رواية المعلم الفصل السابع
سارت ببطئ تجر قدميها بثقل ، التبهت لتلك النظرات التي ترمقها بشراهة ، لما ينظرون إليها هكذا . هل تلك النظرة شفقة أم تشفي ، أم شئ آخر لا تعلمه . عادت الى الفندق بخيبة أمل لم تكن بالحسبان مطلقاً في هذا اليوم ، حقا ما حدث اليوم قد فاق كل التوقعات .
وجهت حديثها إلى موظف الاستقبال دون أن تنظر إليه ينبرة منكسرة ..
لو سمحت مفتاح اوضتي رقم ٣٧ ...
جمجم موظف الاستقبال يحرج بائن ورد عليها مستاء :-
أنا آسف يا فندم بس حضرتك ممنوعة تقعدي هنا ، شنط حضرتك وراكي اهي تقدري تاخديها وتمشي
رفعت عيناها عليه بذهول وتسائلت بعدم فهم .
يعني إيه ممنوعة ؟ أنا دافعة فلوس إقامتي هنا ايه اللي حصل ؟
تنهد الموظف بحرج وردد باقتضاب :-
منصور العراقي جه وهددنا أننا لو ملغناش إقامتك هنا هيقفلنا المكان فلوسمحتي ياريت تمشي من غير شوشرة .
اتسعت حدقتاها بصدمة أكبر ، ماذا يريد من خلف تصرفاته المشينة تلك ؟ لما يغلق جميع الأبواب في وجهها ، ماذا فعلت له حتي يؤديها بهذا الشكل . أحقاً يخشي منها على ولده ؟
تخيطت بين أفكارها التي لم تضيف سوي ألم شديد في رأسها ، أمسكت بحقائبها وجرتهم خلفها بخيبة أمل أكبر، لا تدري إلى أين
تذهب ، ليس لها مأوي ولا شكنة تذهب إليها . إلى من تؤمن على نفسها لديه . تنهدت وقررت أخر اختبار لديها ....
ظل زيان مثبت بصره على ياسر وعقله مشغول بتلك الفتاة التي رفضت ريحتها من ياسر ، أيعقل أن ترفض شاب مثله بفرصة
تحلم بها أي فتاة غيرها . لقد هداه بمنزل مكتمل لكي يثيرها وتوافق على زيجتها منه لكنها أبت .
أهي لا تكثرت حقا لتلك الاشياء الثمينة أم لا تعبأ لها من الأساس، تعجب أيضا من حالة ياسر الذي بدي عليها منذ رفضها له . وكأنها محور للكون ، لما هو تعيس بهذا الشكل ، كيف له أن يفيض بمشاعره ولا يخجل ، كان يحايلها ويتوسل اليها بألا تتركه ، ماذا فعلت له حتى يكون في حالته هذه الآن ؟
خرج من شروده عندما رأها تدلف إلى المكتب حاملة حقائبها خلفها ، نهض هو وياسر الذي أسرع نحوها بتوجس وهتف متسائلاً :-انتي هتمشي ؟
رمفته بالم وهتفت مرددة بحزن ...
أنا موافقة الجوزك ...
التوي ثغر باسر مشكلاً ابتسامة عريضة، اقترب منها لكنها تراجعت خطوة الى الخلف، رفعت بندقيتاها اللامعة عليه ثم تسائلتت بتوجس :-
هو انت هتراعي ربنا فيا ؟
شعر بغصة مريرة في حلقه واجابها بنبرة عدية :-
والله العظيم ما هزعلك لحظة
تنهدت وهي تؤماً رأسها بقلة حيلة . السدلت بعض الدموع على مقلتيها متحسرة علي حالتها ثم جلست علي المقعد بأمر من
ياسر وأخذت تقص ما حدث لها في الفندق .
شعر ياسر بخيبة أمل لكونها وافقت على زيجتها منه فقط لأنها طردت ولم يعد لها ماوي . كان يريد موافقتها لشخصه هو ولا تكن مجبرة على فعل ذلك ، لكن ليس مهماً ، سيتغاضي الآن عن هذا وبعد ذلك سيثبت لها حيه وبالتأكيد ستبادله حبها مع الوقت ويحيي بحياة طيبة معاً .
اتحت عنود حديثها واخفضت عينيها بحياء ، وجه ياسر بصره إلى زيان قائلا يحرج :
ينفع عنود ثبات عندك النهاردة بس لأن مستحيل أعرف اخذها معايا البيت وبكرة باذن الله هنكتب الكتاب على طول واخدها
ونمشي
ابتسم ثم أجابه زبان بترحيب قائلا :
اه طبعاً تنور ، يلا بينا
التوي ثغر ياسر بابتسامة ممتنة لريان، نهض ثلاثتهم متجهين الى منزل ريان ، وقف ياسر مع عنود بمفردهم وهتف ينيرة حنونة ..
مش عايزك تخافي مني ، أنا عارف انك معرفتنيش كويس وأنك أكيد خايفة مني بعد اللي شوفتيه من اهلي ، بس صدقيني أنا مش زيهم وعمري ما هاذيكي ، أنا هكون حمايتك ، وعلى فكرة حتى لو مكنتيش وافقتي على الجواز كنت هقف في ضهرك برده و مكنتش هسيبك ابدا
النوي ثغرها بابتسامة لم تتعدي شفاها ، قلبها لا يريده ، عقلها يأبي ما يحدث لكنها مضطرة على فعل ذلك ربما الخير فيه ولو بعد حين .
غادر ياسر وتركها بمفردها مع ريان الذي فتح باب المصعد وولح داخله ورمقها بغرابة حينما لم تبرح مكانها ..
واقفة عندك ليه ؟
تنهدت بأسي وأجابته مختصرة الحديث معه :-
مينفعش . انا أو انت تطلع في الأسانسير لكن إحنا الاثنين مينفعش مع بعض حج
ضيق عيناه عليها متعجباً من أمرها :-
مينفعش ليه ؟
فركت اصابع يدها يحرج وقالت بنبرة هادئة :-
لأن دي خلوة غير شرعية وانا مش عايزة أتحمل دنوب ، أنا مطلع على السلم وانت اطلع في الاسانسير بس قولي بيتك الدور الكام
تعجب زبان كثيراً من تلك الفتاة المبهمة التي اكتشف جانب آخر منها فالاول لا تلامس الرجال والثاني لا تتفرد معهم في المصعد .
بالا غرابتها حقاً ، تنهد وردد باقتضاب :-
طيب ما أنتي راحة وجاية مع ياسر عادي و......
قاطعته عنود وهي ترمقه بنظرات مشتعلة وصاحت به مندفعة ..
لو سمحت مسمحلكش ، أنا قبلت أن ياسر يساعدني لاني معرفش غيره يعني كنت مضطرة وبعدين كان في ناس حوالينا مكنتش
لوحدي معاه في أسانسيرا
خلاص خلاص بلاها آسانسير تعالي تطلع على السلم ولا ده برده خلوة غير شرعية ؟
هتف بها زيان متعجباً من تصرفاتها المبهمة بالنسبة إليه بينما أجابته عنود بحدة ...
لا عادي
- سحب نفساً عميق وردد مستاء ...
تمام اتفضلي
دلف خارج المصعد ونادي بصوت جهوري علي حارس البناية :-
عم جلال
جاءه يركض بخطى مهرولة وهتف من بين انفاسه المضطرية ..
نعم يا معلم
رد عليه ريان وهو يطالع الحقائب التي بيدها وهتف بنبرة أمرة :-
خد منها الشنط دي وطلعها عندي فوق إحنا هنطلع علي السلم
حاضر با معلم زبان
أردفها جلال وأخذ حقائبها منها ثم اختفي طيقه خلف باب المصعد بينما صعد ريان أولاً وتبعته هي بخطى ثابتة .
شنط مين دي ياعم جلال ؟
تسائلت دينا بفضول أنثوي، أجابها جلال قائلا بعملية :-
مش عارف با ست دينا دي واحدة طالعة مع المعلم زبان
شعرت دينا بوخزة قوية في قلبها أثر جملته كما قطبت جبينها بغرابة، ظهر طيف زيان أمامها ولم تري معه أي فتاة ، مالت برأسها للجانب تريد رؤيتها لكن جسد زيان كان بمثابة حاجزاً يمنعها من رؤيتها ، اقتربت منه ورددت متسائلة .
شنط مين دي يا زبان ؟
وما إن أنهت جملتها حتى ظهرت أمام مرأي عينيها تلك الفتاة التي أخبرها عنها جلال، لا تعلم سر تلك الانقباضة التي شعرت بها . لما ازدادت نبضات قلبها ما أن رأتها، لم تروق لها مطلقاً . از دردت ريقها بتوتر ورمقت زبان بنظرات متوجسة وسألته بنيرة متلعثمة
خشية أن يجيبها بما لا تتمني سماعه :-
مين دي ؟
تتكلم جوة ...
قالها زيان يفتور شديد فهو لا يريد رؤيتها بعد آخر مرة تعاملت معه بجفاء وهو من ذلك الحين يفر هارباً إلى عمله قبل استيقاظها ويعود بعد نومها ، لكن ماذا يفعل تأتي الرياح دائماً بما لا تشتهي السفن ، سيجبر نفسه على البقاء تلك الساعات المعدودة إلى أن
يسلم تلك الفتاة إلى عصمة ياسر ....
أوصد ريان الباب ورفق دينا بفتور وهتف بإقتصاب :-
دي عنود بنت عم ياسر هتقعد هنا لبكرة
رفع ريان بصره على عنود التي تقف على استحياء شديد ، استشعر هو خجلها من تورد وجنتيها وأردف بتهكم :-
دي دينا مراتي
رفعت عنود بندقيتاها على دينا يحرج ومدت يدها تصافحها بحفاوة :-
اتشرفت بحضرتك
مدت دينا يدها وصافحتها مرحبة بها بود زائف عكس ما تشعر به داخلها ..
اهلا بيكي
صاحت بها جني بنيرة مرتفعة وهي تهرول مسرعة نحو أبيها ، جلس زيان القرفصاء وفتح ذراعيه لها ، عانقته الصغيرة مفتقدة إليه
وحستني يا بابا ، زحلانة منك عسان مش بتيجي قبل ما انام
شعر زيان بالفرح خيال صغيرته فهو لم يفكر أنها تكترث لأمره ، ظن أنها مثل والدتها لا تشعر بغيابه ، شعر بإمتنان كبير نحوها لكونها تعين لوجوده وعدمه، ضمها الى صدره بقوة، ابتعدت عنه قليلا ورمقته بنظرات طفولية وهتفت ببراءة :-
جايزة يونيون يا بابا
تقوس ثغره بابتسامة متهكمة، تخلل خصلات شعرها بأنامله واردف مستاء ...
من عيوني هنزل اجبلك مخصوص با امیرتی
رفعت جني بصرها على عنود بغرابة ثم عاودت النظر إلى والدها وقالت متسائلة :-
بابا مين دي ؟
التوي ثغره بإبتسامة لفضولها الطفولي وهتف معرفاً إياها .
دي طنط عنود قريبتنا سلمي عليها .
رفضت جني أن تصافحها خشية منها ومن أي أشخاص جدد تقابلهم ، لاحظت عنود رفضها واستشفت خوفها منها ، جلست هي
الأخري القرفصاء وسحبت من حقيبتها حلوي ومدت يدها نحوها قائلة :-
تاخدي بون بون ؟
نظرت جني الي والدها ليوما راسه مشجعاً إياها لتأخذ منها الحلوي ، اقتربت جني من عنود وأخذت الحلوي تم صافحتها ببراءة :-
معاكي كمان ؟
الفجرا زبان و عنود ضاحكين علي تصرف جني الطفولي بينما كانت تقف دينا كمن تقف على جمرات متقدة ترمقهم بغيظ ، فتلك الفتاة جالسه بجانب زوجها تداعب صغيرتها بكل وقاحة ، لم تروق لها منذ اللحظة الأولى لكنها مجبرة على استضافتها تلك
الساعات القليلة .
اقتربت منهم بغيظ وامسكت جني من ذراعها وأجبرتها على الابتعاد عنهم وهتفت موجهة حديثها إلى عنود بحنق :-
تعالي ادخلي اوضة جني أكيد عايزة ترتاحي
نهضت عنود وابتسمت يخجل قائلا :-
أنا أسفة بس انا مليش مكان اقعد فيه و.....
قاطعها زيان في محاولة منه أن يمحي التكلف بينهم .. ده بيتك ياريت متناسفيش انتي في مقام بنت عمي
رمفته عنود ببندقيتاها متسائلة يتعجب :-
بنت عمك ازاي ؟
أجابتها دينا حتى لا تنسخ الريان فرصة التحدث معها ..
انتي متعرفيش أن والد زيان ابن عم والدك ؟
اضاءت عنود راسها نافية بينما هتف زبان مؤكداً حديث زوجته :-اديكي عرفتي يعني احنا قرايب لو احتجتي حاجة اطلبيها من غير ما تترددي
شعرت عنود بالخرج الشديد لاسلوبها الفظ التي حادثته به من مسبقاً . جمجمت بحرج وأردفت معتذرة ..
أنا آسفة لاني اتكلمت معاك بأسلوب مش لطيف في المكتب
التوي تغر ريان بتكلف وردد ..
ولا يهمك
استشاطت دينا غيظاً من ذاك الحديث الغامض ، لما تعتذر تلك الفتاة ولما تتحدث معه من الأساس، شعرت بالتيران تشتعل بداخلها وتود أنا تطردها من منزلها لكن ليست بتلك الشجاعة ، ستتحمل لا يوجد حل آخر أمامها، تنهدت بضجر ثم أخذت عبود الغرفة جني وأجبرت شفاها علي الابتسام وهتفت بفتور ...
اتفضلي لو احتجتي حاجة نادي عليا
ابتسمت لها عدود ممتنة ..
متشكرة لحضرتك يا طنط
اتسعت حدقتي دينا بصدمة وتمتمت بنبرة مندفعة بعض الشئ ..
طنط مين انا كل الحكاية ٢٨ سنة ، انتي عندك كام سنة ؟
جمجمت عنود في خجل وأجابتها مستاءة من زلة لسانها ... ١٨ سنة
رمقتها دينا بذهول وكادت أن تنفجر ضاحكة ، أهي تغار من تلك الصغيرة التي لم يتعدي عمرها العشرون بعد ، حاولت أن ان تخفي ضحكاتها ولعنت سذاجتها المفرطة، وقالت مشكلة إبتسامة على محياها ...
١٠ سنين مش كتير اوي برده أنك تقوليلي طنط
ضغطت عنود على شفاها بإرتباك خجل وأردفت نادمة :-آسفة فكرتك أكبر من كده
ابتسمت لها دينا وأردفت مختصرة حديثها ..
حصل خير البيت بيتك متتردديش تطلبي حاجة .
دلفت دينا للخارج ساخرة من سذاجتها حيال تلك الصغيرة. نظرت إلى زيان الذي يداعب صغيرته ولم يلاحظ وجودها أو أو يتعمد
تجاهلها لا تدري ، جمجمت وهتفت بفتور
تحب تتغدي ؟
نهض زيان واجابها باقتضاب وملامح جامدة :-
لا مش عايز ، أنا نازل
دلف للخارج سريعاً وطرق الباب بعنف . وقف أمام المصعد وابتسم عندما تذكر ذلك الجدال الصغير الذي حدث منذ قليل ، ولج بداخله وضغط علي زر الهبوط .
لم يتفاجئ عندما توقف المصعد عند الطابق القاطن به والده ، زقر أنفاسه بضيق وسحق أسنانه بقضب ، وها هي قد ظهرت أمام مرأي عيناه أغلقت الباب ونظرت إليه بخضرواتاها وهتفت معاتبة ..
بالبساطة دي عايز تخلص مني ؟
أوف أوف أوف
صاح بهم ريان فلقد بلغ ذروة تحمله ، بينما اقتربت هي منه بدلال ، دفعها بكل ما أوتي من قوة مستنكراً تقربها الوقح ، وقعت رنا
أرضاً أثر دفعته وأطلقت أنة موجوعة ...
انت بتعمل فيا كده ليه ، ليه مش حاسس بيا ؟
انحني بجسده نحوها وجلس القرفصاء مقابلها رافع سبابته أمام وجهها محذراً إياها :
أقسم بالله يا رنا لو فكرتي بس مجرد تفكير تقربي مني ثاني ورحمة امي لهكون فاضحك في الحنة كلها وهرميكي رقية الكلاب ولا أبويا ولا الدلول اللي فرحانة بيه ده يقدروا يوقفوني عن اللي هعمله فيكي ، شكلك نسيتي أنك بتتعاملي مع ريان العراقي
انهي حديثه المسترسل وفتح باب المصعد بإندفاع وغادر وهو يتمتم بالشباب، هبط الأدراج سريعاً وهو في قمة الفعاله . اصطدم في شخص ما من سرعة خطواته المهرولة، توقف وكاد أن يندفع به لكنه صمت عندما رأه أخيه الصغير .
رمقه يحيي بغرابة لتقاسيم وجهه المشدودة متسائلاً يقلق ...
مالك في ايه ؟
مفيش انت جاي منين كده ؟
تسائل ريان بنيرة صارمة حادة بينما تقبل يحيى تغيره للحوار واجابه قائلا ...
كنت في الكلية بقدم بس قالولي تعالي بكرة لأن عندهم ضغط كبير النهاردة.
اماء زيان راسه يتفهم ثم غادره دون أن ينبس بحرف زائد ، عاد لمكتبه وما إن أوصد بايه حتى انهال على مكتبه الخشبي بعصبية إلى أن بات خطاماً .
وقف أمام نافذته يرفر انفاسه بغضب شديد ، أهو يستحق هذا القدر من الضغوطات ؟ لا أحد يرفق به وبمشاعره وكأنه حيوان خلق
لتلبية طلباتهم فقط ، لا أحد يشعر به حتى أقرب الأقربين .
لا يعبأ له أحد ولا يكترثوا كثيراً لأمره ، هل هو حزين أم سعيد ، هل يأكل هل يشرب هل ينعم بنوم هنى مثلهم . لم يفكروا به يوماً . لأول مرة يشعر بإحتياجة الشديد للمساندة ، أراد أن يلقي بنفسه بين أحضان أول من يشعر به ويحاول التخفيف عنه .
جلس على الاريكة الجلدية وعدد قدميه أمامه ، أوصد عينيه بإرهاق جلي وهو يعيد ما مر به منذ وفاة والدته . ترك دراسته ليعول والده الذي فقد نور عينيه وبات في ظلام حالك ناهيك عن أشقائه بما فيهم شقيقه الأكبر الذي من المفترض أن يعولهم هو وليس
زبان .
عمل في أحد الورش الصغيرة وسهر الأسابيع لم يذق طعم النوم الا دقائق معدودة لكي يثبت جدارته ويحظي بأجر مرتفع . أبتعد عن دراسته وعن اصدقائه حتى عائلته فقط ليأتي بمال لكي يلبي احتياجات عائلته التي بات هو عائلهم الوحيد دون مساعدة من أحد .
شعر بحرارة قطرات عينيه التي انسدلت رغماً عنه، مسحهم بأنامله ثم اعتدل في جلسته متمتماً بحدة ..
في ايه يا زيان انت هتنج الوقتي ؟ معتش وقت وقوع خلاص انت كبرت على الكلام ده فوق لنفسك بقا ، فوق عشان تقوي اكثر وتواجه اللي بتتعرض له .
زفير وشهيق ثم دلف للخارج بخطي متريئة ، نادي علي أحد عامليه قائلا بنبرة أمره :-
هاتلي مكتب جديد بسرعة
اوامرك يا معلم
قالها عاطف أحد عمال المعرض ثم أسرع في امتثال أوامر رب عمله، بينما ذهب ريان لشراء المنزل الذي وعد به ياسر ....
جذبها هاني من ذراعها ودلف بها داخل غرفتهم وأجبرها على الوقوف أمامه ، تنهد بضجر بائن وصاح بها مندفعا ...
إحنا ليه مش عندنا عيال ؟
أغمضت رنا عينيها بضجر لهذا الرجل الذي لا يكل مطلقاً من تلك السخافات الذي يردد سؤالها دائماً ، والإجابة واحدة لا تتغير وهو يعلمها جيداً لكن لابد وأن يعكر صفو مزاجها .
تنهدت ثم أجابته مشكلة إبتسامة ساخرة علي محياها :-
لأننا مش بتخلف طول ما إحنا مع بعض ، نصب تسمعها ثاني ولا اكتفيت ؟
تنهد مستاء تم جلس على طرف الفراش وجذبها من يدها وأجبرها على الجلوس على قدميه وتابع حديثه قائلا بحزن :-
عمري ما هكتفي . إحنا روحنا لدكتور واحد وقالنا كده والكلام ده من سنتين، ليه متروحش لدكتور ثاني وثالث وتجرب حلول كثيرة عشان توصل للي عايزينه في الآخر، تعمل حقن مجهري نعمل اي حاجة المهم أن يكون عندنا عيال ، رنا أنا خلاص داخل على الاربعين سنة يعني مش صغير ونفسي في ولد يستدني لما أكبر أو بنت تكون حنينة عليا ، مش عارف ليه الموضوع مش فارق معاكي ، انتي مش عايزة تكوني أم وعندك توتو صغير تلاعبيه وتأكليه وتشتري له هدومه . مش عايزة تسمعي كلمة ماما منه وهي طالعة مكسرة ومش مفهمومة وتقعد نضحك عليه ؟
لمعت خضرواتاها تأثراً بحديثه ، فمن لا يتمني أن يحظي بدور الأمومة ، هي تري حتي ابنة دينا وتتمني أن تعانقها وتأتي بمثلها لكن
ليس من ذاك الرجل ، لا تريد أن تربط حياتها معه لآخر عمرها .
ستحاول وتحاول مع ريان حتى يكل إحداهما اما هو سيرضخ لها أو تتوقف هي عن محاولاتها معه ، لكن لن تتركه بتلك السهولة. التي يظنها
نهضت من على قدميه وانعكست ملامح وجهها الى الحدة قائلا يفتور ...
انت ما يتزهقش يا هاني من الموضوع ده قولنا مينفعش تخلف ليه عايز تصعب الدنيا علينا وتروح لدكتور يقولنا نفس الكلام وترجع
محلك سر، خلينا كده أحسن لو ربنا أراد هتلاقيني حامل من غير علاج
نهض هاني هو الآخر ووقف مقابلها وهتف بتوسل :-
ربنا بيقول اسعي يا عبدي وانا اسعى معاك ، يعني ناخد الخطوة الأولى في العلاج وربنا ييسر الباقي
تأقعت يصجر بائن وصاحت به بتهكم :-
يووه بقا انا سايبة لك الاوضة وخارجة عشان تسكت هااا..
دلفت الى الخارج سريعاً هاربة منه وما إن أغلقت الباب حتى وقفت تتنفس الصعداء وحمدت الله أنها أنهت ذاك الحوار دون أن يكشف أمرها
عاد ريان إلى المنزل في وقت متأخر بعدما أنهي ما ذهب لإنهائه ، صف سيارته أسفل البناية وترجل منها ، قابل صديقه الحميم
وهتف بمزاح ..
راجع منين يا خلود متأخر كده اوعي تكون يتلعب بديلك
قهقه خالد عالياً واقترب منه واردف ...
لا يا خفيف كنت بجيب ورد ....
غمز بعينه الي ريان فأسرع ريان هاتفاً بسخرية :-
ورد . انت هتخطب ثاني ولا ايه ؟
ضيق خالد عيناه عليه واجابة متعجباً ...
لا يا عم النهاردة عيد جوازي وهي صحت الصبح قالتلي عايزة ورد يا إبراهيم ، فبتلها ورد
قهقه زيان عالياً ثم وردد ساخراً ...
انت مش مكسوف وانت ماشي شايل الورد كده الصراحة شكلك مسخرة ويضحك أوي كانك مراهق عنده ١١ سنة
ازدادت فهقهات ريان بينما لكزه خالد في كتفه بعنف وقال بفتور ...
واحد جايب لمراته ورد ايه اللي بيضحك في كده ، عايز تفهمني انك مش بتجيب ورد لمراتك ؟
عقد زيان ما بين حاجبيه بذهول وأشار بإصبعه على نفسه .
أنا ، اجيب ورد ليه ؟ أهرق نفسي ويبقي شكلي يضحك زيك كده لا طبعاً
استشاط خالد غيظاً من أسلوب ريان معه، لكزه مرة أخرى في كتفه لكن كانت تلك المرة أشرس ثم غادره هاتفاً بحنق ..
مش فايق لك الوقتي بكرة اجي أرد عليك
آل ورد آل . ليه الرجالة بتزهق نفسها بالشكل ده - هتف بهم زبان وانفجر ضاحكاً على منظر صديقه ثم صعد إلى الأعلي .
كانت دينا جالسه في قيد انتظار عودته من الخارج بفروغ الصبر حتى تفاجئه بذاك الخبر السعيد، لكنه تأخر كثيراً وقد عليها النوم وهي على الفراش
ولج ريان الي المنزل وكعادته لم يستقبله أحد . دلف داخل المطبخ وسمع أنين أو ربما شهقات لم يتضح له حقيقة تلك الأصوات .
ذعر بخوف شديد لأنها تأتي من غرفة صغيرته . توجه نحوها بخطي مهرولة وفتح الباب ونسي تماماً تلك الضيفة التي تمكث لديهم لعن نفسه عندما رأها كيف له أن ينسى شئ كهذا ماذا ستقول عليه الآن، لكن لحظة ماذا تفعل هذه ؟ اتصلي ؟ لم يأذن الفجر بعد إذا ماذا تصلي وبذلك الخشوع، لما تبكي بحرقة هكذا ولا تتوقف قطرات دموعها عن النزول ، أغلق الباب بهدوء وعاد لما كان يفعله
تأفف بضيق عندما رأي الطعام بارداً ، وضعه في آلة التسخين الكهربائية وضغط علي زر التشغيل لكنه لم ينير مصباحه الصغير
الذي يدل على بدأ توزيع الحرارة على الطعام، حاول مراراً وباتت محاولاته بالفشل .
انت نسيت تحدد درجة الحرارة.
هتفت بها عنود عندما رأته يقف محاولاً مع تلك الآلة جاهلاً كيفيه تشغيلها . التفت اليها يخرج لفعلته التي بدت وقحة قليلاً .
اقتربت هي منه وحددت درجة الحرارة المناسبة للطعام حيث تفاجئ ريان بأن الآلة قد بدأت في عملها ، ابتسم لها وقال ممتناً ..
شكراً أصل انا مليش في الحاجات ومش بتعامل معاها كثير
ابتسمت عنود يتكلف تم سألته بتردد ممزوج بالخجل :-
هو حضرتك كنت محتاج حاجة اصل دخلت الاوضة و ...
صمتت من تلقاء نفسها ولم تكمل خجلاً من نظراته المثبتة عليها ، بينما شعر ريان بالحرج الشديد اتجاها لفعلته البنها: هاي تنهد
بارتباك خجل وأردف موضحاً تصرفه :-
لما سمعت صوت عياط فكرت جني اللي بتعيط ونسيت خالص أنك موجودة
شعرت بتلك الحرارة المنبعثة من وجهها من فرط حياتها واخفضت بصرها وقالت بتعليم ..
حصل خير، بعد اذنك
أولته ظهرها وكادت أن تدلف للخارج بينما أوقفها زيان بسؤاله ...
انتي كنتي بتعيطي ليه ؟
تفاجئت هي بسؤاله، استدارت إليه يجسدها ورمقته بغرابة ممزوجة ببعض السعادة لكونه مهتم بيها ، ربما لأنها مفتقدة لذلك
الشعور كثيراً ، تابع زيان مضيفاً ...
أنا قصدي في حد زعلك هنا في البيت ، حد ضايقك ؟
أماءت راسها ينفي واجابته مختصرة الحديث معه :-
لا لا خلاص ، بس انا يكون كده وانا يتكلم مع ربنا
ضيق عيناه عليها متعجباً لما تقوله ، اتتحدث مع الله . كيف ؟ كاد أن يسألها لكن بوق الآلة الكهربية صدح وأعلن عن انتهاءه ، التف إليه زيان وسحب الاطباق منه بينما عادت عنود سريعاً الى غرفة الصغيرة التي تمكث بها ..
جلس ريان على طاولة المطبخ يتناول طعامه في صمت طال فترة تناوله للطعام ، بينما جلست عنود علي القراش الإضافي في الغرفة وبحثت في هاتفها عن افضل الجامعات بمصر، شهقت بصدمة عندما قرأت أن غداً الميعاد الأخير للتقديم .
از فرت أنفاسها وعزمت أمرها أن تذهب وتقدم بأحد الجامعات غداً بمشيئة الله، والآن ستحظي ببعض النوم لتبدأ يوماً جديداً لا تعلم ماذا يحمل لها نصيباً من الأقدار ...
اشرقت الشمس معلنة عن بدأ يوم جديد في حياة الجميع ، استيقظت عنود مبكراً وترددت كثيراً في الولوج خارج الغرفة لكنها
مضطرة يجب أن تجهز سريعاً حتى تذهب وتبدأ بإجراءات التحاقها بالجامعة .
ولجت داخل المرحاض الخارجي على عجالة من أمرها قبل أن يستيقظ أحدهم . دلفت للخارج بعدما أنهت ما تفعله به ، تفاجئت بدلوف زيان من غرفته .
ابتلعت ريقها يخجل بينما ألقي هو التحية بنبرة متحشرجة :-
صباح الخير
أجابته وهي مطاطئة الرأس بحياء :-
صباح النور
تعجب ريان منها ومن تصرفاتها التي تزيده غرابة فلم يسبق له وأن رأي بمثلها . لا تصافح الرجال ولا تختلي معهم في مكان مغلق
ولا تنظر إليهم ودائمة الخجل عندما تتحدث معهم .
تنهد وهتف متسائلاً باهتمام .
انتي محتاجة حاجة . الوقت لسه بدري أوي
رفعت بندقيتاها عليه بحرج وأجابته قائلة :-
لازم أقدم في الجامعة لأن النهاردة آخر يوم في التقديم
عقد ما بين حاجبيه بقرابة وسألها بفضول :
تقدمي في الجامعة، التي عندك كام سنة ؟
ابتلعت ريقها واجابته بخجل مفرط .
١٨ سنة
الفجر ريان ضاحكاً بينما رمقته عنود بغرابة من أمره لا تعلم سبب ضحكاته القوية ، شعرت بالخجل فأخفضت رأسها بحياء ، توقف
ريان عن الضحك وردد معتذراً .
أنا آسف بجد بس انتي طلعتي عيلة اوي متوقعتش أنك تكوني صغيرة اوي كده
تلونت وجنتيها بالحمرة الصريحة وكادت تغادره لكنه اوقفها بحديثه :-
استني مش قصدي اضايقك ، طيب انتي هتروحي مع مين ؟
أجابته بحدة متعمدة عدم النظر إليه :-
هكلم ياسر يجي معايا .
اماء رأسة بتفهم وسألها بفضول ليرضي غريزة فضوله ..
هتقدمي في كلية ايه ؟
لا تعلم سر ذلك الشعور الذي تغلغل بداخلها لسؤاله الأخير ، نظرت إليه بإمتنان لأنها تريد مشاركة ما تفكر به وما تفعله مع أحدهم كما كانت تشارك والديها دوماً . تنهدت بحرارة واجابته بتيرة متحمسة ...
كلية هندسة
التوي ثغر ريان مشكل ابتسامة عريضة على محياه . شعرت عنود بنبضاتها التي خفقت بصورة عنيفة عندما ابتسم تلك الابتسامة رمقته كثيراً وهي لا تريده أن يتوقف عن الابتسام مرة أخرى - هزت راسها طاردة أفكارها المبهمة التي راودتها في تلك الأثناء، بينما
ردد زيان متمنيا لها التوفيق :-
ربنا يوفقك ، تحبى أكلم لك ياسر ؟
اماعت راسها رافضة وأسرعت بالحديث بحرج ... هكلمه أنا
لا أنا اللي هكلمه
أصر ريان بنبرة صارمة ، لا يعلم لما تحدث بتلك اللهجة، ربما لا يريدها أن تتحدث معه بمفردهم كما رفضت هي الصعود معه في المصعد تحت مسمي خلوة غير شرعيه ، إذا لن يسمح بإعطاءها فرصة التحدث معه .
أجابه ياسر بنبرة قلقة :-
سحب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالاتصال على ياسر، وقف يرمقها قيد انتظار إجابته ..
معلم زيان ، عنود كويسة ؟
ابتسم زيان لحالته واجابة بنيرة هادئة ...
كويسة بس هي عابرة تقدم في الكلية لأن النهاردة آخر يوم وكانت عايزاك معاها .
ممكن تديهالي
قالها ياسر بحرج بائن . بينا رد عليه ريان بفتور :-
اه الفضل
مد يده بالقرب منها هاتفاً باقتضاب :-
ياسر عايزك ...
أخذت منه الهاتف فلامست بشرته الخشنة ، شعر كليهما برجفة شديدة سرت في أوصالهم الساكنة كأنهم صعقوا من الكهرباء وليس من مجرد تلامس ايديهم .
ابتلع ريان ريقه بتوتر وهو يرمقها بنظراته الثانية التي أخجلتها . اخفضت بصرها هاربة من نظراته المسلطة عليها وأردفت موجهه حديثها إلى ياسر قائلا يخجل ..
نعم
تنهد ياسر ياسي وهتف قائلا :-
عنود ضروري يعني النهاردة ، أنا لسه مخلص إجراءات كتب الكتاب وكمان محتاجك تتصوري وترتيبات كثير ينفع يوم ثاني ؟
لمعت عينيها يحزن وأجابته بنيرة هادئة :-
النهاردة آخر يوم مش هينفع لازم أقدم النهاردة، طيب أنا هروح أنا ، أنا عملت سيرش عن الجامعات اللي اقدر اقدم فيها وأقدر
اطلب اي ابليكشن واروح معاه
أجابها ياسر برفض تام :-
لا مينفعش تروحي لوحدك أول مرة ومش هتعرفي تمشي لوحدك .
انسدلت قطرة من عينيها حزناً على ذلك المستقبل الغامض لطلاما تمنت نجاحه وبشدة ، ماذا يحدث له الآن ؟ سيفارقها مثلما فعل والداها ، لماذا جميع الأشياء التي تحبها لا تكتمل وتذهب دائما ، هزت رأسها مستنكرة تفكيرها وسوء ظنها بالله ، استغفرت
ربها ثم أجابته بإصرار ...
معلش يا ياسر مش هقدر أضيع مستقبلي عشان حد حتى لو كان انت ، أنا مقدرة خوفك بس الكلية لو ضاعت عليا مفيش جواز هيتم .
ظهرت شيخ ابتسامة على تغر ريان وهو يري عزيمة تلك الصغيرة وإصرارها على ما تريد . ماذا لو كان يمتلك نصف جراتها ؟ لكان الآن يسبق إسمه المهندس بدلاً من المعلم التي ترافقه دائماً و لا يحب سماعها لكنه فقط اعتاد عليها .
انا ممكن اوصلك
هتف بها زيان بنية المساعدة فهو لا يريد لأي شخص كان أن يعيش نفس تجربته التي لازال يتمناها قلبه ويؤلمه ذكراها ....
رمفته عنود ببندقيتاها وقد التمعت عينيها يوميض غريب لم يستطيع زبان تفسير معناه . لكنها سرعان ما انعكست تعابير
وجهها ، كيف يجرأ ويقول ذلك، ألم يفهم شخصيتها منذ موقف المصعد الكهربائي
