق:

-هو إيه اصله ده! انتوا لسه شربتوا ولا اتعرفنا عشان تدخل في الموضوع على طول كده! 

-مفيش وقت للتعرف والكلام الفاضي ده, انتِ عارفه احنا جايين ليه, فخلينا نتكلم في الموضوع افيد.

ابتسمت في هدوء ظاهري:

-بس انا قولتلك هنتعرف وتتقدم واسأل عليك وب.... 

قاطعها بحدة:

-مفيش حاجه اسمها تسألي ولا متسأليش, انا عاوز كتب الكتاب يكون بكره. 

-نعم؟ وده ليه إن شاء الله؟ انتَ جاي ومقرر إنك هتتجوز بقى مش بتتقدم ولينا حرية الرأي. 

قالتها "مديحة" بصوت مرتفع, جعله ينظر لها بضيق أكبر, وتدخل "مازن" يقول بدبلوماسية يحتاجها الموقف:

-استهدي بالله يا طنط, هو ميقصدش كده, بس اكيد فيروز موافقة وعاوزاه, وهي عارفاه, يبقى ليه المماطلة.

انخفض صوتها تتحدث مع "مازن":

-حتى لو, يبقى كتب الكتاب بكره! فين الخطوبة؟ فين اننا ناخد وقت نفكر؟ 

نظرت لها "فيروز" بقلق, تشعر أن المقابلة هذه لن تنتهي على خير, وربما تعند والدتها أمامه أكثر. 

-اولاً هم مش محتاجين خطوبة, هم قعدوا فترة كويسة تعارف, وبعدين مش انتِ عرفاني كويس وواثقة فيا؟ وهو اخويا ما يتخيرش عني.

نظرت له بشك تسأله:

-ما يتخيرش عنك! مش كنت باعتها له عشان...

قاطعها "مازن" في هدوء:

-وانا جايلك النهارده وايدي في ايده, ده معناه إيه غير إن اللي كان بينا سوء تفاهم, وشاهين ملوش علاقة بأي حاجة شكيت انا فيها. 

كان الوجوم باديًا على وجهه كأنه يكره الكذب حيال هذا الأمر تحديدًا, لكن ما يسكت ضميره أن فيروز تعلم الحقيقة... وتوافق.

-ايوه يعني ازاي كتب كتاب بكره برضو!؟

قال "مازن" في هدوء:

-انا مش شايف فيها مشكلة, انتِ إيه رأيك يا فيروز؟ عندك مانع يكون كتب الكتاب بكره؟ ولا موافقة؟

لم تنظر له وظلت ناظرة لوالدتها وأجابت تتجنب الحديث معه ليدرك أنها مازالت غاضبة, ومازالت على موقفها منه منذُ اعترافه الأخير لها:

-شوفي انتِ حابه إيه يا ماما. 

أشاح ببصره عنها في ضيق, توقع أنها قد صفيت له ولو قليلاً, وأن العلاقة التي على وشك البدء بينها وبين أخيه ستحسن الوضع أكثر, لكن يبدو أنها مازالت على موقفها. 

-هو إيه اللي شوفي انتِ حابه إيه؟ ما تقولي رأيك!

قالها "شاهين" بحدة انتفضت لها, ونظر له "مازن" بأعين متسعة من طريقته الفظة, بينما وقفت "مديحة" في استعداد للشجار:

-انتَ بتكلمها وبتزغرلها كده ليه؟ لا بقولك إيه انتَ بتكلمها كده من دلوقتي وقدامي اومال بعد كده هتعمل إيه! انا مش مرتاحة للجوازه دي.

نهض "مازن" أمامها بتبرير سريع:

-لا انتِ فهمتِ غلط, هي دي طريقة شاهين في الكلام, هو مندفع شوية بس, لكن طيب وهادي خالص زي النسمة, طول ما هو في البيت مبيطلعش له حس.

طالعته بعدم تصديق, ليهز رأسه لها وكأنه يخبرها أن تصدقه ولو كذبًا لتمر الليلة, ونفخ "شاهين" بقوة معترضًا على حديث الأبله أخيه, بينما نظرت له "فيروز" بعتاب وقالت:

-طريقتك كأنك جاي غصب عنك, لو مش متأكده إن محدش يقدر يغصبك على حاجه كنت قولت إنها فعلاً كده.

وأمام عتابها لانت نظراته قليلاً, وهدأت عصبيته قائلاً:

-انتِ قولتيها محدش يقدر يجبرني, بعدين انتِ عارفه مبحبش الرغي اللي ملوش لازمه, وكلامي قولته من اول قعدتي, ومستنى رد. 

وقبل أن تنطق أكمل في نبرة هادئة:

-مستني رد بموافقة يا فيروز.

نقلت نظرها بينه وبين والدتها التي احتقن وجهها غيظًا منهِ, وترددت قليلاً قبل أن تقول بحيرة:

-انا... انا معنديش مشكلة. 

فرد ظهره بغرور ظهر جليًا أمام مقلتي "مديحة" المشتعلة والتي قالت برفعة حاجب مستنكرة:

-وحياة امك! لا تمام وانا هقول إيه من بعدِك! 

-لا ازاي بس, ده انتِ الخير والبركة, لو عندك اعتراض قولي.

قالها "مازن" بمهاودة لها كي لا تتعنت أكثر, مررت النظرات بينهم حتى قالت أخيرًا بنزق:

-يلا اهو العروسة للعريس والجري للمتاعيس.

 ابتسمت "فيروز" براحة وفرحة لمعت في مقلتيها, وأردف "شاهين" بعدها يقول بملامح مرتخية:

-تمام, بكره كتب الكتاب والفرح, فستانك وأي حاجه هتحتاجيها هتطلبيها النهاردة وبكرة هتكون عندك, هعمل حفلة كبيرة في قاعة مناسبات راقية, الصبح هتكون معاكي مصممة الحفلة لو حابه أي تعديلات او ديكور معين.

نظرت له بخوف لم تواريه وهي تقول:

-إيه كل ده! وليه قاعة كبيرة! ماكنا عملنا كتب الكتاب وخلاص في جنينة الفيلا. 

نظر ل "مديحة" و "مازن" ونهض واقفًا يشير لركن جانبي في السطح:

-هنقف هنا نتفق على اليوم بكره والترتيبات, اعتقد دي حاجة تخصنا ولازم نتفاهم فيها.

وقال آخر جملة له حين شعر ببوادر رفض "مديحة" ليلحق "مازن" الأمر وهو يقول لها بمرح:

-إيه يا طنط مفيش كوباية شاي تبل ريقي حتى!

نهضت واقفة تحدق من أمامها بشرارة تنبعث من عينيها وقالت قاصدة احراجه:

-كنتوا جيبتوا انتوا حاجه حلوة نحلي بيها بقنا, بدل مانتوا داخلين زي الغفر كده. 

وانسحبت تدخل لتعد الشاي له, نظر "مازن" ل "شاهين" بأعين حانقة وهو يقول:

-عاجبك كده! ادينا اتهزقنا بسببك!

وضعت "فيروز" كفها على فمها احراجًا من حديث والدتها, وقالت بعدها بلجلجة بسيطة:

-متزعلوش من ماما هي بس...

مسك كف يدها وجذبها لذلك الركن وهو يقول بلاهتمام:

-تعالي سيبك من امك دي.

رفعت حاجبيها باستهجان من جملته والنبرة التي قالها بها, وهزت رأسها بيأس يبدو أنه ووالدتها لن تكن بينهما علاقة طيبة.

----------------------------- 
فركت كفيها في توتر بالغ وهي تستند على سور السطح كيفما يفعل, وقطعت هي الصمت اولاً تقول بشكاء:

-حاسه إن بكره قريب اوي, انتَ ملغبطني وجاررني وراك على وشي من غير ما تديني فرصة اخد نفسي.

التف لها ينظر لجانب وجهها وقد انتبه الآن لتلك الرابطة التي تزين شعرها من الخلف, وسألها في هدوء:

-جارك ازاي؟ 

-انتَ متخيل إني النهارده الصبح كنت عايشه حياتي عادي ومفيش حاجه جديدة, وفجأة تظهر من تاني وتيجي تتقدملي لا وتقول الفرح بكره! كل التغيرات دي حصلت في كام ساعة! انا حاسه لما انام بليل هحس إن كل ده كان حلم, احداث اكتر واكبر من إن عقلي يستوعبها مرة واحدة! يعني النهاردة هبات هنا وبكره في بيتك! وانا مراتك طب ازاي؟ وليه السرعة دي؟

كان التشتت واضحًا عليها, ورحمها هو موضحًا كل ما أراده:

-اولاً انا عاوز الفرح بكره عشان مش هعلن قبل فرحي بفترة حتى لو بيوم وده لاسباب تخصني, اعتبري باخد حذري من أي شيء ممكن يبوظ فرحتك, ولازم اعملك فرح انتِ مش اقل من أي بنت يتعملها احلى فرح! ومش شايف داعي للتأجيل لأننا مش هنتعرف على بعض لسه, والاستيعاب هييجي واحده واحده...

صمت قليلاً ثم أكمل:

_اما حوار تنامي هنا الليلة فدي كمان مش هتحصل, هتيجوا معايا عشان زي ما قولتلك بكره الصبح مصممة الفرح هتيجي ترتب معاكي كل حاجه انا كلمتها من ساعتين واتفقت معاها تجيلك بكره, وكمان بتوع الميك اب وباقي الحاجات اللي تخصك هيكونوا موجودين الصبح في الفيلا, والنهارده اول ما نوصل هتلاقي الاتيلية اللي كلمتهم بعتولك بنتين ياخدوا مقاساتك وتختاري معاهم الفستان اللي يناسبك. 

كانت نظرت له الآن, وتصلبت عيناها في صدمة من حديثه, وفُغر فاهها قليلاً وهي لا تستوعب ترتيبه لكل هذا قبل أن يأخذ موافقتها الأخيرة وموافقة والدتها! 

بسبابته أغلق فاهها مبتسمًا, فانتبهت له تقول بتعجب:

-ازاي عملت كل ده؟ افرض مكناش وافقنا! افرض كنت طلبت مهلة وأجلت الفرح!

اقترب منها خطوة جعلها تتوتر وهو يقول في ثقة:

-انا مبفرضش, انا ببقى عارف هوصل لأيه..

مرر نظره عليها قليلاً بطريقة استغربتها ثم وجدته يقول بضيق تسلل لملامحه:

-مش شايفة البلوزة دي سخيفة شوية!

نظرت للجهة الأخرى في حرج من أمرها وقالت وهي تحاول جذبها ولكن هيهات أن تتحرك أنشًا:

-هي صغيرة شوية بس. 

رفع حاجبه باستهجان:

-ومادام عارفه إنها صغيرة بتلبسيها ليه؟

تخضب وجهها بحمرة الاحراج وهي تجيبه دون النظر له:

-معنديش حاجه مناسبة يعني..

هدأت نبرته ولانت وهو يقول بصدق:

-لو كنتِ لبستي نفس لبس الصبح كان هيكون افضل.

نظرت له باستنكار عن أي ثياب يتحدث! ذلك السروال الواسع الذي بهت لونه, وتلك الكنزة السوداء الخالية من أي تزيين!

وتطرق لأمر آخر وهو يسألها وعيناه على شعرها:

_وفين الايشارب اللي بتحطيه!

ملست على خصلاتها بابتسامة تقول:

_قولت ملوش لازمة، شكلي كده أحلى؟

لم يُجمل حديثه وهو يقول بجدية:

_لأ، بحب شكلك بيه، بيليق عليكِ وبتكوني مميزة، متقلعيهوش تاني. 

ما بهِ هذا الرجل لا تفهمه ابدًا! لكنها صمتت حين علىَ صوت "مديحة" النزِق:

-الشاي. 

-------------------- 

فيلا العقرب...

دلفا للفيلا بعد وصولهما تحت استغراب "شاهين" من أمر "مازن" الذي أعرب عن نيته للمبيت هُنا الليلة, وما إن وصلا أمام جناح "شاهين" حتى سبقه "مازن" للداخل بكل وقاحة تحت نظرات الأخير المستنكرة, دلف خلفه ليسمعه يقول وهو يتجه لغرفة الملابس:

-هستعير منك ترنج بقى اقضي بيه الليلة, الاخوات لبعضيها برضو.

-انتَ عارف مبحبش حد يلبس حاجتي.

لم يسمع رد من "مازن" الذي غاب داخل الغرفة, فقال له بصوتٍ عالٍ:

-اللي تاخده خليهولك مترجعوش.

ابتسم "مازن" في الداخل وقد كان متأكدًا من قوله, وراهن عليه كما في السابق تمامًا. 

خرج بعد قليل يحمل "ترنج" بني اللون, علمه "شاهين" فور رؤيته فقال بتحذير:

-لا شوف غيره, ده بالذات لأ.

راقص "مازن" حاجبيهِ في تلاعب يُوشي بعلمه لحب الآخر لهذا بالذات:

-ليه! يكونش ده اللي الترنج اللي جبته في اول زيارة لإيطاليا.

أردف "شاهين" بنزق وهو يتجه له:

-مانتَ عارف اهو يا بارد, والحاجات دي ذكريات مبحبش استغنى عنها.

تحرك فورًا في مراوغه من أمامه تجاه باب الغرفة يقول بمرح:

-خلاص يا باشا too late , خدته خلاص والنبي قبل الهدية.

-مازن! ولاه!

قالها وهو يتجه له ليضحك "مازن" بصوت مرتفع بينما يغلق باب الغرفة سريعًا ويركض في الطرقة قاصدًا غرفته القديمة. 

وقف "شاهين" أمام باب الغرفة الذي فتحه وهو يرى ركض الآخر أمامه بسرعة كي لا يلحق بهِ, ويحمل الملابس فبدى كالسارق, مشهد يُعاد لسنين سابقة جعلت الحنين يرتسم على ملامحه والابتسامة تشق ثغره في هدوء.

---------------------- 
-ها قولي موضوع إيه؟

سأله بينما يجلسان في الحديقة بعدما طلب منه "مازن" التحدث قليلاً سويًا قبل يوم الغد المزدحم, رفع "مازن" كوب القهوة يتناول القليل ليخفف الارتباك عنه, وقال بعدها في هدوء زائف:

-ليلى رجعت. 

لاحظ  تقاسيم وجه أخيهِ جيدًا, ظهر اندهاش طفيف اختفى سريعًا وحلَ الجمود قبل أن يقول:

-وانا مالي ترجع ولا مترجعش!

سأله في قلق:

-يعني مش هتفكر تتواصل معاها او...

-اللي خرج من حياتي برضاه وغصب عني, عمره ما هيرجعها تاني حتى لو كان ابويا.

تنهيدة راحة صدرت منه قبل أن يقر بالحقيقة الصعبة:

-شاهين, اللي هقوله دلوقتي هيكون صعب شوية, لكن... لازم أقوله لانه مش هيتخبى..

نظر له "شاهين" في هدوء تام, وانتظار بتكملة حديثه, فقال بعدما زفر نفسه:

-انا كنت بحب ليلى زمان, زي ما قولتلك بعد ما قولتلها حقيقة شغلك وسافرت, ولما رجعت من كام شهر, رجعت تكلمني واتواصلنا... 

ملامح "شاهين" لم تحفزه ابدًا لتكملة التوضيح, فزفر نفس قوي وقال منهيًا الحديث:

-انا وهي بنحب بعض وناوي اتجوزها.

بقت ملامحه كما هي تمامًا, بشكل جعل "مازن" يقلق وهو يسأله:

-انتَ ساكت ليه؟ مش موافق؟ 

واتسعت عيناه صدمة حين صدرت من "شاهين" ضحكة قوية يسمعها لأول مرة في موقف لا يحتمل الضحك!!!! 

تعليقات